عام

بعد ٣ ايام بقلم منال على ٣

وقفت قدامها، وجسمي كله متخشب.
ريحة الشاي بالنعناع اللي في إيدها كانت مالية المكان، ممزوجة ببرود نظرتها اللي خلت شعر جسمي يقف.
قربت خطوتين لجوه، حطت المج على طرف الترابيزة، وبصت للورق اللي في إيدي.
— كنتي فاكرة نفسك ناصحة يا سارة؟
صوتي خرج بالعافية، بس حاولت مابينش رعشتي:
— إنتي عملتي كده إزاي؟ والدهب ده بتاع مين؟ ومحمود باعلك الشقة ليه؟!
ضحكت ضحكة صفرا، وقعدت على كرسي خشب قديم كان في ركن الأوضة.
— الشقة دي في بيت عيلتي يا حبيبتي، ومفيش غريب هيدخل يحط رجل على رجل ويكتب باسمه طوبة فيها. أبوكي دفع نص تمنها عشان نجهزها، ومحمود ابني رجعها لأمه بالأصول… عشان ده شقاه وشقى عيلته.
— والدهب؟ دهبي أنا اللي محطوط في كيس هنا ليه؟!
بصتلي ببرود وقالت:
— الدهب ده أمانة عندي… عشان لو فكرتي في يوم تطلبي الطلاق وتطلعي بمؤخر وقايمة، نكون إحنا اللي ماسكينك من إيدك اللي بتوجعك. زي اللي قبلك بالظبط. حكايات منــال عـلـي
هنا مسكت في جملتها وسألتها:
— اللي قبلي؟ يعني إيه زي اللي قبلي؟
شاورت بصباعها على الميدالية اللي عليها رقم ٣ وقالت بمنتهى التبجح:
— الميدالية دي مش رقم الأوضة يا شاطرة… دي رقمك إنتي. إنتي العروسة رقم تلاتة لمحمود. الأولى خرجت بهدومها بعد

ست شهور وتنازلت عن كل حاجة بعد ما عرفنا نكسر عينها، والتانية مكملتش شهرين وسابت شقاها وشبكتها وجريت… وإنتي بقى تالت واحدة، بس كنت فاكراكي أذكى، طلعتي ملحقتيش تكملي تلات أيام. حكايات منــال عـلـي
الدم غلي في عروقي.
الصدمة اللي كانت شلاني من شوية اتحولت فجأة لغضب… غضب عمري ما حسيته في حياتي.
فهمت كل حاجة في لحظة.
الجوازة دي كانت «سبوبة»… محمود وأمه بيستدرجوا بنات الناس، يشاركوهم في تمن الشقة، وياخدوا الشبكة، ويطفشوهم في أول كام شهر بأبشع الطرق عشان يتنازلوا عن كل حقوقهم وما يطولوش مليم واحد!
حماتي وقفت، ومدت إيدها:
— هاتي الورق والدهب ده بهدوء، وروحي الصالة.. محمود زمانه راجع، وهنقعد نكتب ورقة التنازل بتاعتك، وأبوكي ييجي ياخدك بشنطة هدومك من غير شوشرة وفضايح.
بصيت للورق اللي في إيدي.
وبعدين بصيت للموبايل اللي كان في جيبي.
وابتسمت.
ابتسامة خلت حماتي تقف مكانها وعينيها تضيق بشك:
— إنتي بتبتسمي على إيه يا بت إنتي؟!
طلعت الموبايل من جيبي ولفيت الشاشة ناحيتها.
الشاشة كانت منورة على مكالمة مفتوحة مدتها ٢٢ دقيقة… مكالمة جماعية بين «بابا» و«أخويا الضابط أحمد».
والأهم من ده كله، إني كنت مشغلة خاصية تسجيل المكالمات، وقبل ما أدخل الأوضة، صورت كل ورقة في الدوسيه بعتها على واتساب
لأخويا بالتواريخ والأرقام القومية.
حماتي وشها اصفر، ولون عينيها اتغير في ثانية:
— إنتي… إنتي بتعملي إيه؟!
في نفس اللحظة دي، سمعنا صوت خبط ورزع عنيف على باب الشقة برة، وصوت جرس الباب بيضرب ورا بعضه بجنون، وصوت أبويا وهو بيزعق في مدخل العمارة:
— افتحي يا ست إنتي! افتح يا محمود بدل ما نكسر الباب فوق دماغكم!
حماتي اتلجلجت، المج وقع من إيدها على الأرض واتدفق الشاي مع صوت إزاز مكسور.
جريت على برة، وأنا خرجت وراها بكل ثبات، ماسكة في إيدي كيس دهبي والدوسيه الأصلي.
فتحت باب الشقة، لقيت أبويا وأخويا ومعاهم اتنين أمناء شرطة بالزي الرسمي، ومحمود واقف على السلم وشّه زي الميتين بعد ما قابلوه وهو طالع يلحق أمه.
أول ما محمود شافني ماسكة الدوسيه، نزل وشه في الأرض ومقدرش ينطق بكلمة.
حماتي بدأت تصرخ وتلطم على وشها وتعمل دور الضحية:
— إلحقوني! داخلين بيتي يتهجموا عليا وعلى ابني في عز الضهر!
أخويا أحمد مشي ناحيتها، وطلع الكارنيه بتاعه، وبص لمحمود بحدة:
— الكلام ده تقوليه في النيابة يا ست هانم… النصب، واستيلاء على منقولات ودهب، وتزوير عقود بيع، وسرقة بالإكراه.
محمود اترعش وقال بصوت مهزوز:
— يا عمي دي مشكلة عائلية و—
أبويا قاطعه بقلم نزل على وشه رن في العمارة كلها، وقال له بحرقة:
— إنت لا راجل
ولا ابن ناس… إنت وعيلتك عصابة، وبنات الناس مش لعبة في إيدكم!
في خلال ساعتين، كانت الحكاية كلها في القسم.
التسجيل اللي كان على تليفوني مع صور العقود وقسايم الطلاق القديمة كان دليل قاطع كشف كل اللعبة.
محمود تحت ضغط التحقيق والورق اللي ضده، اعترف بكل حاجة…
اعترف إنه استغل توكيل الشقة وباعها لأمه عشان يضمنوا إن أهلي ميقدروش يطالبوا بقرش، واعترف بسرقة الدهب بالاتفاق مع أمه عشان يضغطوا عليا للطلاق والتنازل.
وفي نفس اليوم، وأنا واقفة في القسم رافعة راسي، مضى محمود على ورقة طلاقي، واسترديت كل مليم أبويا دفعه، ومعايا شبكتي وقايمتي كاملة، غير البلاغات اللي اتقدمت ضده من طليقاته الاتنين التانيين بعد ما أخويا تواصل معاهم.
بعد أسبوعين…
كنت قاعدة في بلكونة أوضتي في بيت أبويا في إمبابة.
الهوا كان نضيف، والبيت كان دافي بأهلي اللي حسسوني بالأمان اللي اتحرمت منه هناك.
طلعت من محفظتي الميدالية الصغيرة اللي كان مكتوب عليها رقم ٣.
بصيت لها للحظة…
افتكرت خوفي أول ما شفت المفتاح في باب شقتي، وافتكرت اللحظة اللي قررت فيها إني مابقاش ضحية سهلة تخرج مكسورة زي اللي قبلي.
رميت الميدالية في الشارع، وأنا باخد نفس عميق وحاسة براحة ماليّة روحي.
ساعات ربنا بيحط في طريقنا أبواب مقفولة ومفاتيح غريبة مش عشان
…
لكن عشان نكتشف حقيقة الناس اللي حوالينا قبل فوات الأوان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى