قصص وروايات

اسير ظنونى

تنهدت فجر قائلة بانكسار:

= افتكرني شغالة هنا في القصر يا ماما.

ظهر الألم فوق ملامح عواطف من كلمات وحيدتها، لكنها حاولت التحدث بطبيعية قائلة بلوم:

= له حق يا فجر، إنتي ما شفتيش شكلك كان عامل إزاي وقت ما وصل.

قالت فجر بعبوس:

= يعني شكلي كان هيفرق في إيه يا ماما؟ ما إحنا وإنتي كنا عارفين إننا مش هنكون في استقباله، وأهو زي ما توقعنا كلهم في الصالون متجمعين، وأنا وإنتي هنا في المطبخ بناكل لوحدنا.

تنهدت عواطف لا تدري بما تجيبها، لتهتف محاولة تغيير الحوار تتصنع الفضول:

= مقلتليش شافك فين وقالك إيه؟ احكيلي.

همت فجر بالرد عليها، ليقاطعها صوت زوجة عمها صفية تنادي بلهفة:

= عواطف يا عواطف.

هبت عواطف واقفة بقلق، تري صفية تدخل إلى المطبخ تسألها بفرحة ولهفة:

= مش هتيجي تسلمي علي عاصم، وتخلي فجر تسلم وتتعرف عليه؟

اخفضت عواطف رأسها بحرج قائلة بتلعثم:

= إنتي عارفة أوامر عبد الحميد بيه.

أسرعت صفية بالقول سريعًا:

= ده كان علي الغدا، وإدينا خلصناه، وكلنا قاعدين في الصالون.

لتكمل بلهفة:

= إيه رأيك تجيبي القهوة وتسلمي عليه، ويتعرف علي فجر، ده مشفاهاش ومن وهي بنوتة صغيرة.

عواطف بنبرة مترددة:

= بس يا ست صفية.

قاطعتها صفية قائلة بحزم:

= مفيش بس، اسمعي الكلام وتعالي يلا.

ثم التفتت إلى فجر تبتسم برقة قائلة:

= يلا يا حبيبتي جهزي القهوة وتعالي مع ماما، وأنا هستناكم هناك.

لتهز فجر رأسها بالموافقة بتردد، تري صفية تغادر سريعًا، لتلتفت إلى والدتها تسألها بتوتر:

= إيه رأيك يا ماما؟

عواطف بحيرة:

= والله ما أنا عارفة يا بنتي، بس لو معملناش اللي طلبته هتزعل، ولو عملناه جدك مش هيسكت. أنا مش عارفة يا فجر، أنا بقول أروح أنا أودي القهوة وأسلم عليه بسرعة، وبلاش إنتي، لجدك يسمعنا كلمتين.

أسرعت فجر قائلة برجاء ولهفة:

= بس طنط صفية قالت إنها عوزاه يتعرف عليا، علشان خاطري وافقي، وأنا هاجي كأني جايبة القهوة معاكي.

ظهر التردد والحيرة فوق ملامح عواطف، لتسرع فجر بالقول:

= متقلقيش يا ماما، وأكيد طنط صفية هتكلم جدي لو حصل حاجة، ولا زعق لينا.

لتكمل بلهفة:

= أرجوكي يا ماما وافقي.

عواطف قائلة بقلة حيلة:

= خلاص تعالي، ويحصل زي ما يحصل.

قفزت فجر بفرحة، لتتوقف سريعًا حين رأت نظرة والدتها الحائرة لها، لتتنحنح قائلة بابتسامة سعيدة:

= هروح أحضر القهوة بسرعة.

لتقف عواطف تراقبها تشعر بالتوجس والقلق، لا تدري هل ما فعلته صواب.

استمرت الجلسة في غرفة الصالون ما بين مناقشات للأعمال ما بين الرجال، جلست النساء خلالها يتهامسون، فشهيرة جلست تجاورها ابنتها هنا في حديث هامس بينهما، أما نادين وأمها فظهر الملل الشديد فوق ملامحهم من هذا الجو السائد، لتهتف نادين فجاءة قائلة ضجر وتأفف:

= مش كفاية كلام في الشغل بقي يا جدو، إحنا زهقنا.

ليدر سيف عليها باستهزاء:

= محدش قالك اقعدي معانا يا نادين هانم وتعطلي جنابك.

التفتت نادين ناحية جدها بعضب تهتف:

= عجبك كلامه معايا بشكل ده يا جدو؟

تنهد عبد الحميد قائلًا لها برقة وحنان:

= معلش يا حبيبتي متزعليش، بس إحنا فعلًا ورانا شغل، ولو زهقانة اطلعوا اقعدوا في الجنينة وإحنا هنخلص ونحصلكم.

ضربت نادين الأرض بقدميها بتذمر، تنظر إلى عاصم الجالس فوق مقعده براحة، تطل من عينيه نظرة عدم مبالاة واستهزاء قائلة:

= بس أنا كنت عاوزة أقعد مع عاصم، وابقوا كملوا كلامكم في الشغل بعدين، ولا إيه رأيك يا عاصم؟

أمال عاصم راسه إلى الجانب قائلًا ببرود:

= زي ما قالك سيف، مش هنسيب شغلنا ونقعد نسلي جنابك.

شحبت ملامح نادين من كلماته الهازئة بها، ثم أخذت تتمتم بكلمات غير مفهومة مغادرة الغرفة بخطوات غاضبة، تلحقها والدتها منادية عليها بلهفة، ليقول عبد الحميد بعتب ناظرًا إلى عاصم:

= ليه يا عاصم يا بني كده؟ هي مغلتطش إنها عاوزة تقعد مع ابن عمها.

ردت شهيرة بتشفٍ:

= وهو عاصم كان قال إيه؟ هي اللي بنت مدلعة، ما هي هنا قاعدة أهي، عمرها ما دخلت في الكلام بالشكل ده.

نظر إليها عبد الحميد صارخًا بحدة:

= شهيرة ملكيش دخل، واتفضلي يلا اطلعي اقعدي في الجنينة عما نخلص كلامنا.

زفرت شهيرة بغيظ وغضب، تنظر إلى زوجها الذي أشار إليها بالاستجابة إلى كلمات والدها، لتخرج من الغرفة بخطوات غاضبة سريعة، تلحقها ابنتها هنا دون تردد.

تجاهل عبد الحميد ما حدث منذ قليل متحدثًا في شئون العمل دون الإشارة مجددًا إلى ما حدث، ينتوي التحدث إلى عاصم بأن يحسن من طريقته مع نادين، فبأسلوبه هذا في التعامل معها تنهار كل خططه بشأنهم، فهم أمله الوحيد في استمرارية اسم عائلة السيوفي.

استمرت محادثات العمل بينهم، كان خلالها عبد الحميد شارد الذهن يفكر فيما حدث منذ قليل، يتساءل عن ردة فعل عاصم اتجاه أفكاره تلك وهل سيقبلها، أم سيكون أمامه الكثير من العقبات عليه إزالتها حتى يستطيع تحقيق حلمه هذا بجمع أعز أحفاده إليه سويًا، محققين له حلمًا طال الأمد به في تحقيقه.

أفاق من أفكاره علي طرقات فوق باب الغرفة، لتدخل صفية تتبعها عواطف وفجر، تحمل الأخيرة صنية محملة بفناجين القهوة، تخفض راسها بخجل تتوارى خلف والدتها بخطوات متوترة.

صفية بمرح:

= عاصم، شوف مين جاي يسلم عليك.

نهض يقف سريعًا علي قدميه، غير منتبه لنظرات جده النارية الغاضبة، ولا لتبادل النظرات بين صلاح وابنه بخبث، ليتحدث عاصم قائلًا بسرور:

= ست عواطف، ازيك، عاملة إيه؟

عواطف بتلعثم:

= ازيك إنت يا عاصم بيه، حمدلله علي سلامتك.

عقد عاصم حاجبيه بعبوس:

= بيه إيه يا ست عواطف؟ إنتي زي والدتي، إزاي تقولي كده؟

ابتسمت عواطف باقتضاب وحرج، لتلاحظ صفية ذلك لتضحك بمرح، تمسك بمرفق فجر تقربها منها تجعلها تتقدم إلى الأمام قائلة:

= وشوفت مين كمان كبر وبقي زي القمر.

ظلت فجر منخفضة الرأس تشعر بضربات قلبها تتعالي وهي واقفة أمامه بذلك القرب، تفصل الصنية الحاملة لها بينهم، ليطول الصمت بينهم، لتهتف صفية بلهفة موجهة الحديث إلى عاصم:

= إنت مش عارفها ولا إيه؟ دي فجر بنت عمك.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى