قصص وروايات

شعيب بقلم شيماء عصمت

أسود ياااا الله، هل ما وصله صحيح؟ هل تعذبت لدرجة ألا تشعر بتلك القطرات الحارقة!!

تمعن في كفها الأبيض والاحمرار الظاهر أثر قطرات القهوة، أراد وبشدة أن يمحي احمرارهم المؤلم، أراد طبع لمسات رقيقة لعل الألم يستحي من إيلامها، أراد أن يزرعها داخل ضلوعه، أراد استنشاق عبيرها الأخاذ، أراد وأراد وأراد، ولكنه لم يستطع، ببساطة لم يستطع.

بعدما حدث بينهم قبل قليل، وبعد رؤيته لإشمئزازها الواضح منه ومن لمساته لدرجة أن تشعر بالغثيان وتفرغ ما بجوفها!!

جرح كبرياؤه، شعر بالإهانة، لم تخلق من ترفضه وهو شعيب مهران، ولا حتى هي مالكة القلب والوجدان!!

جذبت لتين يديها بعنف وهي ترى نظراته التي تربكها وتشتتها.

ابتعد عنها بهدوء، يجلس على مكتبه ثم هتف آمرا: حطي القهوة وأقعدي، مشيرا إلى الكرسي المقابل له.

وضعت فنجان القهوة بارتعاش ملحوظ ثم جلست كطفلة صغيرة خائفة.

هتف شعيب بعد صمت دام لثواني: بالنسبة للي حصل بينا أنهاردة، فده كان…

أندفعت تقاطعه بأنفعال: كان غلط، أنا عارفة، وملهوش داعي تعتذر، أكيد كانت غلطة مش مقصودة منك، وأكيد مش هتتكرر.

توقعت أن يغضب، أن يعنفها، يصرخ بها، ولكن أندهشت حين ارتفعت ضحكاته بشكل بدى لها هستيري.

توقفت ضحكاته فجأة كما بدأت، ثم هتف بتحد شرس أرعبها: أنت مراتي.

همست بارتجاف: بس بسس على الورق وبس!!

هدر بجنون ولم يرتفع صوته: عندي استعداد أخليه على الواقع وحالا، أما الورق ده تبليه وتشربي مايته، أنت مراتي على سنة الله ورسوله، مراتي قدام رب العالمين وقدام الناس.

أجابته بشحوب: أحنا أتفقنا، أتفقنا أننا هنبقى ولاد عم وبس، أنا أخت مراتك زهرة.

تشكلت غصة مسننه مع ذكرها لزهرة، ولكنه أجابها بهدوء يحسد عليه: بس زهرة رحلت، وأنت مراتي، ودي حقيقة لا يمكن تتغير، ومن النهارده هنعيش حياة طبيعية زي أي أتنين متجوزين، أنا عمري ما هأذيكي يا لتين، ولازم تثقي فيا، أنا جوزك.

دارت عينيها في محجريهما بيأس: تثق به كيف! لقد فقدت ثقتها بالرجال جميعا، فقدتها ولن تعد يوما!!

سنوات من العذاب، من الأهانة.

عذاب شرخ روحها بجرح لن يلتئم أبدا!!

تطلعت إليه بقوته وهيبته، بعيناه اللتان تلمعان بشراسة تخيفها، أتتخلص من عماد لتقع بفخ شعيب!!

شعيب الأقوى والأكثر قساوة! شعيب من تهابه منذ نعومه أظافرها، تهابه دون سبب معلوم! ولكنه منذ كانت طفلة يعاملها بطريقة ترهبها، كان يتشاجر معها دائما، يعنفها إذا ارتفعت ضحكاتها، إذا لعبت مع أولاد عمومتها!

حتى إذا بكت! كان يجن ويصرخ بها أن تتوقف في الحال!! فتفر دموعها هربا من بطشه وتختفي تحت رموشها السوداء.

ولكنها لم تعد طفلة! أصبحت امرأة، امرأة عانت الويل في تجربة استنزفت منها الكثير، ولن تسمح بأن تعيش نفس التجربة مجددا، لقد سأمت من تلقي الأوامر وتنفيذها وكرهت ضعفها!!

لذا وبكل قوتها هتفت صارخة: لا.

أجفل شعيب من صراخها المفاجئ يهتف بأستنكار: هو أيه اللي لأ!!

أجابته بقوة رغم شحوبها الواضح: أنا مش موافقة أننا نعيش زي أي زوجين، أنا أتجوزتك عشان أخلص من عماد.

قاطعها بغيرة مجنونة: ماتنطقيش أسمه نهائي.

أبتلعت ريقها وهي تراه كتنين ينفث النيران: أنا أنا مش مستعدة أكون مراتك، أنا عايزة أعيش حرة، مش هنفذ أوامر حد، مش هنفذ رغبات أي حد يطلبها مني، أنا أنا تعبت أن أبقى تابعة ليكوا، بابا وبعدين عم…

أرادت أن تقول عماد، ولكن عيناه التي تطالعتها بتهديد جعلتها تصمت لثواني، ثم أكملت: وبعدين هو، ودلوقتي أنت!! بأي حق بتأمرني؟ أنت عارف أحنا أتجوزنا ليه! أنا جبرت نفسي أتجوزك، وأنت جدي أجبرك تتجوزني.

قاطعها بغضب: أنا محدش يقدر يجبرني على حاجة، ولو مكنتش عايز أتجوزك مفيش حد في الدنيا كان هيقدر يجبرني على كده.

هتفت بحيرة: أومال أتجوزتني ليه لو مش عشان جدي؟

أردف بأنفعال: عشان بح…

صمت بذهول من نفسه ومن أندفاعه الأحمق!! كان على وشك أن يبوح لها بسره!! أن يبوح بهيامه بها!! أي حماقة يرتكبها بحق ذاته!!

أفاق من شروده على همسها: عشان أيه؟

أجاب بأرتباك أخفاه جيدا: عشان أحميك طبعا!! أنا عارف أن الشخص التاني مش هيسيبك في حالك، بس متخافيش، قريب أوي هخلصك منه.

ارتجف جسدها من شراسته، ودعت بصمت أن تمر الأيام القادمة على خير.

شعيب: وبالنسبة للي حصل الصبح، فده شيء عادي، أنت مراتي وزوجتي، أنا مغلطتش.

هتفت بحنق: بس أنا مش موافقة.

شعيب ببرود: والله ده اللي عندي يا زوجتي العزيزة.

ضغط على حروف كلمته الأخيرة بأستفزاز.

هتفت بقهر: أنت بتستغلني وبتجبرني.

مزقته كلماتها ودموعها المتحجرة، فهتف بأستسلام أستغربته: عايزة أيه يا لتين!

أجابته برجاء: عايزة أنام في أوضة لوحدي، أرجوك يا شعيب، وافق، أنا مش قادرة أستحمل أكتر من كده، أنا وأنت علاقتنا لا يمكن تتغير.

أدرك أنها على وشك الانهيار، من عينيها التي تدور داخل محجريهما بيأس، من ارتجاف جسدها وأناملها التي تقبض على قماش ثوبها الأخضر الطويل بقسوة.

أجاب بهدوء عكس الألم الحارق الذي يشعر به تمام.

زفرت بارتياح أشعل نيران قلبه أكثر وأكثر.

فأكمل: وأنا هرجع لجناح زهرة، تقدري تروحي أوضتك، وتأكدي أني مش هخطيها من تاني.

رأى جمودها الذي دام لثواني، ثم أومأت موافقة، وانسحبت من مقعدها تخرج من المكتب صافعة بابه بعنف جهل عن معرفة سببه!!

أغمض جفونه بأرهاق، مازال الطريق لوصالها طويل طويل جدا.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى