روايات

حكاية سالم وايمان1

مازن ضحك، وليان اتكسفت. إيمان سكتت، بس عينيها بتطلع شرار.
الخناقة التانية كانت على الحضانة.
إيمان حاطة بروشور على المكتب: “دي حضانة إنترناشونال في الزمالك. المنهج بتاعهم هايل، وفيها دكتورة نفسية عشان الكوابيس بتاعة مازن. أنا قدمت أونلاين امبارح.”
سالم بص للبروشور بثانية، ورماه في الدرج: “عندنا مجموعة مدارس الزيني. الحضانة بتاعتها لسه فاتحة جديد السنة دي. عيالي مش هيتربوا مع ولاد السفرا.”
إيمان اتعصبت: “عيالك؟ هم عيالي أنا كمان. وبعدين دي مش رفاهية، ده علاج. واتفاقنا عند المحامي كان إن القرار مشترك.”
سالم قام وقف، طوله غطى عليها: “كلمة كمان في الموضوع ده، وهخلي المحامي يقدملك إنذار طاعة وتشوفي الولاد في الرؤية بس. الولاد هيروحوا حضانة الزيني… نقطة.”
إيمان ضحكت بسخرية: “مش هتقدر. أنا مراتك رسمي، والعقد في جيبي. والإقامة بتاعتي طلعت. جرب.”
سالم سكت. أول مرة ترد عليه بالقانون. سابها وخرج من المكتب ورزع الباب.
العزومة الكبيرة، أول جمعة بعد كتب الكتاب.
السفرة بتلم العيلة كلها. سعاد هانم على راس الترابيزة، جنبها نهال. نهال لابسة فستان أحمر ضيق، قاصدة تستفز الكل. كانت مخطوبة ليوسف زمان قبل دليلة، ومش ناسية. كل شوية تعدل شعرها وهي بتبص لسالم.
خالد قاعد قصاد إيمان، وكل ما تقوم تجيب حاجة لمازن، يقول لها: “تعالي أقعدي جنبي يا إيمان هانم، بلاش تتعبي نفسك.” خالد طول عمره بيغير من سالم، وشايف إن الجوازة دي فرصة يحرقه.
سالم باصص له بصة كانت كفاية تخليه يبلع لسانه.
الأكل نزل. بط وحمام ومحاشي. إيمان حاطة طبق صغير لمازن فيه خضار جنب المكرونة، بتحاول بالراحة. نهال بصت للطبق وضحكت بصوت عالي: “إيه ده؟ هو الولد عامل دايت؟ ولا الخدامة الجديدة بتأكله أكل عصافير؟”
السفرة كلها سكتت. خالد ابتسم نص ابتسامة.
إيمان وشها جاب ألوان. حطت الشوكة بالراحة، ولسه هترد، سالم رمى الشوكة من إيده على الطبق، الصوت رن في الصالة.
الكل بص له. قام وقف، عينه على نهال، وصوته طالع هادي بس يخوف: “إيمان الزيني مراتي. ست البيت ده. واللي مش عاجبه… الباب يفوت جمل.”
نهال وشها اتخطف. سعاد هانم شهقت وقامت من على الكرسي مرة واحدة. رزعت الفوطة على الترابيزة وقالت بصوت مبحوح: “أنا طالعة أوضتي. شبعت.”
سابت السفرة وطلعت تخبط على السلم. الكل ساكت.
سالم بص لأمه وهي طالعة، وبعدين قعد تاني، وكمل أكل كأن مفيش حاجة حصلت. إيمان باصة في طبقها، عينيها فيها دموع محبوسة. مازن وليان مش فاهمين، بس ليان مدت إيدها الصغيرة ومسكت إيد إيمان تحت الترابيزة.
—
بعد العشا، الجنينة.
الليل طرى، والمطرة اللي نزلت الصبح سابت ريحة تراب مبلول. إيمان قاعدة على كرسي خشب في آخر الجنينة، ضامة ركبها على صدرها وبتعيط من غير صوت. أول مرة تسمح لنفسها تنهار من ساعة الحادثة.
سمعت خطوات. نشفت دموعها بسرعة، بس متأخر. سالم واقف قصادها، وفي إيده منديل قماش متطبق. مدهولها من غير ما يتكلم، ولا باصص في وشها.
خدته، وهمست: “شكراً.”
كان هيمشي، بس وقف. قال وضهره ليها: “نهال كانت مخطوبة ليوسف زمان. طول عمرها لسانها سابقها. متخديش على كلامها.”
إيمان ضحكت ضحكة مقهورة: “المشكلة مش في نهال. المشكلة إني حاسة إني لوحدي… وسط ناس شايفاني حرامية خطفت عيالهم.”
سالم سكت ثانيتين، وقال بنبرة أهدى من العادي: “محدش هيقول كده تاني في البيت ده. ده وعد.”
ومشي. سابها والمنديل في إيدها، وريحته برفان رجالي تقيل لسه فيها.
—
الساعة تلاتة الفجر.
صرخة قطعت سكون القصر. مازن.
إيمان قامت مفزوعة من النوم، جريت على أوضة الولاد. لقيت أم فتحي خارجة من الأوضة شايلة ليان اللي صحيت مخضوضة، وقالت لها: “مازن جري على أوضة سالم بيه يا بنتي، بيقول بيشوف كوابيس. سيبيه، سالم بيه هيعرف يسكته.”
إيمان جريت على الطرقة. باب أوضة سالم كان موارب.
فتحت الباب بالراحة. المشهد خلاها تتسمر.
مازن لابس بيجامة سبايدرمان، حاشر نفسه في حضن سالم اللي قاعد على طرف السرير، وبيترعش. سالم صاحي، لابس بنطلون بيجامة وتيشيرت، وحاضن الولد بإيد واحدة، والإيد التانية بتطبطب على ضهره.
مازن بيهمس وهو بيشهق: “النار… ماما كانت بتصرخ… خايف يا عمو.”
سالم اتخشب. كلمة “عمو” رنت في ودانه، بس وجعته أكتر من “عمو بابا”. بص للولد، وبعدين للباب، شاف إيمان واقفة.
عينيهم اتقابلت في الضلمة. هو متلخبط، ومش عارف يحضن الولد أكتر ولا يزقه عشان ميضعفش. وهي واقفة على الباب، قلبها بيدق، وحاسة إن الصخرة اللي اسمها سالم الزيني… بدأت تلين.
مازن نام تاني في حضن سالم. وليان جت من ورا إيمان، مسكت في جلابيتها، وهمست: “ماما إيمان، عايزة أقعد زي مازن.”
إيمان بلعت الغصة اللي في زورها، ودخلت شالت ليان، وقالت لسالم بصوت واطي: “خليه الليلة دي. محتاجلك.”
سالم هز راسه من غير كلام.
قفلت الباب بالراحة، ووقفت ساندة ضهرها عليه. حطت إيدها على قلبها، وقالت لنفسها: “يا رب… إحنا هندخل في حيطه ولا في بعض؟”
جوه، سالم باصص لسقف الأوضة، ومازن نايم على صدره. أول مرة من سنين يحس إن فيه حد محتاجه… مش عشان فلوس ولا شركات. محتاجه لأنّه هو بس “عمو”.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى