
الفصل الثاني
أمل كانت غير كل البنات اللي يعرفهم في سنها. كانت شايلة الدنيا فوق كتافها، مش زي البنات اللي بيشوفهم حواليه. وكان جواه إحساس غريب، أول مرة يحسه؛ البنت دي مختلفة.. فيها حاجة بتشده ليها، وكأنها حتة منه. في حاجة بتربط روحه بروحها، ومش حاسس أبدًا إنها غريبة عنه، رغم إنه ما شافهاش غير مرتين بس.
يا ترى هو ليه حاسس إنها قريبة منه بالشكل ده؟
وصلها للمنطقة اللي عايشة فيها. شوارع ضيقة، ونورها ضعيف، والطريق متكسر، والبيوت كلها كأنها داخلة في بعض.
أمل أول ما شافت أول الحارة قالت بسرعة وهي متوترة:
«معلش، هنزل هنا.. اقف هنا لو سمحت.»
فارس استغرب وبصلها في المراية وسألها:
«خلينا نوصلك لحد قدام البيت.»
أمل صممت، واتكلمت بسرعة وهي عينيها في الأرض:
«لا معلش، نزلني هنا.. كفاية كده.»
ونزلت من العربية بسرعة، وشكرتهم وهي بتبص لدنيا ومكسوفة تبص لفارس:
«شكرًا بجد، تعبتكم معايا.»
دنيا ابتسمت لها بحب وقالت:
«ولا تعب ولا حاجة يا حبيبتي.. خلي بالك من نفسك، ولو احتجتي أي حاجة في أي وقت كلميني.»
أمل رفعت عينيها بسرعة وبصت لفارس وقالت:
«شكرًا.»
فارس هز راسه بهدوء.
أمل مشيت بسرعة ودخلت جوه الحارة الضلمة، وهي حاسة إنها مش عايزة يعرفوا هي ساكنة فين بالظبط.
فارس فضل واقف شوية، ما اتحركش غير لما شافها دخلت جوه الحارة، وبعدها اتحرك بالعربية. وطول الطريق كان بيفكر فيها، وكل شوية يسأل دنيا عن كل حاجة تخص أمل.
دنيا بدأت تحكي له بحماس:
«أمل يتيمة الأب، ووالدتها ست مريضة.. وأمل هي اللي بتصرف عليها من شغلها.»
سألها فارس:
«ملهاش أهل أو عيلة يساعدوها؟»
ردت دنيا:
«ملهاش حد غير مامتها.. ومامتها تعبانة من زمان، وأمل هي اللي شايلة كل حاجة.»
دنيا اتحمست أكتر وهي بتحكي، وبدأت تقول له كل حاجة تعرفها عن أمل، لحد ما قالت:
«ده كمان فيه بلطجي في المنطقة عندهم اسمه عباس، بيضايق أمل دايمًا عشان عايز يتجوزها.. وأمل رافضاه.»
فارس أول ما سمع الكلام ده، إيده مسكت الدريكسيون جامد. حس بنار جواه، ومشاعر مش مفهومة؛ غيرة، وغضب، وحنية.. هو نفسه مش فاهم إيه اللي بيحصله.
لكن أمل كانت ملفتة ليه بشكل غريب. مختلفة عن أي بنت شافها قبل كده.
كان بيسمع أخته وهو عامل نفسه مش مهتم أوي، لكن كل كلمة كانت دنيا بتقولها عن أمل كانت بتتحفظ جواه، في قلبه وعقله، من غير ما ياخد باله.
ولفت لفارس وقالت له بدلال:
«المفروض كنت دخلتها جامعة خاصة مع طبقة من مستوانا.»
فارس ساب المعلقة مرة واحدة، ورد عليها بغضب وصوته كان عالي:
«دي الجامعة اللي أنا اتخرجت منها.. وأنا عارف مصلحة أختي كويس.»
عمته حست إن بنتها لخبطت في الكلام، فحاولت تصلح الموقف بسرعة وقالت له وهي بتضحك:
«لا يا حبيبي، هي مش قصدها حاجة.. نهى بس خايفة على دنيا.»
لكن فارس كان عارف إن عمته وبنتها شخصيات متعجرفة، وهو أصلًا ماكانش بيحب أسلوبهم ولا طريقتهم. بص لهم بقرف وقام من على السفرة.
خرج عشان يروح الشركة، وهو جواه نار من كلام نهى وعمته. بقى حاسس إن وجودهم في حياته خانقه، ومش عارف يخلص منهم.. لكنه كان بيصبر، لأن عمته هي اللي ربت أخته دنيا بعد وفاة والدته.
فارس مشي، ودنيا قامت طلعت أوضتها وهي متضايقة من كلام بنت عمتها.
درية أول ما فارس خرج، لفت لبنتها وزعقت لها بصوت واطي:
«بطريقتك دي هتطيري فارس من إيدك.»
نهى قامت ووقفت وهي متنرفزة، واتكلمت بقرف:
«هو إيه اللي بيعجبه في الطبقة الفقيرة؟ مش فاهمة!»
ردت درية على بنتها:
«عشان أم فارس كانت من طبقة فقيرة.. وحصلت مشاكل كتير لما أخويا اتجوزها زمان، وكل العيلة كانوا بيعايروها إنها من طبقة فقيرة لحد ما ماتت.. واضح إن ده مأثر على فارس لحد دلوقتي.»
نهى ما اهتمتش بكلام والدتها، وقامت وهي شايلة شنطتها وقالت بزهق:
«أنا مش ناقصة عُقد على الصبح.. أنا رايحة النادي.»
والدتها فضلت قاعدة لوحدها على السفرة، بتبص على باب القصر اللي خرج منه فارس، وعينيها كانت بتلمع بالطمع، وقالت لنفسها:
«لازم فارس يتجوز نهى بأي طريقة.. إحنا مش هينفع نعيش في مستوى أقل من ده.»
رواية الكاتبة ملك إبراهيم
في الشركة، فارس دخل وهو متعصب شوية. وشه كان مكشر من كلام عمته وبنتها، وكان متجه لمكتبه بخطوة سريعة.
وهو ماشي، شاف أمل قاعدة مع السكرتيرة بتاعته. كانت بتشتغل بكل نشاط وحماس، بترتب الورق وبتكتب بسرعة، وعينيها مركزة، وكان واضح عليها إنها عايزة تثبت نفسها بأي طريقة.
فارس ابتسم غصب عنه. الابتسامة طلعت لوحدها من غير ما يحس.
دخل المكتب، وقعد على كرسيه، وبعدها طلب القهوة:
«هاتيلي قهوة.»
لحد اليوم ده، فارس كان رايح الشركة بدري عن ميعاده، لأنه كان عارف إن أمل مفيش عندها جامعة النهارده، وكان داخل مبسوط من جواه لأنه هيشوفها طول اليوم.
أول ما دخل، شاف أمل قاعدة على مكتبها وقدامها واحد من الموظفين. كان واقف قريب منها وبيتكلم معاها، ونظراته ليها كانت واضحة جدًا إنه معجب بيها. كان بيضحك وهي مكسوفة.
فارس حس بالغيرة والغضب، والنار اشتعلت جواه مرة واحدة. وشه احمر، ودخل زعق بصوت عالي هز الشركة كلها:
«إنتوا سايبين شغلكم وجايين تهزروا هنا؟!»
أمل اتصدمت، لأنها أول مرة تشوف فارس غضبان بالشكل ده وبيزعق. قلبها وقع في رجليها.
الموظف اتخض واعتذر منه، ورجع على مكتبه بسرعة:
«آسف يا باشمهندس فارس.»
فارس بص لأمل وقال لها بأمر:
«تعالي ورايا على المكتب حالًا.»
السكرتيرة كانت متابعة اللي حصل من بعيد، وفهمت إن فارس غيران على أمل. كانت ملاحظة نظراتهم لبعض في الفترة الأخيرة، وأول ما فارس دخل مكتبه، راحت مسكت التليفون واتصلت بنهى، وقالت لها بخبث:
«يا نهى هانم، في بنت جديدة هنا، وشكلها عايزة توقع فارس في حبها.»
أما في مكتب فارس، أمل وقفت قدامه وهي خايفة. إيديها كانت بتترعش، لأنها أول مرة تشوفه غضبان بالشكل ده. وقفت وراسها في الأرض.
فارس حاول يهدى، لكن صوته لسه كان حاد:
«كان بيتكلم معاكي في إيه؟»
أمل استغربت ورفعت عينيها:
«هو مين؟»
رد فارس بعصبية أكتر:
«الباشمهندس اللي سايب شغله وواقف يتكلم معاكي.»
أمل ردت ببراءة وهي مش فاهمة هو متعصب ليه:
«هو كان بيتكلم عادي.. حاجة مش في الشغل.»
فارس اتجنن أكتر، وبصلها بطريقة مرعبة وقرب منها خطوة:
«حاجة إيه؟»
أمل استغربت وقالت وهي بترجع لورا:
«كلام عادي.. كان بيتكلم عن أنواع القهوة اللي بيحب يشربها الصبح و…»
زعق فيها مرة واحدة:
«وإنتِ مالك بالقهوة اللي بيشربها؟!»
أمل رجعت بضهرها لورا وهي خايفة ودموعها هتنزل، وهو بيقرب منها وقال لها بتحذير، وصوته كان حاد ويخوف:
«أنا مش عايز وقت الشركة يضيع في أي كلام فاضي.. مفهوم؟»
هزت راسها بخوف:
«حاضر.»
فارس بص لها شوية، ولاحظ إنها كانت حاطة روج خفيف على شفايفها. سألها بغضب، وعينيه اتعلقت بشفايفها:
«وإيه اللي إنتِ حاطاه على شفايفك ده؟»
أمل اتكسفت، وحطت إيديها على بوقها وقالت:
«مفيش حاجة!»
فارس كان بيبص على شفايفها، ومش قادر يشيل عينه عنها، وقال:
«مفيش إزاي يعني؟ هو أنا أعمى ومش شايف اللي إنتِ حاطاه؟ تروحي الحمام وتغسلي وشك.. وممنوع تحطي أي حاجة من الحاجات دي، مفهوم؟»
هزت راسها بخوف بمعنى حاضر، ودموعها كانت محبوسة في عينيها.
فارس قال لها وهو بيحاول يسيطر على نفسه:
«اتفضلي يلا.»
خرجت بسرعة وهي خايفة ومستغربة. كل البنات اللي في الشركة، حتى السكرتيرة بتاعته، كانوا بيحطوا مكياج عادي، فإشمعنى هي اللي منعها؟
وجواها كانت بتسأل نفسها بحيرة:
«هو بيعاملني كده ليه؟ هو أنا عملت إيه؟»
أما فارس، فقعد على مكتبه وهو مضايق وحاسس إن اللي جواه ناحية أمل مش طبيعي. قلبه كان بيدق بسرعة، والنار جواه بتزيد أكتر.
وفضل يسأل نفسه:
«هو أنا إيه اللي بيحصلي؟ معقول بغير عليها؟!»
بقلمي ملك إبراهيم
يتبع في الجزء الثالث…

