
سأل سالم وهو مازال مصوب البندقية نحوه، والآخر لا يهتز أو تتحرك شعرة واحدة منه أو ينطق بكلمة أيضًا.
صرخ عليه سالم بصوت قوي أيقظ جميع من في المنزل قائلًا:
— أكشف وشك ياض ولا أكشفهولك.
هنا فقط تكلم وهو يلوح بيده بصوت خفيض ومريب قال:
— حاول بس إنك تتجرأ وتمد أيدك ناحيتي عشان أقطعهالك!
تبسم سالم لهذا الغريب قائلًا بسخرية:
— دا انت كمان بجح ولسانك طويل! دا غير إنك مستعفي ومستقوي قلبك قدامنا. قولي، ياض هو انت شارب ولا مبلبع حاجة قبل ما تيجي عندينا وتورينا طلعتك البهية دي؟
اهتزاز رأس الغريب أظهرت ابتسامة ساخرة باتساع بلا مبالاة رغم تلثم نصف وجهه، ليزداد الحنق بقلب سالم الذي كان يزئر بغيظ ونفاذ صبر منه، كل هذا أمام يمنى المستندة بظهرها على الحائط ترتجف من الخوف ودموعها تهطل بصمت وهي تراقب الاثنان وكأنها ترى مشهدًا سينمائيًا أمامها وهي بعالم آخر. التفتت فجأة على صوت والدتها الذي صدر من الخلف:
— إيه الدم ده؟
قالت نجية بجزع وهي تنظر إلى الحائط الخارجي للمطبخ بعد أن استيقظت وخرجت من غرفتها.
انتقلت نظرات الثلاثة ناحيتها وبقعة الدم في الحائط. عادت يمنى للواقع وهي ترفع كفيها دون تفكير لتجد آثار الدماء بهما، فانتقلت بأنظارها إلى هذا الغريب الواقف أمامهم بكل ثبات ناحية ذراعه الأيسر والكتف، ومع ذلك لم يهتز بحركة واحدة حتى!
صاح عليه سالم بعدها بجنون:
— أنت إيه حكايتك يا جدع انت؟ رد عليا! بدل ما أنت واقف كده زي الحيطة وساكت.
رد أخيرًا الرجل الغريب فقال بهدوء:
— حكايتي ملكش دعوة بيها. أما بقى حكاية إني أخطف بنتك، فأديك عرفت السبب، عشان تطلعلي الطلقة اللي في كتفي وتطهرلي الجرح. يعني أنت دلوقتي تسيبها تطلع معايا، ولو أنت عايز تيجي معاها يبقى اخلص عشان تنزلوا قبل الفجر.
هز سالم راسه وأصدر ضحكة ساخرة وهو يقول:
— أنت مجنون ولا حاصل في عقلك حاجة؟ بقى عايزني أطلع أنا وبنتي معاك الجبل؟
— قولتلك هرجعكم قبل الفجر.
قالها الآخر بقوة، فرد سالم بصوت أعلى وأشد وهو يلوح ببندقيته:
— أخلص أنت وغور من وشي، أنا صبري نفد وكلمة تانية وهفرغ بندقيتي كلها فيك، وأنت أساسًا ملكش دية.
وبدون سابق إنذار شد هذا الغريب البندقية من سالم وباغته بضربة في رأسه جعلته يترنح، وقبل أن يسقط أرضًا كانت البندقية في يد الغريب الملثم، ترافقه صرخات يمنى ووالدتها نجية. كل هذا حدث في ثوان بسيطة.
وضع سالم يده على رأسه يأن ألمًا، والآخر ينظر إليه من علو بظفر وانتصار قبل أن يقول بتشفٍ:
— ها، إيه رأيك بقى؟ تحب أفرغها أنا دلوقتي فيك؟
رمقه سالم بكره وغضب، وزوجته تندب على خديها، وبجوارها التصقت يمنى تعاود البكاء. فزفر الرجل الغريب بضيق وهو يردف بتعب:
— اسمعني كويس، أنا مش هأذي بنتك ولا أضرها، أنا هاخدها بس تعالجني، وبقولهالك تاني: آه، لو عايز تيجي معاها تعالى، وأنا هرجعكم قبل الفجر.
رد سالم وهو يحاول رفع نفسه عن الأرض:
— دا على جثتي! إن أخليها تطلع الجبل؟ أموتها أحسن ولا تطلع معاك!
هدر عليه الآخر بصوت جهوري بعد أن فقد اتزانه:
— وأنا بقولك هاخدها، يعني هاخدها. أنا يا قاتل يا مقتول النهاردة.
تدخلت نجية بينهم هاتفة بحل وسط:
— طب خلاص يابني، أقعد أنت هنا وأحنا هنعالجك ونطلعلك الرصاصة.
— آه، وتجيبولي البوليس ياخدني وأنا على سريري؟ دا أنا مأمنش أديكم ضهري!
قال الأخيرة بصراخ في نجية، ليستغل سالم هفوته ويحاول تخليصها من يده أو إسقاطه أرضًا، ولكنه تماسك قبل أن يسقط.
فغلت بداخله النيران ليصوب نحو سالم بالبندقية نحو صدره قبل أن يردف بغضب مكبوت:
— متخلنيش أئذيك، أنت راجل كبير وأنا مش عايز أيتملك عيالك. يظهر إن الزوق منفعش معاكم، بس انت اللي جبته لنفسك. اخلصي يابت انجري جدامي.
هدر الأخيرة في يمنى التي أخذت تبكي بعويل، فصاح نحوها أبيها بتهديد ووعيد:
— أياك تتحركي يا بت من مكانك، لأحسن أقطع خبرك.
فصرخ الرجل الملثم بصوت وحشي:
— يعني انت بتتحداني؟ طب أنا هاخدها من غير…
قطع جملته هذه المرة حيث وقع صريعًا على الأرض مضرجًا في دمائه بعد أن تلقى ضربة قوية على رأسه من الخلف بدون سابق إنذار.
قال سالم وقد تهللت أساريره:
— تسلم ايدك يا يونس، جيت في الوقت المناسب قبل ما واد المحروق ده ما ينفذ تهديده ويسحب البت مني. وقال إيه؟ قال عايزها تعالجه، قبر يلمه.
بصق يونس من فمه أرضًا قبل أن يردف:
— معلش يا خويا إن كنت أتأخرت عليك، بس أنا استنيت وأنا مداري بعد ما نزلت أطمن عليك لما غبت عني، قولت آخده على خوانه أحسن، واد الرفضي ده.
— يا مرسي، لاحسن يكون مات ولا حصلتله حاجة عفشة يابوي.
خرجت من يمنى بصراخ وهي تنزل أرضًا لتفحصه.
رد يونس بقرف وهو لا يبالي:
— ما يموت ولا يغور في داهية، حتى هو، احنا هنزعل عليه كمان!
صاحت يمنى بأمل:
— دا لسه فيه الروح يابوي! يعني احنا ممكن نلحقه لو سرعنا بس في علاجه.
قال يونس وهو ينظر بإزدراء ناحية يمنى وهذا الغريب الملقى في الأرض جثة هامدة:
— نلحق مين يابت؟ أحنا كمان هنعالج مجرمين؟ ياللا يا سالم يا واد أبوي، شيل معايا، خلينا نرميه بره البيت واد الحرام ده، وإن شاء الله حتى الكلاب ياكلوه، هو احنا ناقصين بلاوي.
كانت نجية وهي تهز برأسها حزنًا وهي تنظر نحو الغريب الملقى على أرضية منزلها دون حراك ولا صوت ينزف، فقالت بأسى:
— ياحسرة أمك عليك! كان إيه بس اللي رماك في السكة الوحشة دي بس يابني؟ حرام عليك يا أبو محمد، دا مهما كان برضو روح.
قالت الأخيرة لزوجها الذي ظهر على وجهه التأثر، فتشجعت يمنى لتبدي رأيها قائلة:
— يا بويا، هو من الأول كان غرضه العلاج، واحنا شوفنا بنفسنا صدق كلامه من الإصابة الكبيرة اللي في دراعه. خلينا نعالجه ونكسب في ثواب، وبعدها ربنا يعدلها. دا مهما كان برضوا روح زي ما قالت أمي، حتى لو كان مجرم!
صمت سالم وهو يدقق النظر في الرجل فقال بتراجع:
— أيوة بس يابتي، دا غريب عننا واحنا منعرفش إيه المصايب اللي جررها وراه قبل ما ييجي هنا عندينا، وكمان كان عايز يخطفك قدامي بقلب ميت، من غير ما يخاف إني راجل وعندي شرف.
تكلمت نجية برجاء:



