
محاولًا تصديق كذبة حبكتها له أمه.
عاد ونظر للضابط: مش عاوز أتكلم في سمعة واحدة لسه على ذمتي يا حضرة الظابط.
نظر إليه الضابط وهو يرفع حاجبيه بشك: سمعة؟
تقصد أنها…
قاطعه خالد: أيوه يا فندم، اللي أقصده أنها خافت أكشفها، عشان كده رفضت إني أقرب منها، ولما لقيت إني خلاص هكشفها شتمتني وشتمت أمي، وأنا مكنش ينفع أستحمل، مفيش راجل يرضى كده على نفسه، ولا إيه؟
اعتدل الضابط في مجلسه قائلًا: كل اللي بتقوله مجرد كلام.
الكلام الصح هنعرفه لما تتعرض على النيابة، ولما يجى تقرير الطبيب الشرعي.
ابتلع خالد ريقه قائلًا: طبيب شرعي ليه يا فندم؟ واحد ضرب مراته، يعني المفروض إنها مسائل عائلية.
ابتسم الضابط بهدوء: لا، دي مش مسائل عائلية يا باشمهندس، أهل مراتك قدموا بلاغ ضدك، وهتتحول للنيابة، والنيابة طبعًا هتاخد بكلام الطبيب الشرعي اللي هيقول إذا كان فعلًا كلامك مظبوط وهي كذبت عليك، أو إن حضرتك كذاب وبتتبلى عليها.
وساعتها هتاخد حكم مش هيقل عن ست شهور، ويمكن أكتر، ده غير إنهم ممكن يرفعوا قضية تعويض، تخيل بقى موقفك هيبقى ازاي.
وقف خالد غاضبًا: هو حضرتك معايا ولا معاهم؟
أنا لا معاك ولا معاهم، أنا مجرد بوضحلك موقفك القانوني، بس بيني وبينك، لو البنت دي أختى ولا بنتى وأنا اتأكدت إنها صادقة، أنا مش هرحمك، بس لحسن حظك إنها مش قريبتى، بس القانون مفيش فيه بقى قرابة ولا غيره، القانون قانون يا باشمهندس.
مر أسبوع وبدأت تويا تتعافى تدريجيًا، ولكن ألمها النفسي أعظم وأبشع من الألم الجسدي.
أبيها دائمًا بجوارها يطمئنها أنه لن يترك حقها يذهب هباءً.
ولكن ما يؤلمها هو موقف شقيقها الأكبر مصطفى الذي طلب من أبيها التنازل عن القضية حتى لا يتأثر مظهره الاجتماعي أمام زوجته وعائلتها ذات الصيت.
لم تنسى كيف صرخ بها: بقولك إيه يا تويا، أنا مش عاوز مشاكل، انسى حكاية القضية دي، هو يصالحك وخلاص وترجعي بيتك، ولا من شاف ولا من دري.
صرخت به باكية قلبها يتمزق ألمًا: بعد اللي حصلي وعاوزني أسكت يا مصطفى؟ طب إزاي؟
أهون عليك يجرالى كل ده وأسكت؟
أه تسكتى؟ إحنا مش حمل مشاكل، عاوزة الناس تقول إيه؟ ألف مين هيجيب في سيرتك؟ عارفة يعني إيه؟ يعني مشكلة لينا كلنا.
رأت أبيها وأمها يدخلون ويقفون يستمعون لحديث مصطفى، ليصرخ به أبيه: مشاكل إيه يا دكتور؟
عاوز أختك تتنازل عن حقها؟
عاوزني أسيب الشخص اللي عمل فيها كده يعيش حياته عادي؟ جربت أنت الألم اللي هي حست بيه؟ لا طبعًا مجربتش، كل همك إن أهل المدام بتاعتك محدش فيهم يعرف حاجة، عاوز دايمًا منظرك أودامهم إنك ابن عيلة راقية.
مش هو ده اللي بتدور عليه يا مصطفى؟
مسح مصطفى وجهه محاولًا التحلي بالصبر: يا بابا أنت عارف الناس هتقول إيه لما يلاقوها راجعة بيت أبوها وهي مكملتش أسبوع؟
صرخ به محمود: تتحرق الناس؟
ناس مين دول اللي أنت عامل حسابهم؟ هينفعونى في إيه لو كانت أختك جرالها حاجة؟
طول عمرك مدلعها، لما خليت مفيش حد فينا عارف يكلمها، ودلوقتي بتقويها على جوزها.
صرخت به تويا: مش جوزى ومش هرجعله يا مصطفى، ولو حاولتوا ترجعونى أنا هموت نفسى عشان ترتاح منى.
ضمتها أمها إليها باكية: بعد الشر عنك يا حبيبتى، والله ما هيلمس منك شعرة طول ما…
أبوكى وأمك لسه عايشين
صاح مصطفى بتأفف: أهو الدلع ده اللي هيخلي محدش يقدر يكلمها، تغلط ومفيش رادع.
جاءه صوت مالك من خلفه قائلًا بسخرية: بقى كل ده عشان مدام حسناء وأهلها المحترمين يا أخي؟ عيب عليك.
التفت إليه غاضبًا: احترم نفسك وأنت بتكلم أخوك الكبير يا محترم.
رفع مالك ذراعيه مستسلمًا: آسف آسف يا أخويا يا كبير، بس لو أنت بتفكر إننا نتنازل عن حق تويا تبقى غلطان.
وافقه محمود الرأي: أخوك الصغير وخايف عليها أكتر منك أنت يا مصطفى.
رفع إصبعه نحوها وهي تنظر إليه بكل معاني الأمان ليكمل: أنا مش هسيب حقها، لو وصلت إني أضيع مستقبله هعملها، ومش هتنازل وهنكسب القضية، وبكرة تشوف.
حكمت المحكمة
وقف خالد أمام وكيل النائب العام الذي ظل ينظر إليه وإلى الأوراق التي أمامه.
ها يا باشمهندس، لسه مصمم على أقوالك؟
وقف خالد بتصميم قائلًا: أيوه يا فندم، أنا متأكد إنها كدابة وخدعتني، عشان كده رفضت إني أقرب منها.
ابتسم وكيل النيابة بسخرية: مش عارف والله إيه الناس دي اللي بتخدع غيرها.
لا وإيه؟ يكدبوا الكدبة ويصدقوها.
ابتلع خالد ريقه قائلًا: يعني إيه؟ كلامي مظبوط مش كده؟
صاح به الوكيل قائلًا: إيه اللي مظبوط؟ تقرير الطبيب الشرعي بيأكد إن تويا مظلومة ومحدش لمسها.
ولما جيبنا الست اللي كانت مع حضرتك أنت والوالدة، أكدت إنها رفضت إنك تدخل عليها أودامهم.
يا أخي، هو في حد لسه بالعقلية دي؟
سمعت كلام والدتك أهو، حضرتك هتقضي سجن لا يقل عن ست شهور ويمكن أكتر كمان.
صرخ خالد غاضبًا: ست شهور إيه؟ أنا كده شغلي هيروح عليا، ده مستحيل.
لا مش مستحيل ولا حاجة، أنت خايف مستقبلك يروح عليك، لكن مخفتش على البنت اللي كان مستقبلها ممكن يروح مع واحد زيك. على العموم أنا مقدرش أحكم.
الحكم بإيد القضاء، بس أنا بأكدلك إنك مش هتخرج منها، حتى المحامي الكبير اللي حضرتك جبته مش هيقدر يعملك حاجة.
رفع يده مكملًا بورقة تقرير الطبيب الشرعي: الورقة دي كانت هي الفيصل.
هل يمكن أن يخدعك قلبك
تتآمر عليك عيناك
ويكون إحساسك كاذب
أم أنك أخرست كل ما تشعر به
أغمضت عيناك عن رؤية الحقيقة
حين نحب تختفي كل المشاعر السلبية
وتحل محلها باقات الزهور وأصوات العصافير
وحين ترى خطأ تغمض عيناك عنه
تتجاهله معتقدًا أنه أمر لا قيمة له وأن الحب يكفي
ولكن الحب وحده لا يكفي
الحب وحده أحيانًا يكون خدعة نصدقها بملء إرادتنا
نتغافل عن الكثير والكثير من أجل من نحب
ولكن هل هناك مقابل؟



