
عاصم بصوت خافت بذهول:
= فجر؟ معقولة، إزاي معرفتكيش؟
رفعت فجر عينيها إليه تبتسم برقة هامسة بخجل:
= حمدلله علي السلامة.
أخذ عاصم يتأمل ملامحها الرقيقة أمامه، يلعن ذاكرته التي لم تسعفه عند رؤيته لها في المرة الأولى، فيكيف يغفل عن تلك العينين بلونهم الرائع الصافي، وتلك الخصلات الذهبية بلمعانهم المبهر، ليجد نفسه يهمس هو الآخر لها:
= الله يسلمك يا فجر، اعذريني معرفتكيش أول مرة.
ليمرر بنظراته فوق ملامحها بإعجاب لم يستطع إخفاءه، جعل من وجنتيها كنيران متوهجة، لتلتمع عينيه بشدة عند رؤيته لخجلها هذا.
هتفت صفية قاطعة تلك اللحظة قائلة:
= إنتي لسه شايلة الصنية يا فجر يا حبيبتي؟ حطيها من إيدك.
اخفضت فجر عينيها بارتباك تسرع في وضع الصنية بضجيج مريقة بعض من محتوياتها فوقها، ليهب عبد الحميد السيوفي واقفًا قائلًا بغضب وعنف:
= إيه يا قليلة الأدب، اللي عملتيه ده؟ مش تاخدي بالك؟
ارتعشت فجر بخوف تتراجع بخطواتها للخلف بارتباك، لتصدم بعاصم الواقف خلفها، لتجذبها يديه خلفه بحماية، لدي رؤيته لجده يتقدم منها بعينين تشتعل بالعنف، ليقف عاصم حائلًا بينهم قائلًا باستهجان:
= محصلش حاجة لكل ده يا جدي.
صرخ عبد الحميد بشراسة:
= لا حصل، ما هي لو محترمة كانت اتعلمت إزاي تحط الحاجة بطريقة كويسة، بس هقول إيه، صحيح تربية ست.
اشتعلت عيني عاصم بغضب ليصيح بعنف:
= جدي، مش شايف إن الموضوع مش مستاهل كل الغضب ده منك؟
زفر عبد الحميد محاولًا تهدئة الغضب العاصف بداخله، ولكن ما بيده حيلة، فهذا حاله دائمًا كلما رأي تلك الفتاة أو والدتها التعيسة أمامه، تحيي بداخله عواصف من الغضب والمرارة والاحتقار.
جلس فوق مقعده يستند بوجنته فوق يده الممسكة بعصاه، ترتجف يداه بشدة، ليلاحظ عاصم حالته تلك، ليلتفت إلى فجر المتشبثة بظهره برعب ليحدثها برقة:
= فجر متخفيش، اهدي، محصلش حاجة.
ثم يلتفت إلى والدته الواقفة بجوارها عواطف، تنهمر الدموع من عينيها، تطل من عينيها نظرة انكسار قائلًا بهدوء:
= ماما، خدي الست عواطف وفجر وروحي اقعدوا مع عمتي في الجنينة، هما هناك كلهم.
هزت صفية رأسها بالموافقة، لتنظر إلى عواطف تعتذر بعينها لها هامسة بندم وأسف:
= سامحيني يا عواطف.
ثم جذبت فجر من يدها تضمها إليها تمسح علي شعرها قائلة برقة:
= تعالي يا حبيبتي معايا.
سارت فجر معها بخطوات مرتعشة، تتبعهم عواطف برأس منحني بانكسار، تغلق الباب خلفها بهدوء، ليلتفت عاصم بحدة فور مغادرتهم موجها حديثه إلى جده الجالس بجمود، يجاوره صلاح الذي أخذ يهمس بكلمات مهدئة له قائلًا بغضب:
= عاوز أعرف ليه كل اللي حصل ده، وليه المعاملة دي ليهم.
جلست نادين بجوار والدتها بداخل غرفة الأخيرة، تدخن إحدى سجائرها بشراهة، تزفر دخانها بعنف، لتحدثها والدتها في محاولة منها لتهدئة غضبها هذا:
= اهدي يا نادين يا حبيبتي، ما هو مش ممكن كل حاجة هتتصلح بين يوم وليلة.
نهضت نادين تدور في أرجاء الغرفة قائلة بغضب:
= إنتي شوفتي كان بيكلمني وبيتعامل معايا ازاي من ساعة ما وصل؟ ده ناقص يخدني قلمين علي وشي.
تنهدت ثريا بحيرة قائلة:
= ما هو أكيد يا نادين يا حبيبتي، هو لسه مش ناسي اللي حصل بينكم، متفكريش إنك بسهولة هترجعي اللي كان، وخصوصًا بعد طلاقك، يعني بلاش سذاجة، مش هتقوليله يلا نرجع اللي كان، هيسامح ويقولك موافق يلا بينا.
التفتت إليها نادين تنظر إليها بحدة، لتسرع ثريا تقول بتوتر:
= اهدي كده، أنا مقصدش، بس لازم تفهمي إن عاصم مش بينسي ولا بيسامح بسهولة، وأكيد لسه فكرلك وفكرلي طبعًا إننا اتخلينا عنه وعن العيلة كلها وقت أزمتها، لما رفضنا نتمم جوازكم وقتها وسبتيه يسافر لوحده، والمصيبة الأكبر اتجوزتي بعدها بكام شهر بسعد الشاذلي، وهو راجل أكبر منك بأكتر من عشرين سنة ومتجوز ومعاه ولاد.
لتصمت قليلًا تتنهد باستنكار لتكمل حديثها بعتب:
= أنا مش عارفة كان فين عقلك وقتها.
نظرت إليها نادين شذرًا قائلة بحدة:
= طب ما إنتي وافقتي وقتها واقنعتي جدي كمان يوافق علي الجوازة، وبعدين كنت أعرف منين إن عاصم هيكدر يرجع كل حاجة وأحسن كمان من الأول، وإن البيه اللي اتجوزته مفلس وطماع وكان عاوز جدو يساعده في شغله، وإني مش هكمل معاه سنة وأرجع للقصر ده تاني.
تنهدت بتذمر:
= أنا عارفة إن عاصم مش بيجبني وعمره ما حبني، وإنه لما وافق علي جوازنا زمان كان علشان خاطر جدو بس، أنا حبيته يا ماما، يمكن وقتها حبيت نفسي أكتر، بس ده ميمنعش إني حبيته ونفسي يرجع ليا تاني زي ما كنا زمان.
نظرت إليها ثريا بشك وعدم تصديق، فهي أدرى الناس بابنتها وبعيبوبها، وأكثرهم حبًا لنفسها وللعيشة الرغدة والحياة الباذخة، وهي تري عاصم الآن هو السبيل لهذه الحياة بعد أن صار المتحكم الأول والأخير في أملاك عبد الحميد السيوفي، وهي لا تنكر أنها هي أيضًا تشجعها علي هذا التفكير، فلو أصبح ما يتمنوا حقيقة لصارت هي الأخرى بزواج ابنتها منه صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في هذا القصر.
انتبهت ثريا علي كلمات نادين قائلة:
= أنا لازم أخليه يوافق علي جوازنا، وزي ما كان جدو مفتاح المرة الأولى هيكون برضه مفتاح المرة التانية، لازم أضغط بالورقة الرابحة اللي معايا، وهي اسم السيوفي اللي أهم عنده من أي حاجة، وإيه أحسن من بنت ماهر السيوفي وابن عزيز السيوفي لما يجيبوا له الأحفاد اللي يشيلوا اسمه لآخر العمر.
التفتت إلى والدتها تلتمع عينيها بنشوة الانتصار:
= إيه رأيك يا ماما؟ مش كلامي صح؟
نهضت ثريا تتقدم إليها تبتسم هي الأخرى بنصر قائلة:
= أيوه كده بدأتي تفكري صح، بس لازم نفسك يكون طويل ومتتوقعيش أي حاجة بالساهل.
ابتسمت نادين بفرحة تهز رأسها بالموافقة قائلة بهمس:
= يبقى مش لازم أضيع وقت وأبدأ اللعب فورًا، وطبعًا أنا الكسبانة.
رد عليا يا جدي.
نطق عاصم صارخًا بتلك الكلمات، لينهض صلاح واقفًا يقترب منه قائلًا:
= اهدى يا عاصم، الأمور ماتتحلش كده.
التفت إليه عاصم يهم بالصراخ فيه هو الآخر، لكن توقف مرغمًا عندما لاحظ حالة جده الجالس فوق مقعده يتصبب عرقًا، ترتعش يده الممسكة بعصاه، ليزفر عاصم يمرر أصابعه بداخل شعره محاولًا التحكم في غضبه، يذهب في اتجاه جده قائلًا بهدوء:
= أنا أسف يا جدي، بس اللي حصل من شويه خلاني أفقد أعصابي غصب عني.
رفع عبد الحميد السيوفي رأسه ينظر إلى حفيده الحبيب، يمد يده إليه، ليسرع عاصم يمسك بها برقة، ليشده عبد الحميد يجعله يجلس بجواره قائلًا بضعف:
= تعال يا عاصم، عاوز تعرف جدك العجوز الشرير بيعمل كده ليه في حفيدته؟
أسرع عاصم قائلًا:
= جدي أنا…
قاطعه عبد الحميد قائلًا بأسف:
= أنا مش وحش زي ما إنت فاكر يا بني، كل الحكاية أنا زيك، مش بقدر أسامح اللي غلط في حقي أو حق عيلتي، ومش بقدر أنسى بسهولة، ومرات عمك يا عاصم عملت كده، غلطت غلط مش ممكن أسامح فيه أبدًا.
توترت ملامح عاصم لدي سماعه تلك الكلمات، تنتبه جميع حواسه باهتمام لما هو قادم، ليقص عليه جده ما جعل عينيه تتسع بصدمة وذهول.
الحلقة الثالثة
جلس عاصم بعد كلمات جده الأخيرة يشعر بالصدمة والذهول، ليهمس بصوت متوجس:
= غلط إيه ده يا جدي اللي يخليك تتكلم كده؟
تنهد عبد الحميد قائلًا بألم:
= بعد ما عمك توفي، قعدتها في البلد هي وبنتها زي ما إنت عارف، وكل طلبتها كانت مجابة هي وبنتها، وعمك صلاح كان المسئول عن كده، وعمري ما أخرت عليهم طلب، بس يا بني بعد ما البنت كانت في آخر سنة ليها فى الثانوي، فوجئت بناس من أهل البلد جايين يقولوا…
صمت عبد الحميد يغلق عينيه بألم، يبتلع ريقه بصعوبة غير قادر علي الكلام، لسأله عاصم بلهفة:
= قالوا إيه يا جدي؟ إيه اللي حصل؟
استمر عبد الحميد علي صمته، يخفض رأسه، ليهب صلاح مكملًا الحديث قائلًا بجمود:
= أنا هقولك قالوا إيه يا عاصم، إن عواطف وبنتها سيرتهم بقيت علي كل لسان، وإنهم خلاص مبقاش ليهم حاكم.
اتسعت عين عاصم بصدمة قائلًا بذهول:
= تقصد إنهم…
هز صلاح رأسه بالإيجاب قائلًا:



