روايات

حكاية سالم وايمان1

… يتبع
—
الفصل الثالث –
مكتب سالم في الدور الأرضي من القصر، أوضة خشب غامق، ريحة سيجار قديم وورق. الباب مقفول بالمفتاح دايماً، ومحدش بيقرب منه غير عادل المنشاوي.
النهاردة الباب كان موارب. سالم نسيه مفتوح من بالليل وهو سهران على ملفات شركة الشحن. إيمان واقفة مترددة، وفي إيدها جهاز حاسوب محمول. خبطت خبطتين.
سالم رافع حاجبه من فوق الملفات: “عايزة إيه؟ قولت المكتب ممنوع.”
إيمان دخلت خطوة، وحطت الجهاز قدامه: “لقيت ملف الأرباح مرمي على ترابيزة الصالون امبارح وشدني. شركة الشحن بتاعتك بتخسر بقالها 6 شهور. قعدت أراجع الأرقام امبارح بعد ما الولاد ناموا. الخطأ في التسويق… كله ورقي وعقود قديمة. السوق دلوقتي رقمي، ومنصات التواصل الاجتماعي بتجيب عملاء أكتر من 10 مناديب.”
سالم ضحك ضحكة قصيرة من غير نفس: “ما شاء الله. خريجة لندن جاية تعلمني البيزنس؟ روحي شوفي مازن غيري له ملابسه.”
إيمان سكتت، لمّت الجهاز، وقالت وهي خارجة: “على العموم، الخطة كلها هنا. عرض تقديمي وميزانية. لو فكرت فيها… ابقى قول لأم فتحي تعملي نسكافيه من غير سكر.”
سابته ومشيت. سالم بص للجهاز ثانية، وبعدين رماه في الدرج وقفله. بس آخر الليل، بعد ما القصر نام، طلعه تاني. فتحه، وفضل يقرا للفجر. قبل ما ينام بعت الخطة كلها من إيميله لمدير التسويق، وكتب سطر واحد: “نفذ من بكرة. ومحدش يعرف إنها فكرتي.”
—
بعد 3 أسابيع، في اجتماع مجلس الإدارة.
مدير المبيعات واقف مبهور: “سالم بيه، فرع الشحن حقق 30% زيادة الشهر ده. حملة التسويق الرقمي اللي حضرتك بعتها قلبت الدنيا، والتعاقدات الجديدة كلها شباب.”
كل اللي قاعدين بصوا لسالم بانبهار. هو هز راسه، وساكت. بس وهو مروح، عدى من قدام أوضة الولاد، لقى إيمان قاعدة على الأرض بتلون مع ليان.
وقف عند الباب ثانية، وقال من غير ما يبص لها: “النسكافيه بتاعك… بيبقى في المطبخ. من غير سكر.”
ومشي. إيمان ابتسمت غصب عنها. أول مرة يعترف إنها صح.
—
بعد أسبوع كمان، نص الليل، أوضة الولاد.
أم فتحي كانت عند بنتها في المستشفى، وإيمان قالت لها تبات هناك. صوت عياط مكتوم. سالم صحي على صوت مازن، لقى الولد متلبك. أول مرة يتعامل مع الموقف ده لوحده. واقف متلخبط، حفاضة في إيد، ومنديل مبلل في الإيد التانية.
إيمان دخلت لقته متسمر، ضحكت وقالت: “بالراحة… ارفع رجله شوية. أيوه كده. شاطر يا سالم بيه.”
اتعلم. وبعدها بأسبوع، كان قاعد في نص السرير الكبير، مازن على رجله الشمال، وليان على اليمين، وبيحكي لهم حدوتة “الأسد اللي كان بيخاف يقرب من حد”.
ليان سرحت شعره بإيديها الصغيرة، وفجأة باست خده وقالت: “بحبك يا عمو سالم.”
سالم اتجمد. الحدوتة وقفت في زوره.
إيمان كانت واقفة عند الباب، ماسكة الموبايل وبتصور اللحظة. دمعة نزلت منها غصب عنها، ومسحتها بسرعة قبل ما ياخد باله.
—
تاني يوم الضهر، بوكيه ورد أحمر كبير داخل القصر.
البواب دخل بيه مخصوص، والكارت مكتوب بخط عريض: “لأجمل بنت في القاهرة… خالد الأسيوطي.”
أم فتحي حطته في الصالة، وإيمان نازلّة من على السلم شافته. وشها اتخطف. لسه هتتكلم، سالم نزل من مكتبه، شاف الورد، مد إيده خد الكارت وقراه بصوت عالي قاصد يسمّع البيت كله: “لأجمل بنت في القاهرة… خالد الأسيوطي.”
عينه راحت على إيمان. من غير كلمة، مسك الكارت وقطعه نصين، ورماه في الزبالة. بعدين طلع موبايله واتصل. الكل سمعه: “خالد… لو اسم مراتي جه على لسانك تاني، هخليك عبرة للقاهرة كلها. وردك خليه لفرحك.”
قفل السكة. بص لإيمان اللي واقفة مصدومة، وقال بصوت واطي بس كل كلمة سكينة: “إيه الدراما دي؟ إنتي على ذمتي!”
إيمان اتفاجئت من رد فعله، ردت بصوت واطي عشان الخدم: “على ذمتي على الورق بس! أنا مش مراتك بجد عشان…”
قرب منها خطوة، وقاطعها: “طول ما اسمك إيمان الزيني، مفيش راجل يبعتلك ورد. واللي هيحاول… هيندم. مفهوم؟”
سابها وطلع مكتبه، وقفل الباب بقوة. إيمان واقفة قلبها بيدق، ومش عارفة ده غضب ولا غيرة ولا إيه بالظبط. بس لأول مرة تحس إنه شايفها.
—
بعد المغرب، مشكلة كبيرة.
صوت سعاد هانم جايب آخر القصر: “بقولك العقد كان في درج دليلة! والبنت دي آخر واحدة دخلت أوضتها قبل ما ننقل الحاجة!”
إيمان واقفة في نص أوضتها، وسعاد هانم بتفتح في الدواليب وبترمي الهدوم على الأرض. نهال واقفة على الباب بتمثل الصدمة: “يا طنط، حرام… يمكن إيمان متعرفش قيمته. ده ألماظ حر.”
إيمان عينيها فيها دموع بس رافعة راسها: “أنا مش حرامية. أنا مش محتاجة ألماظ.”
سعاد هانم مسكتها من دراعها: “أومال محتاجة إيه؟ جاية تاخدي جوز بنتي وفلوسها وعيالها؟”
الباب اتفتح بعنف. سالم واقف، وشه أحمر من الغضب. بص للمشهد… أمه بتهين مراته، ونهال بتبتسم من تحت لتحت.
زعق بصوت هز القصر: “إنتو بتعملوا إيه؟!”
سعاد هانم: “بندور على عقد دليلة الألماظ. والهانم مراتك هي الوحيدة اللي…”
سالم قطع كلامها، ولأول مرة يعلي صوته على أمه: “كفاية! أنا اللي دخلتها البيت ده. وكرامتها من كرامتي. اللي يهينها كأنه بيشتمني أنا. سامعة يا أمي؟”
سعاد هانم شهقت وحطت إيدها على قلبها: “بتزعق لأمك عشانها؟ بتفضل الغريبة عليا؟”

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى