
“أنتِ مين؟” رفعت وشها ببطء، عينيها في الأرض.. وهي مش مصدقة إن اللي قدامها ده يبقى ابن خالها. كانت جميلة بتصحى قبل الشمس، تمسح خوفها مع تراب الأرض وهي بترص أطباق الفطار على سفرة مدام نيفين مرات خالها اللي شغلتها عندها من أسبوعين بس. بتحاول تكون شبح… ومحدش يشوفها، محدش يسمعها، خصوصاً بعد اللي حصل في المطبخ إمبارح بالليل. كانت تدعي من قلبها: “يارب اللي شافني ده ميكونش حد من البيت هنا. يارب ما يعرفني”.
على رأس السفرة قاعدة مدام نيفين، أوامرها مفيهاش هزار. على يمينها عمار… ابنها المحامي الكبير، بدلة وملفات ووش مفيهوش ضحك. بيرجع كل يوم الفجر من المكتب وينزل قبل ما حد يصحى، عشان كده عمره ما قابلها. وعلى شمالها كريم، ابنها التاني.. لسه شعره منكوش من النوم، بس في عينه لمعة فضول بتقول إن اليوم ده مش هيعدي عادي.
جميلة ماشية جنب الحيطة، عينيها في الأرض. بتعدي بالطبق، وسامعة همس كريم لأخوه وهو بيضحك:
“إيه يا عمار، مش ملاحظ حاجة جديدة في البيت؟”
عمار بضيق من غير ما يرفع عينه من الورق: “ملاحظ إيه يا كريم؟ يا ريت تكون حاجة ليها علاقة بشغلك بدل سهرك ده.”
كريم بابتسامة: “يا عم لا، دي حاجة تانية. أنا شوفت إمبارح بالليل في المطبخ موظفة جديدة… أول مرة أشوفها هنا.”
عمار ساب الورق من إيده، وشه اتقلب جدية: “ايه الكلام ده يا كريم؟ إزاي تتكلم كده، وخصوصاً لو شغالة هنا في البيت؟ البنت دي ليها كرامتها. سيب البنت في حالها، فاهم؟”
كريم بيتنهد: “خلاص يا عم عمار، فهمت. بس بجد لو شفتها هتقولي إن كلامي صح.”
عمار بصله بنظرة تحذيرية أخيرة: “كريم! أنا قولت كلمتي. مش عايز أسمع سيرة الموضوع ده تاني. أمك بتتصرف تصرفات مش مفهومة، ومش عايزك تكون جزء من أي مشكلة.”
جميلة كانت بتعدي بالظبط وهي بتحط طبق، وسمعت كلام عمار وهو بيدافع عنها. قلبها ارتاح شوية، وحمدت ربنا إن عمار مرفعش وشه وبص عليها.. كان مشغول بأوراق بيراجعها.
بعد الفطار، جريت جميلة من الباب الخلفي. متأخرة على الجامعة، لابسة بنطلون جينز وبلوزة قديمة كانت لحقت تلبسهم فوق الجلابية في أوضتها الصغيرة، شنطة قماش بتخبط في ضهرها، وعينيها على ساعتها. المكان الوحيد اللي بتحس فيه إنها بني آدمة ليها قيمة. وفي نفس اللحظة، عمار طالع بعربيته الفخمة من البوابة الرئيسية، دماغه غرقانة في القضايا.
زاوية ضيقة، خطوة غلط، وثانية واحدة فصلت بين الحياة والموت. جميلة بتعدي ومش شايفة، وفجأة عربية عمار في وشها. صوت الفرامل شق السما. العربية وقفت على بعد سنتيمتر واحد منها.
صرخت جميلة صرخة مكتومة ووقعت على الأرض، بتضم نفسها وبتترعش. عمار نزل يجري، وشه أصفر: “أنتِ كويسة؟ يا آنسة، أرجوكي ردي عليا!”
رفعت وشها ببطء، عينيها مليانة دموع، وبصت له. الشاب الأنيق بتاع السفرة… واقف قدامها بيمد إيده.
“أنا… أنا كويسة.” قالتها بصوت مرتعش.
عمار ساعدها تقوم، وعينه بتفحصها. وقتها بس خد باله… العيون الواسعة، الوش القمحاوي، البراءة اللي مشافهاش قبل كده. حس إن الملامح دي مش غريبة عليه.. الكشكول بتاعها اتفتح لما وقع على الأرض.. عمار لمحه وهو بيجيبه من على الأرض وقرأ الاسم بصدمة..
“أنتِ… أنتِ مين؟” سألها بذهول.
جميلة بلعت ريقها: “أنا جميلة.”
الاسم نزل عليه زي الصاعقة.
“جميلة… أنتِ جميلة بنت عمتي؟”
رمشت بسرعة تداري دموعها، وهزت راسها من غير ما تتكلم.
القلق في عيون عمار اتحول لدهشة وغضب خفيف… من أمه اللي خبت الحقيقة. البنت اللي كان بيدافع عن كرامتها من دقايق على السفرة، تطلع بنت عمته…
الفصل الثاني:
“أنتِ مين؟ أنتِ جميلة بنت عمتي؟”
الكلمة نزلت على جميلة زي التلج البارد. إيديها اللي عمار ماسكها عشان يوقفها كانت بتترعش، بس مش من الوقعة… من الخوف.
رمشت بسرعة تداري دموعها. مش قادرة تبص في عينه. ده ابن خالها الكبير، “الأستاذ عمار” اللي الخدم في البيت بيترعبوا من سيرته. دلوقتي عرف كل حاجة.
عمار سحب إيده كأنه اتلسع. بص حواليه بسرعة. الشارع فاضي بس أي حد ممكن يعدي. صوته طلع واطي ومخنوق:
“اركبي.”
“نعم؟”
“قولت اركبي. هتتأخري على محاضرتك.”
فتح لها باب العربية اللي كانت هتدوسها من دقايق. جميلة واقفة متسمرة. تركب معاه؟ لو حد شافها من البيت؟ لو مرات خالها عرفت؟
“يا أستاذ عمار والله أنا…”
“اركبي يا جميلة. مش هسيبك واقفة كده.”
ركبت وهي بتلم طرف البلوزة. قفل الباب وركب جنبه. ساد صمت تقيل وهو سايق. صوت التكييف بس هو اللي بيزن في ودانها.
بعد دقيقتين، عمار كسر الصمت من غير ما يبص لها:
“أنتِ هنا من إمتى؟”
صوتها طلع بالعافية: “من… من أسبوعين.”
“أسبوعين وأنتِ بتشتغلي في بيتنا؟ وأمي عارفة أنتِ مين؟”
دموعها نزلت غصب عنها. هزت راسها.
عمار ضرب دركسيون العربية بكف إيده ضربة خلت جميلة تنتفض.
“ليه؟ ليه مقولتليش؟ ليه مقولتيش لأي حد؟”
جميلة انفجرت في العياط. لأول مرة من أسبوعين حد يسألها “ليه”.
“ماما… ماما ماتت من شهرين.” شهقت وهي بتمسح وشها بكم البلوزة. “مبقاش ليا حد. عمتي… قصدي مرات خالي مدام نيفين، كانت بتزورنا زمان. كلمتها، قولت لها أبوس إيدك أنا لوحدي ومش لاقية آكل. قالت لي تعالي القاهرة وأنا هساعدك.”
سكتت شوية تاخد نفسها. عمار سايق وباصص قدامه، بس الفك اللي مربطه بيقول إنه بيسمع كل حرف.
“لما جيت…” كملت جميلة بصوت مدبوح. “قابلتني هي لوحدها على الباب. أول ما شافتني قالت لي… قالت لي شكلك بقى حلو أوي يا جميلة. وبعدين ضحكت وقالت: بصي بقى، أنتي هتساعديني في شغل البيت. هتاكلي وتشربي وتنامي هنا، وهخليكي تكملي جامعتك. بس بشرط.”
عمار بص لها بسرعة: “شرط إيه؟”
“إن مفيش مخلوق في البيت يعرف أنا مين.” بلعت ريقها. “قالت لي بالحرف: أنتِ هنا مساعدة وبس. لو عمار أو كريم عرفوا إنك بنت عمتهم، هتبقي في الشارع تاني يوم. أنا ربيت ولادي ومش عايزة واحدة زيك تخرب عليهم. عمار ممكن يتعاطف معاكي ويقف قصادي.”
العربية وقفت فجأة على جنب. كانوا وصلوا قدام بوابة الجامعة. عمار لف بجسمه كله وبصلها. الغضب في عينه كان موجه للأم مش ليها.
“وأنتِ وافقتي؟”
“كنت هموت من الجوع يا أستاذ عمار.” قالتها وهي بتغالب دموعها. “أعمل إيه؟ كنت هنام فين؟”
سؤالها كان سهم في قلبه هو المرة دي. سكت. الدنيا كلها سكتت.
جميلة مسحت دموعها بسرعة وهي بتفتح الباب. قبل ما تنزل مسكت طرف شنطتها القماش جامد وقالت بصوت مرتعش:
“أنا… أنا عارفة إن حضرتك متفاجئ. بس أبوس إيدك يا ابن خالي، عشان خاطر أمي الله يرحمها… متقولش لحد إنك عرفت. لو مرات خالي عرفت إنك عرفت، هتقول إني أنا اللي قولتلك وهتطردني. والله ما هكون لاقية مكان أروحه.”




