.
الحلقة الأولى – “اللى ساكنين فوق”
عمّار اتنقل شقّة جديدة…
كان محتاج يهرب من الدنيا شوية، يلمّ نفسه، ويقفل على وجعه ويسيب كل اللى وراه، خصوصًا بعد اللي حصل معاه من ست شهور… الليلة اللي خسر فيها حد ما ينفعش يتعوّض.
الشقة كانت هادية… زيادة عن اللزوم.
الساكنين قليلين، والعمارة قديمة، بس مرتّبة.
وعمار قال لنفسه: “يمكن الهدوء ده اللي هينقذني.”
أول ليلة…
وهو بيحاول ينام، سمع خبط…
خبط خفيف…
كأنه حد بيجرّ كرسي في السقف.
عمّار شد الغطا وقال: “أكيد حد بيرتب شقته… عادي.”
بس تاني ليلة…
الخبط جه في نفس الميعاد…
ونفس الإيقاع…
وبعد الخبط، صوت جَرّ… وبعده سكون تام.
عمّار بدأ الشك ياكل عقله.
مين اللي فوقه؟
وليه كل ليلة في نفس الوقت؟
الصبح نزل يسأل البوّاب.
– “مين ساكن فوقي يا عم رمضان؟”
عم رمضان مسك طرف الجلباب وقال وهو بيتهرب من عينيه:
– “مفيش يا بيه… الدور اللي فوق فاضي من سنة.”
عمار وشه شَحَب:
– “فاضي إزاي؟ أنا سامع خبط كل يوم!”
عم رمضان عض شفايفه وقال:
– “يا بيه… الناس اللي كانت فوق… مشيت بعد المصيبة.”
عمار قلبه دق بسرعة:
– “مصيبة؟”
عم رمضان قرب ووطّى صوته:
– “الشقة اتقفلت بعد اللي حصل للبنت… والبيت من ساعتها ما بقاش زي الأول.”
عمار سأل بقلق:
– “بنت مين؟”
البوّاب قال الجملة اللي وقفت الد.م في عروقه:
– “البنت اللي كانت زي خطيبتك… اسمها ليلى.”
عمار اتجمد.
اسم “ليلى” وقع عليه زي صاعقة…
ليلى اللي فقدها…
ليلى اللي م.اتت في حض.نه…
بس قبل ما يسأل أي سؤال تاني…
عم رمضان رفع إيده وحط إصبعه على بقه:
– “يا بيه… اللى فوق… محدش بيطلع له. محدش حتى بيقرب من بابه.”
عمار رجع لشقته وهو مش قادر يتنفس…
وقبل ما يقفل الباب…
سمع نفس الخبط…
بس المرادي، جاي من جوّا الشقة.
من جوّا.
وهنا تنتهي الحلقة الأولى.
الحلقة التانية – “الخبط اللى جوا البيت”
عمار وقف قدّام باب شقته…
إيده على المقبض، وصوته الداخلي بيصرّخ:
“مستحيل… أنا لوحدي.”
لكن الخبط جِه تاني…
خبط بطئ… مُتعمّد…
زي حد بيقول له: “أنا هنا.”
فتح الباب، قلبه بيقرّص في ضلوعه.
الشقة ظلمة، والهواء بارد، رغم إن الجو حرّ.
وهو بيخطو لتحت النور، لمح حاجة…
كرسي الصفرة متحرك من مكانه شبر كامل.
عمار اتكعبل في نفسه وهو بيرجع خطوة ورا:
– “إيه ده؟! مين دخل؟!”
مسك الموبايل وفتح الكشاف…
لف الشقة حتة حتة…
المطبخ فاضي…
الأوضة مرتّبة…
حتى الشبابيك مقفولة بإحكام.
لكن فيه حاجة خانقاه… حاجة زى ريحة “عطر” خفيف…
عطر كان عارفه…
وعمره ما افتكر إنه هيشمه تاني.
عطر ليلى.
عمار مسك دماغه:
– “مخي بيلعب بيا… أكيد.”
الموبايل رنّ فجأة.
رقم مجهول.
– “ألو؟”
صوت ست… واطي… رايق… مخيف.
– “ليه رجعت يا عمار؟”
عمار اتجمد.
– “إنتي مين؟!”
الصوت زفر:
– “مفيش حاجة فوق… بس في حاجات كانت تحت… ولسه موجودة.”
الخط اتقفل.
عمار رمى موبايله وجرى على الباب…
عايز يهرب…
لكنه اكتشف إن الباب مش بيفتح.
المقبض لافف…
بس الباب ثابت…
مربوط…
كأنه حد ماسكه من الناحية التانية.
– “افتح! افتح يااااا!!!”
وبعد دقيقة من الطرق…
الباب اتفتح فجأة.
ولا حد قدّامه.
نزل يجري للدور الأرضي، راح لعم رمضان وهو بيجري ووشه أبيض:
– “مين كان ساكن فوق؟! قولّي دلوقتي!”
عم رمضان قعد على الكرسي وهو بيفرك إيده:
– “يا بيه… شاب وبنته. كان بينهم مشاكل… كتير. البنت كانت مخطوبة… وخطيبها اختفى ليلة وفاتها، ماحدش لاقاه. والبيت… من الليل ديهو ما بقا لو عِمار.”
عمار قرب بعنف:
– “اسمها كان ليلى؟!”
البواب اتخض:
– “إنت عرفت إزاي؟!”
عمار ما ردش…
طلع يجري على الشقة…
قلبه بيخبط أسرع من الخبط اللي في السقف.
فتح باب شقته…
ولقى ورقة صغيرة على الرخام.
ورقة عمره ما شافها قبل كده.
فتحها بإيد بترتعش…
ولقى مكتوب فيها بالقلم الأحمر:
“اللى فوق مستنيك… ومتزعلوش.”
ووقّع تحتها اسم:
ليلى.
وبمجرد ما خلص قراءة…
الخبط في السقف بدأ.
بس المرادي… أسرع… أقرب…
وكأن حد بيجري…
مش فوق…
لكن نزل السلم…
—
الحلقة التالتة – “اللى فوق نِزِل” (النهاية)
الخبط بقى جاي من السلم…
مش من فوق…
مش من الشقة الفاضية…
من تحت، من قلب العمارة…
كأن حاجة بتتحرك في الضلمة، وبتدور عليه.
عمار وقف في نص الشقة، عينه على الباب…
كل صوت بيقرب…
وبقلبه سؤال واحد:
“هي ليلى… ولا حاجة تانية؟”
الورقة اللي في إيده بدأت ترتعش…
كأنه الورق نفسه بيتنفس.
حط ودنه على الباب.
فيه نفس…
حد واقف برّه…
نَفَس تقيل، هادي، ورايق…
نَفَس حد مش مستعجل…
حد واثق…
ومستنيه.
عمار فتح الباب فجأة.
الممر فاضي.
الدور كله ساكن…
لكن ريحة العطر لسه…
ريحة ليلى.
رجع خطوتين لجوه…
وفجأة…
الباب اتقفل براحة…
من غير ما يلمسه.
وظهر على الخشب علامة إيد.
إيد رفيعة…
إيد بنت.
عمار اتراجع لورا:
– “ليلى؟… لو إنتي هنا… قوليلي.”
السكون ردّ عليه.
وبعدين…
جت همسة…
من جوا الأوضة اللي مقفولة من يوم ما نقل.
همسة خفيفة…
قريبة…
كأنها على كتفه:
“إنت السبب.”
عمار دخل الأوضة…
كشاف الموبايل يهزّ مع إيده…
ولقى نفس الورقة اللي فوق الرخام…
لكن المرادي، مكتوب فيها سطر جديد:
“مشيت وسبتني.”
قلبه وقع.
الليلة اللي ما.تت فيها ليلى…
كانوا متخانقين…
وهي خرجت لوحدها…
وهو سابها.
والحادثة حصلت بعدها بدقايق.
صوت خطوات وراه.
التفت…
مافيش حد.
بس في ظل…
واقف عند باب الأوضة.
ظل لحد طويل…
لكن ملوش ملامح.
عمار اتحشر في الركن، صوته اتك.سر:
– “ليلى… اسف… أنا آسف! ماقدرتش… كنت محطم… ماعرفتش أنقذك!”
الصوت اللي جاي من الضلمة قال:
“بس أنا قدرت أرجعلك.”
الهواء اتجمّد.
والظل بدأ يقرب…
ببطء…
وبصبر…
لحد ما وقف قدامه.
وفجأة النور قطع.
الصريخ بتاع عمار بس اللي فضل…
وبعدين…
سكت.
—
تاني يوم…
عم رمضان كان بيخبط على الشقة من الصبح.
ماردش.
فتح بالمفتاح العمومي…
ولاقى الشقة مظلمة…
والهدوء مخيف.
دخل جوّا…
ولاقى على الأرض ورقة.
ورقة عليها سطر واحد:
“اللي فوق أخده.”
ورفع عينه للسقف…
سمع خبط…
لكن خبط تقيل…
مش خبط بنات…
خبط «رجالة».
العمارة بعدها اتقفل دور كامل…
وباب الشقة اللي فوق اتغير قفله…
وكله بقى يقول نفس الجملة:
“اللي فوق… بقى اتنين.”
—
لو عايزة جزء فرعي صغير بعد النهاية يوضح لغز ليلى أو سبب رجوعها… أكمّلك.
مش هيفسّر كل حاجة تفسير مباشر، لكن هيفتح باب فهم جديد ويكمّل الجو اللي على طريقة محمود الشرقاوي:
حقائق ناقصة…
“حقيقة ليلى”
بعد اختفاء عمار بيومين،
ضابط شاب من القسم القريب جِه العمارة يسأل…
مش بسبب بلاغ، ولا شكوى.
لكن بسبب مكالمة اتسجّلت على الخط الساخن ليلة اختفاء عمار.
مكالمة بصوت ست…
هدية…
ومخيفة.
الصوت قال:
“اللي ما.ت راجع يا حضرة الظابط… خدوا بالكم منه.”
وبعدها الخط اتقفل.
الضابط طلع يدقّق في ملفات العمارة…
ولقى قضية قديمة من سنتين:
حادث بنت اسمها ليلى… اتوفت بعد ما وقعت من بلكونة الدور اللي فوق.
الملف ناقص.
صور التحقيق مش موجودة.
والغريب…
إن اسم ليلى مش مطابق لاسم خطيبة عمار في السجلات الرسمية.
اسم خطيبة عمار الحقيقي كان: مريم هشام.
يبقى مين ليلى؟
ومين البنت اللي ما.تت فوق؟
الضابط راح يدور في أوراق العقار…
ولقى حاجة أغرب:
اسم البنت اللي ما.تت فوق،
اللي اتقال إنها “ليلى”…
كان اتغير بإيد شخص واحد فقط…
عمار.
هو اللي كتب بلاغ الوفاة…
وهو اللي غيّر الاسم…
وهو اللي وقّع على تعهّد غريب بعد الحادث:
> “أتحمّل المسؤولية كاملة… وأقرّ أن الوفاة ليست حادثًا.”
الضابط وقف عند الجملة دي كتير…
مو.ت… ومش حا.دث؟
يبقى إيه؟
اتّصل بأهل عمار يسأل…
لكن أهله قالوا:
– “ابنّا مكنش مخطوب قبل كده… ومفيش حد في حياته اسمها مريم… ولا ليلى.”
الضابط اتشلّ 3 ثواني.
يعني…
عمار نفسه كان عايش مع “حد”
مش موجود في أي سجل… ولا ورق… ولا حياة.
رجع العمارة وسأل عم رمضان:
– “كنت تعرف البنت اللي كانت فوق؟”
عم رمضان اتنهد:
– “يا بيه… ماكنّاش بنشوفها. كانت ساكنة معاه زي الضل… تدخل بالليل، وتخرج بالليل… ومحدش سمع لها صوت. لكن بعد مو.تها… العمارة كلها بقت تسمعها.”
الضابط سأله:
– “بس إنت قلت قبل كده إن اللي ما.تت خطيبت عمار.”
رمضان مسح عرقه وقال:
– “هو اللي قال كده… بس مفيش حد شافها وهو معاها. كلنا كنا شايفينها لوحدها… ماعداه.”
الضابط رفع راسه للسقف…
والخبط رجع…
لكن الخبط المرادي كان مستمر…
بيهبد هبد…
زي حد بيتخانق…
أو بيحاول يخرج.
الضابط ساعتها فهم…
يمكن ليلى ماكنتش “شخص”
يمكن كانت حاجة تانية…
اتغذت على وحدته…
وطلعت فوق…
واختارتها مكان.
والأغرب…
إن عمار لما جه يسكن…
مكنش جاي يهرب منها…
كان جاي يلحقها.
وفي التقارير الرسمية…
اتكتب سبب اختفاء عمار:
“غادر المكان طوعًا”…
لكن موظف القسم اللي كتبها
لحد النهارده بيقول:
– “الورقة كانت بتكتب نفسها.”
-؟

