
صوت تكّة الأمان الخاصة بالطبنجة الميري رن في هدوء الصالة كأنه رعد. الهدوء الذي تلى هذه التكّة كان مرعباً، ولم يكن هناك سوى صوت تنفس حسام العالي والمهزوز، وعياط ابني الصغير الذي كاتمه في حضني بيدي اليسرى.
أمي، بمجرد أن سمعت الصوت، مالت قدماها ولم فسقطت على ركبتيها في الأرض وبدأت تلطم على وجهها من دون صوت، دموع الرعب الحقيقي نزلت من عينيها بعدما تيقنت أن طارق الضابط هو الذي واقف أمامها الآن، وليس طارق ابنها البكر.
حسام التصق ظهره بالباب الخشبي أكثر، والمطواة في يده كانت تتحرك في الهواء بحركات عشوائية من شدة الرعب. صرخ وصوته شرخ: “أنت هتقتل أخوك يا طارق؟ عشان واحدة غريبة؟ واد ملوش ذنب في اللي حصل.. ارمي البتاع ده وخلينا ندفنها ونعيش ونربي الواد!”
نظرت إليه بعين ناشفة لا تحمل ذرة رحمة. اقتربت منه خطوتين وفوهة الطبنجة كانت موجهة لجبهته بالضبط. قلت له بنبرة واطية وهادئة ترعب أكثر من الصراخ: “واحدة غريبة؟ دي مراتي.. التي تحمل اسمي، التي ماتت غدراً وهي تجلب قطعة مني للدنيا. والغل الذي في قلوبكم أعماكم لدرجة أنكم تقتلوها في ليلة زفافي وزفاف ابني للدنيا؟”
حسام زاغت عينه، وفي لحظة يأس، قدم رجله للأمام ورفع المطواة محاولاً طعني في صدري.
في أقل من جزء من الثانية، التدريب العسكري والمخابراتي عمل تلقائياً. ملت بجسمي الأيسر الذي يحمل ابني بعيداً عن مجال حركته، وبيدي اليمنى نزلت بقبضة الطبنجة الحديدية بكل قوتي على مفصل يده التي تمسك المطواة.
صوت طرقعة العظم سُمع في الصالة ومعه صرخة مكتومة من حسام وهو يقع على الأرض، والمطواة طارت من يده ووقعت تحت جثمان فاطمة. دوست بقدمي الميري على صدره وثبته في الأرض، وفوهة الطبنجة أصبحت فوق رأسه مباشرة.
أمي زحفت على الأرض وهي تبكي وتترجاه: “بلاش أخوك يا طارق! ارحمني وارحم شيبتي.. أنا أمك! الشيطان وزنا.. كنا خايفين تكتب لها الشقة والفلوس وتطردنا في الشارع.. الشيطان أعمىنا يا ابني!”
”الشيطان بريء منكم..” قلت الكلمتين هاتين وأنا أخرج جهاز اللاسلكي العسكري من جيب الجاكيت. ضغطت على زر الاتصال وطلبت رقم العمليات مباشرة: “معاكم سيادة الرائد طارق.. محتاج قوة دعم فوري، وسيارة إسعاف، وعربة من النيابة العسكرية والمدنية لعنوان بيتي. يوجد جريمة قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد.. المتهمون تحت السيطرة.”
أغلقت اللاسلكي ونظرت لأمي التي كانت تنظر إلي بذهول وصدمة كأنها لا تصدق أن ابنها هو الذي يسلمها للعدالة بيده.
حسام كان يبكي على الأرض من الوجع وكاتماً ذراعه المكسور. قلت لهم وأنا عيني على كفن فاطمة: “إكرام الميت دفنه.. ولكن بعد أن يعود حقه. والشرع والقانون هما اللذان سيطبقان عليكم.”
أنزلت الطبنجة في الجراب وأغلقت عليها. مشيت خطوتين ناحية الجثمان، وطأت برأسي وقبلت كفن فاطمة من عند رأسها وهمست لها: “نامي وارتاحي يا أم سليم.. حقك عاد، وابنك في أمان.”
صوت صفارات سيارات الشرطة والمخابرات بدأ يظهر من أول الشارع، والنور الأحمر والأزرق بدأ ينعكس على حائط الصالة من خلف الشيش..
النور الأحمر والأزرق لسيارات الشرطة كان يضرب في الصالة ويُبهر العين، وصوت فرامل السيارات وهي تتوقف تحت البيت أحدث جلبة قلبت المنطقة كلها. في ثوانٍ، الباب الخشبي فُتح ودخلت قوة من رجال المخابرات والشرطة، السلاح في أيديهم والوجوه صارمة.
الضابط القائد -وكان زميل عمري الرائد أحمد- دخل ونظر في الصالة بسرعة، عين على جثمان فاطمة، وعين على حسام الذي ينزف على الأرض، وعين على أمي المنهارة. اقترب مني ووضع يده على كتفي ونظر للواد الصغير الذي في حضني وقال لي بنبرة كلها أسى: “البقاء لله يا طارق.. شد حيلك يا صاحبي. إيه اللي حصل هنا؟”
مددت يدي في جيبي السري، أخرجت كارت الميموري ووضعته في يده: “الكارت ده عليه دليل الجريمة كامل.. أمي وأخويا قتلوا مراتي خنقاً وهي بتولد عشان يسرقوا الورث والشقة. طالعين بهم على النيابة فوراً، والطب الشرعي يأتي لفحص الجثة قبل الدفن.”
أحمد نظر للكارت واتسعت عينه من الصدمة، ونظر للعساكر وأشار لهم: “خذوا الست دي والجدع ده على البوكس.. فتشوا الشقة واغلقوها بالشمع الأحمر بعد أن تعاين النيابة.”




