
= طيب اتفضلي، وأنا هحصلك.
أسرعت نادين باتجاهه تقف أمامه، تمتد أناملها لتتلاعب بأزرار قميصه تهمس بإغراء:
= طيب تحب أساعدك؟
هتف عاصم بغضب وجمود:
= قولتلك اتفضلي انزلي وأنا جاي وراكي، وأظن إنك تعرفي كويس إني مبحبش أكرر كلامي مرتين.
شحبت ملامح نادين قائلة بأسف:
= عارفة يا عاصم، عارفة.
عاصم بجمود وقسوة:
= ومدام عارفة لسه واقفة عندك بتعملي إيه؟
نظرت نادين باستعطاف إليه في محاولة منها لتلين تلك القسوة المرتسمة فوق وجهه، لكنها لم تجد منه أي استجابة، لتتنهد بخيبة أمل ثم تغادر الغرفة وهي تغلق الباب خلفها بقوة وعنف، ليظل عاصم واقفًا مكانه دون حراك لعدة دقائق، تفور بداخله مشاعر النفور والاحتقار التي تثيرها لديه كلما وقع نظره عليها، يزفر بقوة محاولًا التخلص من تلك المشاعر وهو يتوجه بخطواته باتجاه الحمام يستعد لتلك المواجهة القادمة.
الحلقة الثانية رواية / اسيرة ظنونة
جلست عائلة السيوفي تتجمع بعد الغذاء داخل الصالون، يتوسط الجلسة عبد الحميد السيوفي، يجلس علي يمينه عاصم الذي ترتسم اللامبالاة فوق وجهه، هو يتابع ثرثرة الجميع من حوله دون محاولة الاشتراك بها، حتى التفت جده إليه ينظر إليه نظرة ذات مغزى، ليؤما له عاصم بالموافقة، لتنحنح عبد الحميد بقوة وصوت عالي، لتتوقف الأحاديث فورًا بين الجميع، يلتفتوا إليه بترقب واهتمام، لتحدث قائلًا بصوت واهن لكن مازال يحمل من قوة وقسوة الماضي الكثير:
= بعد المشاكل والأزمات اللي حصلت في الشركة في السنة الأخيرة، قررت إن عاصم يرجع يستقر هنا تاني، الفرع هنا هيكون الفرع الرئيسي للمجموعة، وأي قرار يخص المجموعة عاصم هيكون مسئول عنه، يعني من الآخر كده عاصم المسئول الأول والوحيد لمجموعة شركات السيوفي، وأظن مفيش حد عنده أي اعتراض.
هب سيف بغضب ناهضًا من فوق مقعده:
= يعني إيه يا جدي! كلامك كده معناه إن أنا وبابا هنبقي شغالين عند عاصم بيه، مستنين أوامره في كل كبيرة وصغيرة.
أسرعت شهيرة بالنهوض سريعًا هي الأخرى محاولة تهدئة غضب ابنها الحاد:
= استني بس يا سيف، الكلام ميبقاش كده، ولا جدك يقصد كده، ولا يا عاصم يا بني؟
نظر عاصم إليها ببرود دون أي تعبير فوق وجهه قائلًا:
= أعتقد كلام جدي واضح.
ليكمل حديثه بلهجة تحمل بين طياتها الكثير:
= السنة المالية للشركة السنة دي كانت حاجة مزرية، إزاي في سنة واحدة الشركة متاخدش ولا مناقصة واحدة من 13 مناقصة كانت داخلة لهم؟
ليلتفت إلى صلاح الجالس فوق مقعده بتوتر يكمل:
= تقدر تفهمني ده حصل إزاي يا صلاح بيه؟
ابتلع صلاح لعابه بصعوبة ينهض من فوق مقعده هو الآخر قائلًا:
= إحنا مش مسئولين عن اللي حصل يا عاصم، السوق كله اتعرض للمشاكل اللي إحنا فيها، يعني مش تقصير مني ولا من سيف ابني.
تحدث عبد الحميد بصوته الضعيف منهيًا الحديث قبل تطوره:
= خلاص يا صلاح، مش هنعيده تاني، واللي حصل ده كان المفروض يحصل من زمان، وعاصم كان لازم يرجع يستلم أملاكه.
هم سيف بالحديث برد عنيف لتوقفه ضغطة من يد والده خفية، ليقول صلاح بهدوء:
= طبعًا يا عمي، وإحنا هنفضل عمرنا في ضهره زي ما كنا وأكتر كمان، ده عاصم زي سيف عندي بالظبط.
لينظر إلى عاصم الجالس باتكاء وراحة علي كرسيه مكملًا:
= ولا إيه يا عاصم يا بني؟
هز عاصم رأسه ببطء قائلًا ببرودة:
= طبعًا يا صلاح بيه.
ليستمر حديث النظرات بينهم لعدة لحظات، إدراك صلاح خلالها أنه أمام خصم لا يستهان به، وأن الأيام القادمة ستشهد حربًا لا هوادة فيها، الفوز بها للأقوى، وهو لن يكون بالخصم الهين فيها.
جلست فجر أمام الطاولة الموضوعة بالمطبخ تتلاعب بطعامها بشرود، تتذكر ذلك اللقاء المخزي بابن عمها وما نتج عنه، فهي منذ علمها بعودته المنتظرة كانت ترسم ألف سيناريو وسيناريو للقائها به في مخيلتها، فهي منذ حضورها إلى القصر تستمع إلى روايات الجميع عنه، وكيف استطاع إنقاذ أعمال العائلة عندما تعرضت لأزمة كادت أن تؤدي بها إلى الحضيض، ليضحي بسنوات من عمره التي قضاها متنقلًا بين عواصم العالم ليدير الأعمال بيد من حديد، لتصبح شركات السيوفي من أقوى الشركات العالمية، لتكتمل تلك الصورة التي رسمتها له حينما كانت صغيرة حين هب مدافعًا عنها وعن والدتها أمام إهانات الجميع لهم، ليصبح من وقتها بطلها الخفي.
لكن تدمرت تلك الأحلام بذلك اللقاء المخزي به وظنه بأنها إحدى الخادمات العاملين بالقصر.
زفرت بحزن وهي مازالت تتلاعب بطعامها، لتلاحظ والدتها حالتها تلك لتسألها:
= مالك يا حبيبتي، ما بتكليش ليه وسرحانة؟
اخفضت فجر عينيها إلى طعامها تتظاهر بتناوله:
= أبدًا يا ماما، أنا باكل أهو.
ابتسمت عواطف برقة:
= يا سلام، ده إنتي من ساعة ما نزلتي من فوق وإنتي علي الحال ده، في إيه يا حبيبتي؟ حد زعلك وقالك حاجة ضيقتك؟
تنهدت فجر بحزن:
= لا يا ماما، محصلش حاجة، بس عاصم قابلني وشافني.
ابتسمت عواطف بمحبة قائلة بحنان:
= طب وده يزعلك في إيه؟
لتعقد حاجبيها بشدة تكمل بحدة:
= ولا يكون ضايقك ولا قالك حاجة زعلتك؟
أسرعت فجر تهز راسها تنفي بسرعة:
= لا يا ماما، أبدًا مقالش حاجة خالص، بس…
تنبهت عواطف لتسألها بقلق:
= بس إيه يا فجر؟ كملي، قلقتيني.




