
الفصل الرابع: موعد في الماضي
الساعة كانت سبعة وخمسين دقيقة صباحًا.
رحمة وقفت قدام المراية، مترددة.
الرسالة المجهولة لسه في دماغها:
“الساعة 8 عند الكافيه القديم… ومتقوليش لجاد.”
كانت عارفة إنها بتعمل حاجة غلط.
لكنها كانت محتاجة تعرف الحقيقة.
أخذت حقيبتها ونزلت بهدوء.
جاد كان في مكتبه، ورحمة سمعت صوته بيتكلم في التليفون.
خرجت من الباب الجانبي للقصر من غير ما حد يشوفها.
لكنها لم تنتبه للسيارة السوداء التي تحركت خلفها.
—
وصلت رحمة إلى الكافيه القديم.
المكان كان شبه فاضي.
جلست في آخر طاولة، وكل دقيقة كانت بتبص ناحية الباب.
مرت خمس دقائق.
ثم عشر.
وفجأة جلس أمامها رجل في الخمسينات.
رحمة بصت له باستغراب.
“حضرتك مين؟”
قال بهدوء:
“أنا كنت شغال مع والدك.”
رحمة شهقت.
“بابا؟”
أخرج الرجل ظرفًا قديمًا ووضعه أمامها.
“والدك طلب مني لو في يوم جاد الجارحي قرب منك… أديكي الظرف ده.”
رحمة فتحت الظرف بإيد مرتعشة.
وجدت بداخله ورقة مكتوبة بخط والدها.
بدأت تقرأ:
“رحمة، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا ما لحقتش أقولك الحقيقة بنفسي. جاد مش عدوك، لكن عيلته مرتبطة بالسر اللي دمر حياتنا.”
توقفت عن القراءة.
رفعت عينيها للرجل.
“إيه السر؟”
تنهد.
“والدك كان شريك والد جاد في مشروع كبير.”
“وبعدين؟”
“حصلت مشكلة… وخسر والدك كل حاجة.”
رحمة هزت رأسها.
“بس أنا فاكرة إن بابا قال إن شريكه هو اللي خانه.”
الرجل سكت.
ثم قال:
“كان فاكر كده.”
“يعني إيه؟”
اقترب منها.
“الحقيقة إن اللي خانه كان شخص تاني.”
رحمة شعرت بقلبها بيدق بسرعة.
“مين؟”
قبل أن يجيب…
سمعت صوتًا خلفها:
“أنا.”
استدارت.
كان جاد واقفًا.
رحمة قامت بسرعة.
“إنت؟!”
جاد نظر للرجل.
“امشي.”
الرجل تردد.
جاد كرر بصوت أكثر حدة:
“قولت امشي.”
الرجل أخذ أغراضه وغادر.
رحمة واجهت جاد.
“إنت كنت بتراقبني؟”
“أيوه.”
“ليه؟”
“لأني عرفت إنك هتخرجي لوحدك.”
“وإنت مالك؟”
“أنا جوزك.”
ضحكت بسخرية.
“جوزي اللي مخبي عني نص حياته؟”
جاد سكت.
رحمة رفعت الورقة.
“قولي الحقيقة.”
جاد أخذ نفسًا طويلًا.
“والدك كان شريك والدي.”
“عارفة.”
“لكن اللي مش عارفاه إن المشروع ما فشلش بسبب والدك.”
رحمة عقدت حاجبيها.
“أمال بسبب مين؟”
جاد نظر في عينيها.
“بسبب عمي.”
“عمك؟”
“عمي كان مسؤول عن الحسابات، واختلس مبلغ ضخم وهرب.”
رحمة بدأت تستوعب.
“يعني بابا كان بريء؟”
“أيوه.”
نزلت دموعها.
“طب ليه بابا عاش طول عمره فاكر نفسه السبب؟”
جاد قال بصوت منخفض:
“لأن عمي زور المستندات.”
رحمة سكتت.
ثم سألت:
“وإنت كنت تعرفني من قبل؟”
جاد أخرج هاتفه وفتح صورة قديمة.
“بعد موت والدك، كنت براجع كل الملفات القديمة. وفي مرة شفت صورتك.”
“وبعدين؟”
“فضلت أتابع أخبارك من بعيد.”
“ليه؟”
تردد.
“عشان كنت وعدت والدك بحاجة.”
رحمة اقتربت.
“وعده بإيه؟”
قبل أن يجيب…
رن هاتف جاد.
نظر للشاشة.
الاسم:
بسنت.
رفض المكالمة.
لكن بعدها مباشرة وصلت رسالة.
فتحها.
كانت صورة لرحمة وهي خارجة من الكافيه مع الرجل.
وتحتها:
“لو كنت مكانك يا جاد، كنت هسأل مراتك كانت بتقابل مين من وراك.”
جاد قبض على الهاتف.
رحمة لمحت الصورة.
“بسنت؟”
جاد لم يرد.
وفي اللحظة نفسها، وصلت رسالة أخرى.
هذه المرة من رقم مجهول:
“الحقيقة مش إن جاد كان يعرف رحمة قبل الجواز… الحقيقة إن جاد اختارها للسبب اللي والدها مات عشانه.”
رحمة قرأت الرسالة.
ثم رفعت عينيها لجاد.
“إيه معنى الكلام ده؟”
جاد لأول مرة بدا عليه القلق الحقيقي.
قال:
“رحمة… لازم ترجعي معايا القصر.”
“ليه؟”
“لأن في حد بدأ يلعب بالنار.”
—
في مكان آخر، كانت بسنت جالسة أمام تامر.
وضعت هاتفها على الطاولة.
“شوفت؟”
تامر ابتسم.
“جاد بدأ يشك.”
بسنت قالت:
“وده المطلوب.”
“بس في حاجة مش فاهمها.”
“إيه؟”
“إنتِ ليه عايزة رحمة تعرف الماضي؟”
بسنت سكتت.
ثم أخرجت صورة قديمة من حقيبتها.
صورة لرجل يقف بجوار والد رحمة.
تامر نظر إليها.
“ده مين؟”
بسنت ابتسمت.
“الشخص اللي لو ظهر… جاد ورحمة مش بس هيفترقوا.”
تامر ابتلع ريقه.
“أمال إيه؟”
بسنت نظرت للصورة.
“كل واحد فيهم هيكتشف إن العدو الحقيقي كان قريب منهم طول الوقت.”
وفي نفس اللحظة…
رن هاتفها.
نظرت للشاشة.
وتغير وجهها تمامًا.
لأن المتصل كان شخصًا ظنت أنه مات منذ سنوات.
يتبع…الفصل الخامس: العائد من الموت
فضلت بسنت باصة لشاشة الموبايل كأنها شايفة شبح قدامها.
الرقم بيرن للمرة التالتة.
إيدها بدأت ترتعش.
تامر لاحظ.
“مين؟”
بسنت ما ردتش.
“بسنت، مين بيتصل؟”
أغلقت المكالمة.
ثواني…
رجع الاتصال.
المرة دي ردت.
“ألو؟”
جالها صوت خشن وهادئ:
“وحشتيني يا بسنت.”
اتجمد الدم في عروقها.
“إنت…”
“آه. أنا.”
“إنت ميت.”
ضحك الرجل.
“دي كانت فكرتكم… مش فكرتي.”
بسنت قامت من مكانها.
“عايز إيه؟”
“عايز حقي.”
“مفيش حق ليك.”
“يبقى أروح لجاد وأحكيله كل حاجة.”
سكتت.
تامر قرب منها.
“مين؟”
غطت السماعة بإيدها وهمست:
“اسكت.”
ثم قالت في الهاتف:
“نتقابل.”
“الليلة.”
“فين؟”
“المكان القديم.”
وأغلق الخط.
—
في القصر، كانت رحمة قاعدة قدام جاد.
من ساعة ما رجعوا من الكافيه وهي مش بتتكلم.
جاد حط كوب القهوة قدامها.
“اشربي.”
رحمة لم تلمسه.
“أنا عايزة أعرف كل حاجة.”
“هقولك.”



