
قربت من الباب وكتمت نفسي وأنا بسمعه وهو غرقان في الكلام مع بنت خالته. كان بيقولها بامتنان: “يا حبيبتي تسلميلي، لولا كلامك معايا الكام يوم اللي فاتوا دول أنا مكنتش هعرف أستحمل النكد والغم ده.. خلاص هانت كلها شوية وكل حاجة تترتب ونبقى سوا”. كانت كلمات الحب والهيام طالعة منه بكل أريحية، وكأني متوفيتش أمي من كام يوم، وكأنه عايش قصة حب جديدة فوق !
في اللحظة دي، حسيت إن في في ضهري، بس غريبة.. مدمعتش. الوجع كان أكبر من خلتني أربط على قلبي. ملقيتش نفسي عايزة أدخل أواجه ولا أعمل ، الشخص ده خلاص سقط من نظري تماماً ومبقاش يستاهل حتى العتاب.
لميت باقي حاجتي في الشنطة بسرعة، وقفلت سستتها، وخرجت من وهو لسه في تليفونه ومش دريان بالكون. نزلت والشنطة في إيدي، ورجعت أمي وأنا حاسة إن النقطة الأخيرة في كتاب حكايتي معاه اتحطت خلاص.
أول ما دخلت، قعدت مع إخواتي، وبكل ثبات وهدوء غريب، بصيت لهم وقولت: “أنا هاخد قرار بالطلاق.. مش هعتب عتبة البيت ده تاني. اللى يسترخص أمي ويروح يحب ويعيش حياته وأنا في بيته، ملوش مكان في حياتي ثانية واحدة.”
إخواتي لما شافوا الحسم اللي في عيني وعملوا حساب للوجع والخيانة اللي عشتها، وقفوا جنبي وقالوا لي: “اللى تشاوري عليه هنعمله، وإحنا معاكي في ظهرك لحد ما تاخدي كل حقوقك.”
حسيت وقتها إن في حمل جبال اتشال من على كتافي، وكأن قرار الطلاق ده هو أول خطوة باخدها عشان أرجع كرامتي اللي اتهدرت، وأبدأ حياتي من جديد.
بعتتله مع أخواتي وقولتله إني عايزة الطلاق. أول ما عرف، الدنيا قامت ومقعدتش، ورفض تماماً وبدأ يماطل ويلف ويدور. كان فاكرني الست الضعيفة اللي هترجع تندم، وبدأ يقول: “مفيش طلاق، ولو عايزة تمشي امشي بس مالكيش عندي مليم واحد، اطلعي برة بشنطة هدومك زي ما جيتي!”
كان فاكر إنه هيلوي دراعي بحقوقي وبالمؤخر والقائمة، ويخليني أتنازل عن كل حاجة عشان يخلص مني ومن غير ما يدفع قرش.
بس اللي مكانش عامل حسابه هو إخواتي. لما لقوه بيماطل وبيتبجح، وقفوا له وقفة رجالة تهز الأرض. أخواي الكبار راحوا له لحد عنده، وبكل حسم وقوة قالوا له: “أختنا مش لقمة طرية، وحقها هيجيلها تالت ومتلت، وبالقانون وبالأصول.. والبيت اللي يسترخص بنت الناس وميراعيش ربنا فيها في عز حزنها، ملوش أمان، والطلاق هيتم ورجلك فوق رقبتك.”
لما لقى الوش التاني، وشاف إن ورايا ضهر ورجالة بجد مش هيسيبوا حقي، وبدأ يخاف من مع ضغط إخواتي المستمر ومواجهتهم له بكل قذارته، استسلم في الآخر ووافق وهو عينه في الأرض. ومضى على كل الأوراق، وأخدت كل حقوقي منه بالمليم.. المؤخر، والقائمة، وكل حاجة كانت ليا في بيته.
يوم ما الورقة الرسمية طلعت، بصيت لها وحسيت إن الروح ردت فيا من تاني. كأني كنت عدت الشهور، ولقيت إن القعدة والاستسلام للحزن مش هيرجعوا حاجة. أخدت نفسي، وقررت أنزل الشغل وأركز في طريقي وحياتي. نزلت واشتغلت وبقيت بصب كل طوقتي ومجهودي في نجاحي، والقرش اللي كان بيجي من تعبي كان بيبني فيا حتة جديدة، وبيخليني أحس بقيمتي وبأني مش محتاجة حد. وسط زمايلي وشغلي، رجعت ضحكتي تاني، والناس بدأت تشوف فيا الست القوية الناجحة اللي قدرت تقف على رجليها بعد كل ده.
أخت ، اللي كانت قاعدة حماتي اللي كانت بتقول “الحزن في القلب وخليها تشوف مسؤوليتها”، بقت قاعدة في بيتها على بنتها اللي من الحركة، وبقت بصيت للسما وقولت: “سبحانك يا رب.. العدل حق، واللي بيجي على ولايا ربنا، الدنيا بتلف وتجيب حقه تالت ومتلت ومن غير ما يرفع إيده.”
طليقي اللي سابني وباع عشرتي في عز وجعي عشان يلف ورا بنت خالته، شرب من نفس الكأس وبأقسى طريقة. بنت خالته اللي كانت بتدلع عليه وبتواسيه في “نكدي وغَمي” زي ما كانوا بيقولوا، أول ما أتقدم لها عريس غني ومريش، عينيها زغللت على الفلوس والمظاهر، ومفكرتش فيه ثانية واحدة! باعت حبهم بس ربنا مبيسيبش؛ العريس الغني ده طلع متجوز وعنده زوجات تانيين، وأخدها مجرد زينة وكملة عدد. من أول أسبوع جواز، دارت عليها الأيام ودوقوها المر ألوان! عاشت في جحيم وضراير وقهر ملوش آخر، وبقت تصرخ من الوجع والذل اللي بقت فيه، ومبقتش قادرة حتى تطلب الطلاق خوفاً من الفضيحة وخسارة المظاهر اللي باعت دينها وضميرها عشانها.
أما أنا.. فكنت واقفة بعيد، بتفرج على عدل ربنا وهو بيتحقق قدام عيني من غير ما أتحرك خطوة واحدة. كل اللي ظلموني وأكلوا حقي واستهانوا بدموعي في موت أمي، ربنا رد لي حقي منهم أضعاف مضاعفة.
قعدت في بلكونة بيت أمي، أخدت نفس طويل وأنا حاسة برضا وسلام نفسي عمري ما عشته، وحمدت ربنا اللي و
خلى عبرة، وبدايتي أنا نجاح وأمل ملوش نهاية.

