قصص وروايات

اسير ظنونى

أخذت ثريا تنظر إليها بغيظ لفشل محاولتها، ثم زفرت بحنق قائلة:

= أيوه، الشنط طلعت شوفيها الأول، وتأكدي إن كل حاجة تمام، وبعدين كملي تنضيف.

لتغادر المكان سريعًا بعد ما ألقت بذلك الأمر، لتنفجر فجر بالضحك بصوت خافت قائلة:

= أنا حاسة هيجي يوم وتنفجر من كتر الغل اللي جواها، ست ملهاش زي.

ثم اتجهت إلى والدتها تقبلها فوق وجنتها برقة:

= أنا هطلع أكمل تنضيف، وأبعتلك أم جمال تساعدك، وبلاش تجهزي إنتي السفرة بدل ما تسمعك كلمة من كلامها السم ادام الموجودين.

هزت عواطف راسها بالموافقة بضعف، تنظر في اثر ابنتها حتى اختفت، لتهمس بألم وحزن:

= سامحيني يا بنتي، بس هانت وربنا يصبرنا علي الأيام اللي جاية لينا هنا.

صعدت فجر الدرج وهي تعي للحالة التي عليها القصر من هرج ومرج والأصوات الآتية من قاعة الاستقبال بالقصر احتفالًا بذلك العائد، لتشعر بالحماس يعاودها، تري بمخيلتها لقائها المنتظر به، تصعد الدرج سريعًا حتى وصلت إلى ذلك الجناح المخصص له، والذي منذ حضورها إلى هنا وهي تقوم كل يوم بتنظيفه وتأهيله، وذلك بناء علي أمر مباشر من جدها، فأصبحت تحفظه عن ظهر قلب مثلما تحفظ ملامح صاحبه.

التفتت تنظر في أرجائه، تنظر بعين الانتقاد محاولة الاطمئنان علي كل شيء، تري الحقائب متراصة بجوار الخزينة، فوقفت تسأل بحيرة ماذا تفعل بها، لتقرر أخيرًا تركها حتى تأتيها أوامر بخصوصها.

وقفت تتنهد بتعب، تشعر بمعاودة الدوار إليها مرة أخرى، فهي منذ الصباح لا تشعر بأنها بخير، لكنها تجاهلت الأمر حتى تستطيع مساعدة أمها دون إثارة قلقها، لكنها الآن لم تعد تستطيع المقاومة، لتسير حتى الفراش تجلس عليه بتعب، تتنهد قائلة:

= أقعد أرتاح شوية وبعدين أشوف هعمل إيه، هما أساسًا زمانهم بيتغدوا ومحدش حاسس بحاجة.

استدارت تتقلب ببطء فوق الفراش، لتنتبه لتلك الصورة الموضوعة داخل الإطار، فأخذت تنظر إلى الشخص الموجود بها بعينيه شديدة السواد وحاجبيه المعقودين ووسامته وشبابه النسبي وقت التقاط الصورة، لتتنهد بإعجاب، تمرر يدها فوقها كما لو كانت ملامحه هي ما تتجسد أمامها، فتظل تنظر إليها حتى سقطت في غفوة لم تشعر خلالها بشيء، حتى صوت الباب وهو يفتح بهدوء، ليتقدم عاصم بخطواته الواثقة إلى داخل الجناح، ينظر حوله بتعب، يحل أزرار قميصه ببطء بعد أن ألقي بجاكيت بدلته فوق المقعد.

ليلفت انتباهه ذلك الجسد الصغير المستلقي فوق الفراش براحة وهدوء، تقدم منه محاولًا تبين هوية صاحبه، ليتسمر مكانه حين وقعت عينيه علي كتلة من الشعر الأشقر الطويل المتناثر فوق الفراش يغطي وجه تلك النائمة بسلام، فأخذ يمرر نظراته فوقها محاولًا تبين هويتها، وعند فشله تقدم ببطء وهدوء للجلوس بجوارها، يمد يده مزيحًا تلك الغيمة الذهبية من فوق وجهها برقة، لتنكشف أمامه ملامحها الرائعة ببشرتها ناصعة البياض وفمها الوردي المزموم برقة أثناء نومها كطفلة صغيرة، فلم يستطع مقاومة أن يمرر يده برقة فوق بشرتها، يتحسس نعومتها، لتصدر عنها تنهيدة رقيقة تحرك وجهها تحت لمسات يده، ليفيق عاصم من غيمة الأحاسيس التي اجتاحته عند ملامسته لبشرتها الرقيقة، يتنحنح محاولًا إجلاء صوته، يمد كفيه يهزها برقة، لكن شيء بداخله رفض أن يقوم بإيقاظها، ليظل يتمتع برؤيته بجمالها النائم بهذا السلام.

هز عاصم راسه يرفض عاصم الاتجاه الذي سارت إليه أفكاره، يهمس بحنق لنفسه:

= جري إيه يا عاصم، عيل صغير إنت علشان تتصرف زي المراهق اللي أول مرة يشوف ست.

نفسه يكمل محدثًا نفسه بهمس:

= وبعدين مين دي وبتعمل إيه في الأوضة؟

أصبحت ضرباته فوق كتفيها شديدة يحاول إيقاظها، ليسمعها تتمتم محركة راسها فوق الوسادة ببطء:

= حاضر يا ماما، ثواني والله وهقوم.

ظهر شبح ابتسامة فوق شفتيه وهو يراها تتذمر كطفلة صغيرة، ليحدثها برقة ينحني فوق أذنيها يهمس برقة:

= والله كان بودي أسيبك نايمة، بس للأسف السرير ده بتاعي ومينفعش نتشارك فيه.

اقتحم ذلك الصوت الذكوري الهامس سبات نومها، فأسرعت بفتح عينيها، تتسع بصدمة تحدق بذلك المنحني فوقها براحة ينظر إليها بتسلية، لتدفعه في صدره بقوة مبعدة إياه عنها، تهب سريعًا ناهضة من فوق الفراش، تتعثر في خطواتها وهي حاول تعديل وضع ملابسها هامسة بتلعثم:

= أنا… أسفة… غصب… عني روحت في النوم.

تراجع عاصم فوق الفراش يستند بمرفقيه عليه، يراقب حركاتها المنفعلة وحرجها الشديد بتسلية قائلًا بهدوء:

= اهدي… اهدي، محصلش حاجة لكل ده.

التفتت فجر تريد المغادرة هاتفة بارتباك:

= طب عن إذنك أنا هخرج حال…

وأسرعت باتجاه الباب، وما أن وضعت يدها فوق مقبضه حتى أتاها صوته القوي الآمر:

= استني، عندك رايحة فين؟

توقفت حركتها تلتفت إليه ببطء، تراه علي نفس الوضع المسترخي فوق الفراش، لتهمس بارتباك وخوف:

= هروح… أشوف ورايا إيه.

نهض عاصم يتقدم إليها ببطء حتى وقف أمامها، ينظر إلى عينيها بلونهم السماوي الرائع، يسألها برقة:

= إنتي بتشتغلي هنا من زمان؟

اتسعت عيني فجر بصدمة من حديثه وظنه بأنها إحدى الخادمات بالقصر، فمن الواضح أن لا فكرة لديه عمن تكون، تدرك أنه معه كل الحق في ظنه هذا بملابسها المغبرة وهيئتها المشعثة هذه.

اخفضت راسها بخجل، لا تدري أتصلح له خطأ ظنه أم تصمت، لتقرر أخيرًا الحديث قائلة بهمس وارتباك:

= لا… أنا…

ليقطع كلامها صوت الباب يفتح من خلفها فجأة، تدخل الغرفة نادين أختها غير الشقيقة منه وهي تهتف بسعادة وصخب:

= عاصم حبيبي، اتأخرت ليه؟ الكل مست…

قطعت حديثها عند رؤيتها فجر واقفة متسعة العينين برهبة وارتباك، يجاورها عاصم بقميصه المفتوح حتى منتصف خصره، لتتغير ملامحها فورًا إلى النفور، توجه حديثها إلى فجر:

= إنتي عندك بتعملي إيه هنا؟ وماما قلبت عليكي الدنيا، انجري انزلي حالًا علي المطبخ.

هزت فجر رأسها بالإيجاب تسرع في المغادرة، وما أن غادرت حتى التفت عاصم إليها بصوت غاضب يسألها بعنف:

= في حد يفتح الباب بشكل ده؟ مش تستأذني الأول.

نادين بصوت لعوب:

= أسفة يا حبيبي، بس كنت جاية أستعجلك، خصوصًا إن جدو مش مبطل سؤال عنك.

ابتعد عاصم في اتجاه الحمام يكمل فتح أزرار قميصه قائلًا بجمود:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى