
أجاب الجار سعيد:
— الظاهر كده يا أبو محمد إنهم مكنوش حرامية زي كل مرة.
وافقه الرأي جاره الآخر والمدعو حميدو:
— عندك حق ياسعيد، عشان احنا لحد دلوقتي ما سمعناش عن أي حد في البلد بهيمته اتسرقت امبارح.
خمن الجار سعيد بفطنته:
— يمكن قتل، اللهم احفظنا. حد عارف أصلها؟ حاجة غريبة قوي صراحة، وعمر الضرب ما حصل في ليلة في بلدنا إلا أما سمعنا بعديها عن السبب بالظبط، لكن إننا نسمع طلق الرصاص دا كله وما نعرفش باللي حصل، دي عمرها ما حصلت!
انقبض قلب سالم مع سماع كلمة قتل، وذلك لتذكره هيئة الرجل الغريب أمس والطلقة التي قام بإخراجها بطريقته البدائية والتي تعلمها أبًا عن جد، ولكن ببعض الأدوات والعلاجات الحديثة بمساعدة ابنته. ترى هل كان طرفًا هذا الرجل الغريب فيما حدث أمس، أم كان طرفًا في معركة أخرى؟
حاول أن يبدو طبيعيًا أمام جيرانه لكن الخوف بدأ يزداد بقلبه حينما سمع جاره حميدو وهو يقول:
— ربنا يستر وما يكونش حاجة كبيرة وتروح فيها البلد كلها، لأن امبارح ضرب النار كان كتير قوي.
أجفل سالم من شروده على صوت ابنته يمنى وهي تهتف عليه:
— ابويا، الشاي يا بوي.
أومأ لها رأسه يحثها على التقدم:
— يابنتي بالشاي، مافيش حد غريب، دا عمك سعيد وعمك حميدو.
خرجت إليهم وهي تتقدم بصينية الشاي نحوهم، فخاطبها الجار سعيد وهو يتناول كاسته منها:
— مش بعاده يعني تغيبي عن المعهد يابنتي؟ دي أول مرة تحصل.
ارتبكت يمنى في الإجابة عن سؤال الرجل، وقام أبيها بالرد نيابة عنها:
— أنا اللي قولتلها تريح النهاردة، ما أنت عارف شغلانة التمريض صعبة ومتعبة، وأنا بصراحة شفقت عليها.
تدخل الجار حميدو قائلًا هو أيضًا:
— اسم النبي حارسها وصاينها، دي أحسن من الدكاترة نفسيهم. دا ديك النهار ابني الصغير لما اتجور ورجله اتفتحت، خيطتها وطهرتها أحسن ما كنا روحنا بالولد المركز واتمشورنا هناك.
قال الجار سعيد:
— ربنا يحرسها، دا الشغل اللي بتعمله في الوحدة الصحية عملها سمعة طيبة شهرها في البلد كلها.
استأذنت منهم يمنى لتدلف لداخل المنزل، وتمتم سالم بداخله بامتعاض:
— سمعتها الطيبة! ياريتها ما بقتش ممرضة ولا بقى ليها سمعة!
دلفت لداخل المنزل لتفاجأ بصياح والدتها عليها باسمها من داخل الغرفة الموجودة بيها هذا المدعو صالح، فزفرت بضيق:
— يوووه، هو أنا مش هخلص النهاردة باين.
همت التجاهل والذهاب لغرفتها، ولكن مع تكرار الصياح اضطرت صاغرة تدخل الغرفة:
— عايزه أي يا أمى؟
سألت بعد أن دلفت الغرفة وهي تتجنب النظر إليه، فردت والدتها:
— تعالي يابنتى ساعديني، أصل عايزة أفطر صالح وهو مش قادر يحرك راسه.
نهمت على مضض لتساعدها برفع رأسه حتى يتمكن من الأكل دون أن يتألم، متجنبة النظر إليه وهي تشعر بنظراته المسلطة عليها.
قالت نجية بمودة بعد أن عدلت بمساعدة ابنتها وضع رأسه كي تمكن من تناول الطعام:
— الحمد لله يابني، تقدر تاكل دلوقت.
رد صالح وهو ينظر ليمنى بطرف عينيه:
— عشان خاطرك بس يا خالة، هاكل حتى عشان أقدر بس أقوم وأريحكم من تعبي.
رد صالح بحرج:
— ياخالتي، أنا دراعي اليمين شغال وأقدر آكل بيه.
— ياسيدي عارفين، بس أحنا خايفين من الحركة لا تتعبك، واحنا عايزينك تخف وتقدر تمشي على رجليك.
قالتها يمنى وهي تشدد على الجملة الأخيرة، عله يفهم مغزاها، ويبدو أن الرسالة وصلت فابتسم لها رافعًا حاجبه.
فور أن همت نجية بإطعامه تفاجأت بنداء زوجها باسمها من خارج الغرفة، فنظرت ليمنى موجهة كلماتها:
— روحي يا يمنى شوفي أبوكى بينده عليا ليه.
همت بالذهاب ولكنه استوقفها صالح قبل أن تتحرك:
— روحي انتي يا خالة شوفي جوزك عايز ايه، وخلي الدكتورة يمنى هي اللي تأكلني.
رفعت يمنى طرف شفتها مستنكرة سخريته بتلقيبها بالدكتورة وقالت:
— دكتورة يمنى!! لا وكمان عايزني أأكلك كمان؟
أردف هو ببراءته:
— تزعلي من دكتورة؟ معلش، أنا قصدي أقدرك، وكمان سامحيني إن كنت هتعبك معايا، بس أنا مش عايز عمي سالم يزعل من خالتي نجية، وأنا لازم آكل عشان أخف، ولا أنتي مش عايزاني أخف!
صكت على فكها غيظًا من طريقة تملقه إليها أمام والدتها، وهمت لتعترض ولكن سماع صوت صياح أبيها الشديد جعل نجية تنتفض وتترك ما بيدها وهي تردف بعجالة ليمنى:
— أبوكي باين عليه مضايق من صوته، تعالي أكليه انت وأنا هروح أشوف أبوكي ماله وبيزعق كدة ليه.
قالت نجية وخرجت مهرولة لزوجها لتترك يمنى دون استئذان ولا استماع اعتراضها مع هذا الإنسان المستفز، وهو يرمقها الآن باسترخاء. فتحت يمنى فمها لتتحجج وتتركه، ولكنها تذكرت مهنتها وقلبها لم يطاوعها.
أردف هو بلؤم:
— آسف تاني يا دكتورة إني هتعبك، بس أنتي اعتبريني مريض عادي عشان تراعيني، حتى لو كنت مجرم زي ما انتي شيفاني!
الفصل الخامس
وفي مكان آخر، قصر كبير يتوسط مساحة هائلة من الخضرة يحاوطه سور خرساني تتدلى فوقه إلى الخارج أغصان الشجيرات الكبيرة والمعمرة، وفي الداخل المبنى العمراني الكلاسيكي يشهد على ثراء العائلة الفاحش وأصولها التاريخية. كان ممتلئ القصر على آخره بأفواج المعزين من أهل القرية، الفقراء منهم والأغنياء من جميع الطبقات، ورجال غرباء من جميع القرى المجاورة، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الشخصيات المهمة والمسؤولين أتت من عدة محافظات وأماكن معروفة في الدولة. فالمتوفى ليس شخصًا عاديًا كأي شخص، المتوفى كان في فترة قريبة من الزمن يحتل كرسي النائب عن الدائرة لعدد كبير من السنوات قبل أن يصيبه المرض ويتركها مضطرًا لأكبر أبنائه، وكأنه جزء من الميراث أو شيء يخص العائلة.
الصالة الكبيرة بالمنزل امتلأت بعدد كثير من النساء التي اتشحت ملابسها بالسواد، أتين هنا أيضًا لعزاء زوجة النائب السابق وأم النائب الحالي، ولكنها على غير المعروف لم تكن موجودة في هذا الوقت لتتلقى العزاء مع بناتها ومعظم نساء العائلة من شقيقات وقريبات للعائلة العريقة بأصولها التي تمتد بجذورها إلى الأسرة المالكة سابقًا.
كانت المرأة موجودة بغرفتها بالطابق الثاني، واقفة أمام النافذة تنظر للمساحة الخضراء التي تملكها على مرمى البصر أمامها، وحدها بعد أن أمرت الجميع بتركها والانصراف كي تنفرد بنفسها وتستريح قليلًا، هذا إن استطاعت.




