قصص وروايات

اسير ظنونى

= أيوه بالظبط، ومكنش ادام جدك غير إنهم يجوا يعيشوا هنا وسطنا وادام عينينا، بس طبعًا الست عواطف معجبهاش الوضع، ورفضت، أول ما جدك هدد إنه مش هيصرف عليهم تاني وافقت علي طول علي طلبه، وجت هي وبنتها هنا، واتعاملوا أحسن معاملة، بس للأسف…

صمت صلاح يخفض رأسه بخجل، ليسأله عاصم بتوجس:

= بس إيه؟ كمل يا صلاح بيه.

تنحنح صلاح بحرج، ليسرع عبد الحميد قائلًا بلهفة:

= قوله يا صلاح علي اللي حصل من المجرمة دي.

صلاح بخجل وارتباك:

= أقوله إيه بس يا عبد الحميد بيه؟ خلاص اللي حصل حصل.

هتف سيف الجالس بصمت منذ بداية الجلسة، مراقبًا كل ما يحدث بعين وابتسامة ساخرة قائلًا بابتسامة شرسة:

= الهانم كانت بترسم علي أبويا يتجوزها، وزقت بنتها كمان عليا، يعني أهو تبقي كسبانة من الناحيتين، بس معملتش في حسابها إن بابا هيكشف لعبتها ويقول لجدي، وزي ما إنت شايف ده حالهم من وقتها.

ليتوقف عن الحديث لبرهة، ثم يكمل باستهزاء ناظرًا إلى عاصم المتسعة عينيه من هول ما يسمع:

= إيه رأيك يا عاصم بيه؟ لسه برضه هدافع عنهم؟

جز عاصم علي أسنانه قائلًا بغضب وشراسة:

= ولما هما فيهم كل العبر، ليه قاعدين لحد النهاردة هنا؟ أنا مش مصدق حرف من اللي اتقال ده.

نهض عبد الحميد بضعف يستند علي عكازه قائلًا:

= حقك يا بني متصدقش، أنا نفسي مكنتش مصدق، لحد ما صلاح جه واشتكي منها، وقتها أنا مكنتش أعرف حد بموضوع الكلام اللي وصلني من البلد، صلاح نفسه مكنش يعرف، يعني مش معقولة اللي هنا واللي في البلد هيظلموهم.

تنهد مكملًا بألم:

= أنا سبتها هنا تحت عينيا، هنا بدل ما يفضحونا برا بعميلهم، ولحد النهاردة محدش يعرف بالكلام ده غير صلاح وسيف وإنت دلوقت.

اقترب عبد الحميد من عاصم الواقف مكانه متسمرًا، تطل من عينيه نظرة مشتعلة بالنيران قائلًا له بضعف:

= أنا مش ظالم يا عاصم زي ما إنت فاهم، بس غصب عني اللي بعمله معاهم، مش قادر أسامح في اللي عملوه.

ثم انحني علي عصاه يخفض رأسه بضعف، ليقترب منه عاصم قائلًا بعطف:

= أنا أسف يا جدي، أنا مقصدش كده أبدًا، بس اللي سمعته صعب علي أي حد يسمعه عن أهله وعيلته.

هز عبد الحميد راسه موافقًا قائلًا:

= طب كنت أعمل إيه يا بني وأنا بسمع كده في حق شرف ابني اللي توفي؟ ياريت تقدر شعوري يا عاصم واللي حاسس بيه.

صمت عاصم لا يدري بماذا يرد عليه، ليتنهد بحيرة قائلًا بعد حين:

= تعال يا جدي أوصلك لأوضتك ترتاح، ونبقي نتكلم بعدين.

ثم أمسك به ليستند عليه ليغادرا الغرفة بخطوات بطيئة، غافلين عن تلك النظرات الخبيثة التي أخذ صلاح وابنه يتبادلاها.

لأول مرة منذ حضورها إلى هذا القصر، ورغم كل الإهانات التي نالتها هي ووالدتها دائمًا، لكن شعرت فجر هذه المرة بأنها علي وشك الموت من الوجع الذي أصابها بعد ما حدث من جدها منذ قليل، برغم اعتيادها عليه إلا أنه ألمها هذه المرة، فقد تمت معاملتهم بأقل ما يمكن أن يعامل الشخص بأحترام، فحتي العاملين هنا لهم احترامهم وتقديرهم من ساكني هذا القصر، ولكن أكثر ما يؤلمها أنه قد تم هذه المرة أمام عاصم، أمام من انتظرت لقاءه بلهفة جعلتها ترسم في مخيلتها كل مرة طريقة مختلفة للحظة التي يتعرف فيها إليها، ولكن جاء الواقع أليم أشد الألم عن كل ما تخيلته يومًا.

تتساءل ما يحدث به نفسه بعد رؤيته لتلك المعاملة من الجد، هل سيأخذ الآن صف الجميع ويصبح مثلهم، أم سيظل كما وعت عليه أول مرة في سنها الصغير، الحامي والمدافع عنها وعن أمها من بطش الجميع.

أفلتت دمعة صغيرة من عينيها، أسرعت فجر بمسحها حتى لا تلاحظها أم جمال التي عرضت أن تقوم هي بأعمال التنظيف في المطبخ بعد الغذاء، بعد رؤيتها لحالة أمها السيئة، فلم تستطع أمها رفض عرضها بعد تشجيع فجر هي الأخرى وعرضها مساعدة أم جمال للانتهاء سريعًا، لتسرع عواطف بالقبول والاختباء في غرفتهم المتواضعة، تاركة إياهم للقيام بتلك المهمة.

انتبهت فجر علي حديث أم جمال لها:

= ست فجر، أنا خلصت كل حاجة، تحبي أكمل أنا مكانك غسل الأطباق؟

هزت فجر رأسها بالرفض تبتسم ابتسامة شاحبة:

= لا يا خالتي، أنا هخلص كله، روحي إنتي شوفي ثريا هانم كانت عوزاكي تعملي إيه.

تجعد وجه أم جمال دون إرادة منها اشمئزازًا عند ذكر تلك الشمطاء، لتسرع قائلة.

7 من 7التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى