
—
نفس الليلة، مستشفى دار الفؤاد.
الجو بقى دافي والمطر وقف من يومين. تليفون سالم رن. صوت إيمان مرعوب: “الحقني… مازن سخن ونفسه بيروح. إحنا في الطوارئ.”
سالم رمى الموبايل ونزل جري. وصل لقى إيمان قاعدة في الطرقة، وليان نايمة على رجلها، ومازن جوه مع الدكاترة.
قعد جنبها من غير كلام. أول مرة يقعدوا جنب بعض من غير خناق. إيمان كانت بتفرك في إيديها، وبتقول: “فلوسي خلصت. كنت بشتغل بارت-تايم في لندن ودليلة هي اللي كانت بتصرف على البيت. كل اللي معايا راح على تذاكر الطيران وتصاريح نقل الجثمان. حتى الإيجار مش عارفة هدفعوا ازاي.”
سالم بص قدامه، وقال بصوت واطي: “والدكتور قال إن الولد محتاج متابعة… ونفسية… عشان الكوابيس.”
سكتوا. صوت جهاز القلب من جوه.
إيمان همست: “أنا مش هقدر عليه لوحدي. بس كمان مش هديهولك وأمشي.”
سالم خد نفس طويل، وطلع من جيبه سبحة أخوه يوسف اللي لسه مستلمها مع حاجته. قال: “ولا أنا هسيبه يضيع. يوسف كان هيقت*لني.”
بصوا لبعض. أول مرة يشوفوا في عين التاني نفس الوجع.
—
بعد 10 أيام، مكتب مأذون، محكمة الزنانيري، الساعة 9 الصبح.
لا زفة، لا معازيم، لا دبل. بعد ما خلصوا الفحص الطبي بالعافية. سالم ببدلة سودا، وإيمان بفستان أسود بسيط. مازن على إيدها نايم، وليان ماسكة في بنطلون سالم.
المأذون قال: “قبلت الزواج؟”
سالم بص الناحية التانية، وقال: “قبلت.”
إيمان بلعت ريقها، وبصت للشباك، وقالت: “قبلت.”
مضوا الورق. سالم خد القلم، وإيمان خدت نسختها، وكل واحد حط الورقة في جيبه كأنها تهمة.
خرجوا من الباب. مفيش حد بيبارك. مفيش زغاريد. الشمس طالعة بعد أسبوعين غيوم.
ليان رفعت وشها لسالم، وشدت كُم بدلته، وقالت بصوت نونو: “إحنا هنروح البيت دلوقتي؟”
سالم بص لها، ولأول مرة من ساعة ما يوسف مات، حجر قلبه اتهز. نزل على ركبه، وقال: “أيوه يا ليان. هنروح البيت.”
إيمان واقفة وراه، شايلة مازن، وبتبص لسالم وهو بيتكلم مع البنت. لأول مرة تحس إن يمكن… يمكن الولاد دول يبقوا أمان في رقبة الراجل ده.
بس كل واحد فيهم لسه باصص الناحية التانية.
… يتبع
—
الفصل الثاني –
قصر الزيني واقف على رجليه من أيام الملك، كبير، بارد، وحيطانه شايلة ريحة خشب قديم وبرفانات غالية. الخدم واخدين أجازة حداد بأمر سالم من ساعة الحادثة، والقصر شبه فاضي إلا من الدادة أم فتحي.
إيمان دخلت من البوابة شايلة شنطة هدوم واحدة، وماسكة ليان بإيد ومازن بإيدها التانية. شنطة سفرها الكبيرة كانت لسه مقفولة في أوضة الضيوف، مفتحتهاش من يوم ما وصلت مصر. شكلها غريب وسط الرخام والتحف.
الدادة أم فتحي استقبلتهم على الباب، ست في الخمسينات، وشها طيب بس عينيها بتوزن اللي قدامها. قالت وهي بتاخد ليان: “أوضتك جنب أوضة الولاد يا هانم، زي ما سالم بيه أمر. ارتاحي النهارده.”
سالم واقف آخر الطرقة، لابس قميص أسود ونص كم، ودراعاته باينة. من غير ما يبص لها قال بنبرة تقرير: “القواعد واضحة. أوضتي والمكتب خط أحمر. أي قرار يخص الولاد… هناقشه سوا الأول. بس كلمتي الأخيرة في البيت ده. مفهوم؟”
إيمان رفعت راسها، وصوتها ثابت رغم إن ركبها بتترعش: “وعقد الوصاية المشتركة اللي مضيناه عند المحامي؟ ده كان على الورق بس يا سالم بيه؟”
سالم بصلها لأول مرة، عينه باردة: “القانون على الورق. إنما أمان الولاد… ده مسؤوليتي أنا. وأنا مش هخاطر بيهم. مفهوم؟”
سعاد هانم واقفة فوق عند السلم، باصة من فوق لتحت، وقالت بصوت مسموع: “الحفيدين هيناموا في أوضتي الليلة دي. عشان يتعودوا على ريحة البيت.”
سابتها ومشيت. سعاد هانم نزلت السلالم وهي بتكلم أم فتحي: “طلعي الولاد أوضتي يا أم فتحي. البت دي محتاجة تستحمى وترتاح من السفر.”
—
تاني يوم الصبح. الحرب الباردة بدأت.
إيمان صحيت بدري، نزلت المطبخ، وطلعت موبايلها. فتحت تطبيق السوبرماركت اللي نزلته امبارح وطلبت كينوا وخضار فريش. أم فتحي اتفاجئت: “خير يا ست هانم؟”
إيمان وهي بتغسل إيديها: “فطار للولاد. دليلة كانت بتأكلهم كده في لندن. صحي ومفيد. الأوردر هيوصل كمان ساعة.”
بعد ساعة، مازن قاعد على السفرة بيبص للطبق بقرف: “إيه الأخضر ده؟ عايز مكرونة زي بتاعة تيتة.”
سالم نازل من على السلم، سامع الكلمة، بص للطبق وقال لأم فتحي من غير ما يبص لإيمان: “اعملي للولد مكرونة بالصلصة. اللي بيحبها.”
إيمان حطت الشوكة بعنف: “بس هو محتاج خضار. عنده نقص فيتامين د، والدكتور قال…”
سالم قعد مكانه، فرد الجورنال، وقاطعها: “الدكتور ده في لندن. هنا أنا اللي أقرر. ولما يبقى عندك عيال من بطنك ابقي أكليهم طعام صحي. دول ولاد يوسف.”




