
— صباح الخير، هو أنت من امتى صاحي بالظبط؟
ازدادت ابتسامته عبثية على وجهه دون أن يتكلم، فغيرت السؤال قائلة:
— طب انت كويس ولا حاسس بحاجة واجعاك؟
ظل على سكوته المريب مع هذه الابتسامة السمجة المزعجة، مما جعلها تمل فهمت تنهض وتتركه، ولكنه استوقفها:
— استني، عندك دقيقة.
وقفت مضطرة تستمع لها، ولكنها أجفلها وهو يخرج الورقة من تحت غطائه ويسألها بلؤم:
— أي دى؟
وكأن دلوا من الماء البارد سقط على رأسها، فتحت فمها وأغلقته عدة مرات لا تجد إجابة سوى:
— ها!
يتبع.
الفصل الرابع
بقلم: أمل نصر
تلجم لسانها عن النطق ببنت شفة وهي لا تجد ما ترد به، فماذا تقول وكيف تختلق حجة تبرر بها وهي تحمل نفسها هذا الخطأ الكبير بنسيانها للصورة وظهورها بهذه الصورة المخزية أمامه، فكيف تأتي بفكرة تكبح بها سيل ظنونه السيئة نحوها؟
— بقولك أي دى؟ ما بتروديش ليه؟
كررها مرة ثانية وكأنها في جلسة تحقيق، فلم تجد أمامها سوى الرد بعفوية لتبدو وكأنها إجابة طبيعية:
— اا عادي! دي صورة مرسومة، مالها يعني؟
ردد خلفها بنفس الطريقة:
— اا عادي وصورة مرسومة! ومين بقى اللي رسمها إن شاء الله؟
يانهار أسود! هو أنا مش هاخلص.
هذا ما حدثت به نفسها بصوت خفيض وهي واقفة لا تدري بما تجيبه.
فازداد هو في تهكمه وقال بحدة:
— ما تردي! أنتي خرستي؟
— لو سمحت من غير غلط!
قالت بعصبية وغضب، وهو ظل صامتًا واكتفى بالنظر إليها مضيقًا عينيه وكأنه يقرأها ليزيد من توترها.
قطع هذه اللحظة العصبية على يمنى دلوف والدتها نجية لداخل الغرفة وتلقي التحية بعفوية:
— صباح الخير، ألف سلامة عليك يابني، يارب تكون بخير النهاردة.
نقل أنظاره إلى نجية ببطء ليرد عليها بموده:
— الله يسلمك يا خالة، أنا كويس والحمد لله.
اتسعت ابتسامة نجية قبل أن تردف بمودة:
— للمرة التانية بتقولي ياخالة، طب ما تقولي يابني اسمك ايه عشان اندهلك بيه؟
بادلها إبتسامتها ولم يتردد في ذكر اسمه أمامهم:
— صالح ياخالتي، اسمي صالح.
— عاشت الأسامي يابني، اسمك حلو قوي.
قالتها نجية بترحيب، على عكس يمنى التي تمتمت مع نفسها الاسم وكأنها تراه لا يليق بيه، ويبدو أنه قرأ أفكارها!
— ايه، مش عاجبك الاسم ولا مش حساه لايق عليا؟
— وأنا دخلي أي باسمك، إن كنت صالح فدا لنفسك، وإن كنت غير برضو لنفسك.
قالتها بأسلوب ساخر أزعجه وغرز بداخله الغيظ، فقرر قلب الطاولة عليها:
— إلا قوليلى ياخالة، مين عندكم في البيت هنا بيرسم كويس؟
— يمنى بنتي يابني، أنت ليه بتسأل؟
بهتت يمنى وكادت أن تسقط مغشيًا عليها حرجًا من هذا الشخص المريب والذي استغل طيبة والدتها فحصل منها على إجابة لسؤاله بمنتهى البساطة، ليكمل بخبث وهو يلوح بالصورة أمام نجية سائلًا:
— يعني هي اللي رسمت الصورة دي ياخال؟
هنا لم تستطع التماسك أكثر فخرجت مسرعة من أمامهم دون استئذان نجية أكثر لتتحقق من الصورة.
— ياه، دي تشبه عنيك بالظبط! بس دى امتى رسمتها دي ياحبيبتي؟ طلع عينها الليلة اللي فاتت هي وأبوها وهما بيطلعولك الطلقة من كتفك وينضفوا جرح راسك ويطهروه.
أجفل هو لجملتها الأخيرة فسألها قاطبًا:
— بتقولي مين اللي طلع الرصاصة؟
— بقولك يمنى وعمك سالم ابوها، هما اللي طلعولك الرصاصة، بس انت ايه اللي عمل فيك كده بس يابني؟
شاح ببصره عنها غير قادر على مواصلة الحديث ليردف بغضب:
— أنا عايز أمشي، ممكن تسنديني عشان أقوم؟
فسارعت المرأة بطيبة تثنيه عن قراره:
— خلاص يابني، إن كنت زعلت، بس أنت ما ينفعش تقوم دلوقت، لما راسك تخف الأول، أقولك استنى أجيبلك تفطر الأول.
— مالوش لزوم، كام مرة هاقولك انا لا عايز وكل ولا شرب.
قالها بنفس حرج الأمس مما أدهش نجية أكثر، فأصرت عليه ليأكل كي يتمكن من الشفاء، ثم خرجت من الغرفة وتركته في حيرة من أمره وخجل من نفسه أيضًا.
ياترى هيقول عليا ايه دلوقت؟ لا يفتكرني معجبة بجنابه، دا ايه الوقعة المهببة دي بس ياربي والإحراج اللي أنا فيه دا! يعني كان لازم أدخل بالرسمة المهببة دي عنده في الأوضة وأقارن بين الصورة والحقيقة، أنا عقلي كان فين ساعتها بس!
— انت بتكلمي نفسك يابت؟
أجفلت منتبهة على صوت والدتها فقالت بتشتت:
— ها، في حاجة ياما؟ هو انت بتكلميني؟
نجية وهي تتقدم بخطواتها لداخل المطبخ من يمنى الواقفة بجوار الموقد بشرود:
— اللي واخد عقلك يتهنا بيه ياختي.
سألت نجية بريبة ونظرات متفحصة، وكانت الرد من يمنى:
— فى ايه يا أمى؟ ولزمتوا ايه الكلام ده بس.
استندت بكفها على سطح المطبخ وهي تنظر ليمنى عن قرب قبل أن تردف:
— ما هو لما دخلت عليكي المطبخ ألاقيكي بتكلمي نفسك وسايبة الشاي يغلى وراكي، يبقى ليه لازمة الكلام يا يمنى عشان أعرف ايه اللي مغيرك بالظبط.
سارعت يمنى بإطفاء الموقد المشتعل خلفها على براد الشاي لتتناوله وتصب منه في الأكواب الزجاجية على رخامة المطبخ بجوارها وهي تردد:
— معلش يا أمى، مكانتش واخدة بالي، معرفش ايه اللي خلاني سرحت عنهم بس.
لاحقتها نجية بنبرة مستخفة:
— مكانتيش واخده بالك؟ طب وسعي ياختي عن البوتوجاز، خليني أسخن لقمة للجدع المتصاب جوة ده، وسعي.
تركت يمنى ما بيدها والتفتت تنظر لوالدتها بتعجب قبل أن تسألها:
— معلش يعني ياامي، هو انتي ليه متعاطفة مع البني أدم دا؟ دا حتى مجرم!
التفتت إليها الأخرى تجاوبها بطيبة:
— يابنتي أنا حساه ابن ناس وجار عليه الزمن، وحتى لو كان مجرم، مفيش حد بيبقى مجرم كده لوحده. المهم أنتي ازاي رسمتي عنيه وليه أساسًا ترسميها؟
عاد إليها الشعور بالحرج بعد أن كانت تناسته، فالتفتت ثانية تكمل ما تفعله وتتجاهل الرد على والدتها وهي تردف:
— أنا هروح أودى الشاي لأبويا، أحسن يستعجلني.
قالت وهي ممسكة بصينية الشاي وخرجت على الفور متهربة من أسئلة والدتها.
وعند سالم الذي كان جالسًا على الأريكة الخشب خارج المنزل وهو يتسامر مع جيرانه ويتحدثون عن الليلة الماضية، وسمعاهم لصوت الطلقات النارية الكثيفة، سأل الرجلين الجالسين معه:
— يعني على كدة محدش عارف صوت الضرب الكتير ده كان جاي منين؟




