
روحت لجوزى لقيته بيقولى سيبى العذا وروحى اعملى اكل لاهلى عشان زمامهم جعانين وشويه وهيمشوا بصيتله بزهول ازاى مش واخد باله من مشاعرى ولا الكلمة وقفت في حلقي، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا. أمي.. أمي اللي لسه مالحقتش أستوعب إنها سابتني، أمي اللي حتة من قلبي حسيت قلبي سريعة ، وكنت عايزة في وشه وأقوله: “أنا أمي ماتت! أنت مستوعب يعني إيه أمي ؟”، بس الصوت مطلعش. نظراته كانت عادية، باردة، وفيها استعجال وكأننا في عزومة عادية ومش في عزا أغلى الناس.
بلعت ريقي بصعوبة، ، وكنت بحس إن كل خطوة بعملها بتدوس على جوه المطبخ والدموع مغمية عيني، كنت بحاول أتحكم في إيدي وأنا بحط الأكل في الأطباق، اللي في قلبي قايدة. فجأة، سكت صوت الخلاط والحلل، وبدأ يوصل لمسامعي صوت وقفت مكاني وكتمت نفسي عشان . كان صوت حماتي وأخت جوزي.
سمعت أخته وهي بتقول بنبرة كلها تريقة وسخرية: “يا بنتي شفتي الست اللي كانت قاعدة تولول بره دي؟ شكلها يفطس من الضحك، دي ناقص تجيب عياط بالندب! والناس اللي جاية تعزي دول كوم تاني، جايبين لبس منين دول؟”
ردت عليها حماتي بضحكة وقالت: “سيبك منهم، ناس بيحبوا المظاهر وخلاص. أنا اللي هيموتني من الجوع الريحة اللي طالعة من المطبخ، ياه.. زمانها بتطبخ من غير نفس، بس أهو أحسن من قعدتنا دي. الواحد جاله اكتئاب من الوجوه المقفلة بره.”
قالت لبنتها وهي بتميل عليها: “هي فاكرة إنها بقى هتاخد حجة أمها فرصة وتقعد وتريح على حساب إنها زعلانة على أمها؟ لا يا حبيبتي، خليها من أول لحظة مسؤوليتها.. الحزن في القلب!”
بنتها هزت رأسها بالموافق وقالت: “عندك حق يا ماما، أصل الستات اليومين دول بيحبوا يعملوا من قبة عشان من طلبات البيت.”
الكلام شل حركتي تماماً. “الحزن في القلب”؟! الكلمة دي اتقالت بكل برود وكأن أمي اللي دي مجرد دور برد ! هما مش بس معندهمش رحمة، دول مرتبين ومخططين .
جوزي كان قاعد في الركن التاني من الصالة، مندمج في الكلام مع بنت خالته اللي كانت قاعدة جنبه. في وش بعض، وشكلهم في قمة الانسجام والراحة، والابتسامة مش مفارقة وشوشهم، لدرجة إنها ضحكت بصوت وهو مال عليها بابتسامة واسعة وكأنهم في ترفيهية، مش في بيت جنازة وأم مراته لسه !
بنت خالته كانت بتتكلم وهي طرحتها، وهو عينه في عينها، بيسمع لها باهتمام وشغف عمري ما شفته منه وأنا بشتكي له من تعبي أو وجعي. اللي على وشوشهم كانوا زي وفوقيها على .
وقفت في النص.. حماتي وبنتها من ناحية بيتكلموا على حزني بكل جبروت، وجوزي وبنت خالته من ناحية تانية عايشين في عالم تاني خالص من الفرفشة والضحك.
في اللحظة دي، الصينية اللي في إيدي حسيت إنها . بصيت لجوزي اللي لسه ما انتبهتش لوجودي من كتر اندماجه، وحسيت إن كل ذرة حب أو احترام كانت جوايا للشخص ده حطيت صينية الأكل قدامهم على الترابيزة بكل الدنيا، وإيدي كانت عيني. ما بصيتش في وش حد منهم، ولا استنيت أسمع كلمة واحدة. لفيت ضهري وبمنتهى الحسم أخدت عبايتي ومفاتحي وخرجت من كلها، وسبت ورايا بيت مفيش فيه ريحة الرحمة.
الأيام مرت وأنا قاعدة في أهلي، وجوزي ما فكرش حتى ييجي يقف جنبي، ولا كأني مراته ولا كأن اللي دي كانت بمقام أمه. مرت أول ليلة وتاني ليلة وهو مش هنا، ومكلّفش نفسه حتى يسأل عليا أو يقولي مواساته الحقيقية.
كل مكالمة منه كانت بتأكد لي إن الشرح الباقي في انتهى، وإني بقيت في مكان، وهو وأهله في مكان تاني خالص.
بعد كام يوم في بيت أمي وسط ذكرياتها ووجع ، لقيت نفسي مضطرة أروح عشان هدوم ليا وحاجات أحتاجها للفترة الجاية. فتحت الباب بالراحة، وكان البيت هادي هدوء غريب ، كأن الحيطان نفسها حاسة إن كل حاجة هنا .
