
ثم بكت بحرقة فأسرع يجذبها إلى صدره هاتفه بصبر: بأذن الله حالهم هيتعدل، بس أنت أدعلهم.
أردفت ببكاء: بدعلي ليهم والله في كل صلاة، ربنا يهديكوا ياولادي.
أخذت تشهق ببكاء مرير، القاسي متحجر القلب لعنته في سرها، لا تعلم لما يصر على أنكار حبه لها، تراه في عينيه، في خوفه عليها، في كلماته وأهتمامه بها! أيعقل أن تكون مخطئة؟ أن تكون أخطئت في الحكم على مشاعره أتجاهها؟
همست بذعر: مستحيل، مستحيل يكون شايفني بنت عمه وبس! مستحيل!! أكيد مازن بيحبني، أكيد، وأكملت بقهر: بس لو بيحبك فعلا يا تقى، مقالش ليه مطلبش أيدك ليه؟ هو أتخرج وأشتغل وقادر يفتح بيت، يبقى لو بيحبك ساكت ليه؟ معقول بيحب واحدة تانية!!
أنهارت في موجه جديدة من البكاء، تبكي حب لا تعلم مصيره، تبكي شوقها إليه، تبكي وتبكي وتبكي حتى شعرت بجفاف دموعها.
وقفت بعنف تمحي دموعها رافضة ضعفها وأنكسارها بهذا الشكل المهين.
هي تقى سالم مهران، لم يولد من يكسرها.
دخلت المرحاض الملحق بغرفتها تضرب وجهها بالماء البارد تخفي أثار دموعها.
ثم توجهت إلى غرفة والدها تبلغه موافقتها على من تقدم لخطبتها!!
بعد مرور أسبوعين
عاد من عمله مبكرا على غير عادته، يصعد إلى شقته وهو شارد الذهن.
هل يبالغ أن قال بأنهم أقسى أسبوعين يمروا عليه في حياته؟
بعد تلك السنوات تعود إليه عشقه المستحيل، تسكن بيته! تنام على فراشه!
لماذا بعد أن دفن شعوره نحوها في قاع قلبه تأتي هي وفي سويعات قليلة تسترد مكانتها وتتولى عرش قلبه من جديد!!
يضنيه الشوق يحترق بنيرانه، يكاد يجن وهو يسيطر على ذاته في وجودها، مالكه القلب والوجدان.
ليته لم يصر على بقائها معه في نفس الغرفة، بل على نفس الفراش!!
فبعد أنهيار عائشة وقضاء الوقت معها ومع ملك، أصدر فرمان ببقائهم في نفس الغرفة، بالطبع ليس جناح زهرة، بل تلك الغرفة التي داوت بها جرح معدته، وأصر أن تنام معه على نفس الفراش، لا نوم لها أو له على الأرض أو الأريكه.
تنهد بعذاب وهو يتذكر ملامسه أطراف أصابعها على جرحه، ك لمسات وردة ناعمة ذات عطر ساحر يخطف الأنفاس.
همس وهو على وشك البكاء: كان لازم أصر أوي يعني أنها تعيش معايا في نفس الأوضة!! أشرب يا شعيب باشا، أشرب، من أسبوعين بس لا عارف تنام ولا حتى تشتغل، بعد كده هتعمل أيه!!
دلف إلى غرفته متهدج المشاعر.
شهق دون صوت غير قادر على التنفس، وتبعته شهقتها المصدمة تنظر له بذهول.
كانت لتين قد خرجت للتو من المرحاض الملحق بالغرفة.
ولكنه تمسمرت في مكانها وهي تراه أمامها ينظر لها بنظرات كادت أن تجعلها تذوب خجلا وأشمئزازا!!
دفعته بعنف جعله يفيق من سحر قربها، ليتطلع إليها بعينين متألمتين وهو يراها تركض بجنون تجاه المرحاض وتشعر بالغثيان!!!
أغمض عينيه وأشتدت يداه حتى أبيضت مفاصلها.
أيقن أنها تنفر منه، بل تتقزز منه لدرجة أن تشعر بالغثيان لمجرد أقترابه منها!!
تهجم وجهه بقسوة وغيرة مجنونه، هل لازالت تعشق عماد بعد ما فعله بها!!
أندفع خارج الغرفة بعنف وكأن شياطين الأنس والجن تلاحقه، ثم توجهه إلى جناح زهرة ودخل يندفع تجاهه المرحاض يقف تحت الماء البارد لعلى وعسى تنطفئ نيران الغيرة بداخله ونيران أخرى سيقتلها قبل أن تلد!!
أما تلك المسكينة لتين
كانت تتأوه بألم وهي تشعر بالغثيان، تشعر ببروده قارصة وألم حاد في معدتها.
أرتفعت شهقاتها وهي تتذكر لمساته ونظرة عيناه، تلك النظرة في عيناه صدمتها، لم ترها قط من قبل، لا منه ولا من عماد.
بكت متأملة مقهورة!! أرادت أن تهرب، أن تختفي، لن تتحمل لمساته مره أخرى، ولا ترغب بنظراته.
زواجهم من البداية مجرد حبر على ورق، وسيظل هكذا شاء ام آبى.
جلسا يأكلان حول الطاولة بهدوء وصمت مخيم.
لتين تغرق وجهها في طبقها وشعيب يراقبها بتركيز دون كلل أو ملل.
والصغيرتان تتحدثان دون توقف.
هل تفكر به الآن؟ هل تتذكر أوقاتها معه؟ هل تشتاق إليه؟ هل تتمنى عودته أليها أو رؤيته!!
تساؤلات تهاجمه دون رحمه تجلده بنار غيرته، يريد أن يدخل داخل عقلها، يريد أن يعرف بما تفكر.
أن يستمع لدقات قلبها ويسألها: هل مازالت دقاته ل عماد أم تجردت من حبها له؟
أستقام واقفا قائلا بهدوء خارجي: الحمدلله، لو سمحت يا لتين هاتيلي قهوتي في أوضة مكتبي، وأه بحبها سادة.
أرادت أن ترفض ولكنه لم يسمح لها، تركها وأتجه ألى غرفة مكتبه، تنظر له بخوف منه ومن القادم.
الفصل الثامن
بخطوات متعثرة وقلب مضطرب
اقتربت من غرفة مكتبه بعد إعدادها فنجانا من القهوة.
طرقت الباب بارتباك فأتاها صوته القوي يأمرها بالدخول.
ابتلعت ريقها الجاف ثم دلفت إلى المكتب، ولم تستطع منع نفسها من مطالعته بفضول، كان مكتب ذكوري بحت يغرق باللون الأسود يخالطه الرصاصي.
رأت شعيب يجلس خلف مكتبه تحيط به هالة من الهيبة والعظمة تشع من حوله.
ورأت أمامه ما جعل قلبها يخفق بجنون، رأت شغفها الذي تخلت عنه وحرمت منه في نفس الوقت، دفتر رسم كبير يخط عليه بموهبته الفذة التي تميز بها عن أولاد عمومتها، لمحت تلك الرسمة وأتسعت عينيها بأنبهار.
كان أحد تصاميمه المميزه كالعادة لعقد من الألماس إضافة إلى ملحقاته مرسوم بطريقة مبهرة فيخطف الأنظار، فماذا سيحدث إذا أصبح قطعة حلي ملموسة!!
أصطدمت بعيناه التي تتفحصها بنظرات أربكتها وجعلت يديها ترتجف، فسقطت قطرات صغيرة من القهوة على يديها جعلتها تجفل.
تقدم شعيب بخوف يشع من وجدانه، يقبض على يديها الصغيرة الناعمة بين يديه العملاقة يتفحصها بقلق.
شعيب بخوف ظاهر: حاسه بوجع؟
أبتسمت بسخرية مميته، لو يعلم بما عانته خلال أربع سنوات لأدرك أن تلك القطرات الساخنة لا تساوي شيئا في محيط ما قاساته من آلام!!
همست بصدق: مش حاسه بيها أصلا، وكأن جسمي نحس!!
تشنج جسده بغضب.




