عام

سليم وليلى الجزء الثاني الفصل الخامس والسادس

الجزء الثاني

الفصل الخامس

الساعة التي توقفت

من بعد المكالمة الغامضة، ليلى ما قدرتش تنام.

كانت قاعدة على طرف السرير، والموبايل في إيدها، بتبص للرسالة اللي وصلتها للمرة العاشرة.

“لو عايزة تعرفي الحقيقة… دوري على الساعة اللي توقفت.”

جملة قصيرة.

لكنها كانت كفاية تخلي عقلها يشتغل طول الليل.

مين بعتها؟

وليه قال لها الساعة؟

وإيه علاقة الساعة بكل الأسرار اللي بدأت تظهر؟

فتحت ليلى درج صغير جنب السرير، وطلعت منه الساعة القديمة اللي لقتها وسط حاجات والدتها.

كانت ساعة جيب قديمة، لونها فضي، وعلى ضهرها نقش صغير.

ليلى قربتها من الضوء.

لأول مرة قدرت تقرأ النقش بوضوح:

“كل شيء بدأ عند الثانية عشرة.”

همست:

“الثانية عشرة؟”

وفي نفس اللحظة…

سمعت صوت مفتاح في الباب.

رفعت عينيها بسرعة.

سليم دخل.

أول ما شافها صاحيه، قال:

“إنتِ لسه ما نمتيش؟”

خبّت الساعة بسرعة في إيدها.

“مش جاية ليّا نوم.”

سليم قرب منها.

“من ساعة المكالمة وإنتِ متغيرة.”

ليلى بصت له.

“إنت مصدق إن في حد بيراقبنا؟”

سليم سكت لحظة.

وبعدين قال:

“أيوه.”

اتوترت.

“يعني إنت عارف مين؟”

“لأ.”

“طب تعرف إيه؟”

سليم قعد قدامها.

“أعرف إن الشخص ده مش عايز يضرنا… على الأقل لحد دلوقتي.”

ليلى بصت له باستغراب.

“إزاي عرفت؟”

“لأنه لو كان عايز يأذينا، ما كانش ساب لنا ألغاز.”

سكتت.

كلامه كان منطقي.

لكن الغموض كان بيخوفها أكتر.

طلعت الساعة وحطتها قدامه.

سليم مسكها.

فضل يقلبها بين إيده.

“دي بتاعت والدتك؟”

“آه.”

“كانت معاكي من إمتى؟”

“من وأنا صغيرة.”

سليم قربها من عينه.

وفجأة…

ضغط على طرف صغير في الساعة.

تك.

اتفتح الغطاء الخلفي.

ليلى شهقت.

“إيه ده؟!”

سليم بص للساعة.

جواها ورقة صغيرة جدًا ملفوفة.

فتحها بحذر.

الورقة كان مكتوب عليها:

“حين تتوقف الساعة… ابحثوا عن المكان الذي لا ينام فيه الضوء.”

ليلى بصت له.

“المكان اللي ما بينامش فيه الضوء؟”

سليم بدأ يفكر.

“مستشفى؟”

هزت راسها.

“ممكن.”

“محطة؟”

“مش عارفة.”

سليم قلب الورقة.

في ظهرها كان فيه رقم واحد:

3

ليلى قالت:

“رقم تلاتة.”

سليم بص لها.

“الغرفة رقم تلاتة؟”

“أو البيت رقم تلاتة.”

“أو صفحة تلاتة.”

سكتوا.

ثلاثة احتمالات.

لكن اللغز كان ناقص.

وفجأة ليلى افتكرت حاجة.

“الساعة.”

سليم سأل:

“مالها؟”

“هي متوقفة.”

بصوا للساعة.

العقارب كانت فعلًا ثابتة.

12:00

سليم قال:

“يبقى الثانية عشرة هي المفتاح الأول.”

ليلى مسكت الورقة.

“والمكان اللي ما بينامش فيه الضوء هو المفتاح التاني.”

ثم بصت للرقم.

“والتلاتة المفتاح التالت.”

سليم ابتسم ابتسامة صغيرة.

“يبقى صاحب الرسالة عايزنا نركب التلات حاجات مع بعض.”

ليلى سألت:

“إزاي؟”

سليم بص للساعة.

“12… 3…”

ثم فجأة قال:

“الساعة 12، والغرفة 3.”

ليلى شهقت.

“الغرفة رقم 3 فين؟”

سليم رد:

“في المكان اللي بدأ منه كل شيء.”


بعد ساعات…

كانوا واقفين قدام مستشفى قديم، مبنى مهجور تقريبًا.

ليلى بصت للمكان.

“ده المستشفى القديم؟”

سليم هز راسه.

“أيوه.”

“إنت عرفت منين؟”

“أبويا كان بيشتغل هنا.”

ليلى بصت له بسرعة.

“وأمي؟”

سليم ما ردش.

لأن الإجابة كانت واضحة في عينيه.

دخلوا المبنى.

الظلام كان مالي المكان.

لكن في آخر الممر…

كان فيه ضوء واحد بس شغال.

ليلى وقفت.

“المكان اللي ما بينامش فيه الضوء…”

سليم بص للضوء.

“الغرفة دي.”

مشيوا ناحيته.

رقم الباب كان واضح:

3

ليلى حطت إيدها على فمها.

“الغرفة رقم 3.”

فتح سليم الباب.

الغرفة كانت مليانة تراب.

سرير قديم.

مكتب.

وخزانة حديد.

ليلى بدأت تبص حواليها.

“إحنا بندور على إيه؟”

سليم قال:

“أي حاجة تخص والدتك.”

قرب من المكتب.

فتح أول درج.

فاضي.

التاني…

فاضي.

التالت…

كان فيه ملف قديم.

سليم فتحه.

لكن أول ما شاف أول صفحة، اتغيرت ملامحه.

ليلى قربت.

“إيه؟”

مد لها الملف.

كان فيه سجل قديم للمرضى.

ليلى بدأت تقرأ.

وفجأة شافت اسم والدتها.

“ليلى عبد الرحيم — دخول المستشفى — الساعة 12:00.”

لكن ليلى ما كانتش موجودة وقتها.

كانت والدتها هي المريضة.

تحت الاسم كان فيه تاريخ قديم جدًا.

نفس اليوم اللي قيل فيه إن والدتها اختفت.

ليلى همست:

“ليه أمي دخلت المستشفى الساعة 12؟”

سليم قلب الصفحة.

“استني…”

كان فيه اسم شخص تاني.

منصور عبد الرحيم.

ليلى اتوترت.

“منصور؟”

سليم قال:

“كان موجود في نفس الليلة.”

“يبقى كانوا هنا مع بعض.”

“أيوه.”

قلب صفحة أخرى.

وهنا ظهر أول لغز حقيقي.

كان مكتوب بخط اليد:

“ثلاثة دخلوا الغرفة… اثنان خرجوا… وواحد لم يعد.”

ليلى بصت لسليم.

“ثلاثة مين؟”

سليم قال:

“والدتك… منصور… والشخص الثالث.”

“مين الشخص الثالث؟”

سليم هز راسه.

“مش مكتوب.”

ليلى قلبت الورقة.

لا شيء.

لكن في أسفل الصفحة كان فيه رسم صغير:

ساعة + مفتاح + رقم 3.

ليلى قالت:

“إحنا كنا بندور على التلاتة دول من البداية.”

سليم بص للرسم.

“يعني الرسالة كانت بتوجهنا للمكان ده.”

ثم لاحظ شيئًا.

تحت الرسم كان فيه خط صغير جدًا.

قرب عينه.

وقرأ:

“الذي خرج من الباب… لم يخرج من المستشفى.”

ليلى اتجمدت.

“يعني إيه؟”

سليم بدأ يفكر.

“واحد خرج من الغرفة، لكنه ما خرجش من المستشفى.”

“يبقى مين؟”

“مش عارف.”

فجأة…

سمعوا صوت باب بيتقفل في آخر الممر.

ليلى اتخضت.

سليم مسك إيدها.

“خليكي ورايا.”

خرجوا من الغرفة.

الممر كان فاضي.

لكن على الأرض…

كان فيه أثر خطوات مبلولة.

ليلى بصت لها.

“حد كان هنا.”

سليم مشي ورا الآثار.

وصلوا لباب خلفي.

الباب كان مفتوح.

لكن الشخص اختفى.

وعلى الأرض كانت فيه ورقة جديدة.

سليم انحنى وأخذها.

مكتوب:

“لو عايزين تعرفوا مين خرج من الغرفة… دوروا على الصورة اللي اتاخدت قبل الحادث بيوم.”

ليلى قالت:

“الصورة؟”

سليم افتكر.

“كان فيه تصوير قديم هنا.”

“فين؟”

“أرشيف المستشفى.”

جروا ناحية الأرشيف.


الأرشيف كان عبارة عن غرفة ضيقة مليانة ملفات وصور.

سليم بدأ يدور.

ليلى كانت بتفتح الأدراج واحد ورا التاني.

بعد دقائق…

صرخت:

“سليم!”

قرب منها.

كانت ماسكة ظرف بني.

عليه تاريخ.

قبل الحادث بيوم.

فتحوا الظرف.

طلعت صورة قديمة.

الصورة فيها ثلاثة أشخاص.

والدة ليلى.

منصور.

ورجل ثالث.

ليلى قربت الصورة من عينيها.

الرجل كان واقف بعيد.

لكن ملامحه واضحة.

سليم أول ما شافه…

اتجمد.

ليلى بصت له.

“إنت تعرفه؟”

سليم ما ردش.

“سليم؟”

قال بصوت منخفض:

“أيوه.”

“مين؟”

سليم أخد نفس طويل.

“أبويا.”

ليلى اتصدمت.

“والدك كان هنا قبل الحادث بيوم؟”

“واضح.”

“وكان يعرف أمي ومنصور؟”

سليم بص للصورة.

“ده السؤال اللي لازم نعرف إجابته.”

لكن ليلى لاحظت حاجة تانية.

في أسفل الصورة…

كانت فيه ساعة معلقة على الحائط.

العقارب واقفة عند:

12:00

قالت:

“الساعة ظهرت تاني.”

سليم قرب.

“دي مش صدفة.”

قلب الصورة.

في الخلف كان فيه رقم مكتوب:

3

وتحته:

“المفتاح في المكان الذي لا يصل إليه أحد.”

ليلى همست:

“المكان اللي محدش بيوصله…”

سليم فكر.

ثم بص للسقف.

“السطح.”

ليلى هزت راسها.

“ليه؟”

“لأن المستشفى اتقفل من سنين، والسطح محدش بيطلعه.”

طلعوا السلم.


على السطح…

كان الظلام شديد.

الهواء قوي.

وفجأة…

ليلى شافت صندوق صغير جنب سور السطح.

قربت منه.

كان مقفول.

سليم حاول يفتحه.

لكن مفيش قفل.

مجرد فتحة صغيرة.

ليلى طلعت الساعة.

سليم بص لها.

“جربي.”

حطت الساعة في الفتحة.

تك.

الصندوق اتفتح.

جواه…

مفتاح قديم.

وشريط تسجيل.

وصورة صغيرة.

ليلى مسكت الصورة.

كانت صورة لطفلة صغيرة.

هي.

وفي الخلفية كانت والدتها واقفة جنبها.

لكن خلف والدتها…

كانت فيه امرأة أخرى.

ليلى دققت في الصورة.

“مين دي؟”

سليم أخد الصورة.

وفجأة لقى اسم مكتوب خلفها:

مودة.

ليلى رفعت عينيها.

“مودة؟”

سليم سكت.

وبص للشريط.

كان مكتوب عليه:

“اسمعوه قبل ما تسألوا مين مودة.”

ليلى قالت:

“لازم نسمعه.”

لكن قبل ما يشغلوا الشريط…

سمعوا صوت حركة خلفهم.

التفتوا.

مفيش حد.

ثم جاء صوت امرأة من الظلام:

“لو سمعتوا الشريط… مش هتقدروا ترجعوا زي الأول.”

ليلى اتجمدت.

سليم وقف قدامها.

“مين؟”

الصوت ما ردش.

لكن سمعوا خطوات تبتعد.

سليم جرى ناحية باب السطح.

فتحه.

مفيش حد.

رجع.

ليلى كانت ماسكة الشريط.

بصت لسليم وقالت:

“لازم نعرف الحقيقة.”

سليم هز راسه.

“هنعرفها.”

لكن قبل ما ينزلوا…

ليلى لاحظت إن خلف الصورة فيه جملة صغيرة جدًا.

قرأتها بصوت مرتعش:

“مودة ليست من تبحثون عنها… مودة هي من تبحث عنكم.”

ليلى بصت لسليم.

وسألت:

“يعني إيه؟”

سليم ما عرفش يرد.

لأن اللغز كان لسه مفتوحًا.

لكن الإجابات بدأت تظهر واحدة وراء التانية:

الساعة توقفت عند الثانية عشرة.

الغرفة رقم ثلاثة كانت بداية السر.

والصورة أثبتت أن والد سليم كان يعرف أم ليلى ومنصور.

أما مودة…

فكانت الحقيقة التي ستقلب كل شيء.

وفي نهاية الشريط، قبل أن يبدأ التسجيل…

كان هناك صوت امرأة تهمس بجملة واحدة:

“لو سليم سمع الكلام ده… لازم يعرف إن أبوه هو أول واحد أخفى عنه الحقيقة.”

وتوقف التسجيل.

نظر سليم إلى ليلى…

ولأول مرة، ظهر القلق الحقيقي في عينيه.

لأن السر لم يعد متعلقًا بماضي ليلى وحدها.

السر أصبح متعلقًا بعائلة سليم نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى