قصص وروايات

المطارد

تنفيذًا لقرار أبيها بدأت يمنى بغرفة أخواتها البنات سمر وندى شقيقاتها الصغار، من فراش كل واحدة منهن تعيد عليها الغطاء وهي نائمة، وبعدها توجهت للنافذة الخشب وأغلقتها بإحكام، ثم خرجت لغرفة أخيها الصغير وجدته نائمًا هو الآخر، فعلت معه نفس الشيء، وكررت كذلك بجميع نوافذ المنزل والأبواب. ولم يتبق غير المطبخ، والذي ما إن دخلته لتقفل نافذته الوحيدة وهمت بإشعال الضوء، وجدت كفًا غليظة وكبيرة تطبق على أنفاسها وذراعًا تشل حركتها. حاولت الصراخ والمقاومة لكنها لم تفلح مع هذه القوة الجسمانية الضخمة، لتفاجأ بصوته الخفيض الأجش يقول:

— أهدي، ما اسمعش نفسك، أنا مش قاصد أأذيكي، لكن لو جبرتيني هاعملها. إهدي كده واسمعي الكلام، لو هديتي هفكك، بس لو صوتك طلع هخلص عليكى حالًا.

زامت بصوتها من تحت كفه وهي تحاول عبثًا الإفلات، مما اضطره للزمجرة وهو يضغط بذراعيه عليها ليسيطر على حركتها أكثر، مع مراعاته لضعف جسدها الهزيل، فقال بنبرة حانقة من تحت أسنانه:

— الله يخرب بيت أبوكي يا شيخة، أنا مش عايز غلط، لتفكري بيا حاجة عفشة. اهدي شوية عشان يدي ما تخونيش، وبعدها انتي اللي هاتندمي.

هدأت قليلًا وهي تستوعب معنى كلماته ومقصده، فاستغل هو سكون حركتها قليلًا ليقول بتهديد:

— شاطرة وجدعة إنك فهمتي. ممكن بقى يا حلوة تستوعبي كمان بقية الكلام عشان أفك يدي عنك، ولا ناوية لسه تتعبيني؟

أومأت له برأسها خوفًا مع ازدياد وتيرة أنفاسها المضطربة برعب. بعد لحظات قليلة من شعوره بسكون حركتها واطمئنانه قليلًا بطاعته، رفع كفه عن فمها وفك ذراعه عنها بحذر وبطء. تسمرت محلها غير قادرة على الالتفاف وهي تجاهد لعدم إظهار رعبها، وجسدها ينتفض من رأسها لأخمص قدميها، وجهها للحائط وصوت تنفسها يكاد أن يخرج للخارج. المطبخ سمعت صوته من الخلف يأمرها:

— لفي جسمك عشان تشوفيني. ياريت تكملي بهدوئك دا ورزانتك كدة على طول عشان ما تتعبيني ولا أتعبك يا بت الناس، ماشي؟

أنهى جملته الأخيرة ليدير جسدها بأكمله إليه وهي كالمغيبة تتحرك معه مستسلمة صامتة بخوف، تجهل ما ستراه وما سيفعله معها هذا الغريب، والأفكار البشعة برأسها تصور لها أسوأ السيناريوهات. فهي وحدها يقظة في البيت والجميع نائمون عدا عمها وأبيها الجالسان فوق السطح، وهما لن يشعرا بها أو يأتيا لنجدتها سوى إذا صرخت، ولكن كيف تفعل وقد هددها؟

شهقت مصدومة وتوسعت عيناها بشكل مخيف حينما رأته أمامها بطوله الفارع وملابسه السوداء، ملثم الوجه بشال من الصوف الذي يشبه شال عمها يونس، لا يظهر منه غير هاتان العينان العميقتان بلونهما البني ونظرتهما الحادة والقادرة على إخافة أي أحد، رموش سوداء طويلة للغاية. هذه العينان تعلمهما جيدًا، رسمتهما قبل ذلك في أوراقها عدة مرات لا تعلم عددها، وذلك لأنها هي نفسها ما تراودها هذه الأيام في أحلامها هذه الأيام بشكل متكرر ومستمر!

يتبع.

الفصل الثاني

بقلم: أمل نصر

— انت مين؟

سؤال بسيط خرج منها بعفوية ودون أن تفكر، وكأنها نسيت الظرف المقيت وعادت لأحلامها وهاتان العينان العميقة والغريبة بنظرتها الحادة، والتي تحولت لمخيفة بعد سماع السؤال، فصرخ فيها بصوت خفيض من تحت أسنانه:

— انت مالك أنتي أنا مين؟ وصفتي إيه؟ انتي تجاوبي وبس، هو أنا جاي أتعرف بيكي؟

عادت للواقع المخيف وهي تومئ برأسها إذعانًا خوفًا منه.

— أنتي بقى البت الممرضة؟

سأل هو بخشونة، اهتزت هي حدقتيها بريبة وتوجس قبل أن تجيبه بإرتباك:

— أنا لسه بدرس، يعني بس في نهائي تمريض.

لوح بيده أمامها وهو يقول بتهديد:

— طب اسمعي الكلام دا كويس. أنتي هاتطلعي معايا دلوقتي على طول من غير نفس ولا صوت. أنا مش هأذيكي، أنا بس هاخدك تعالجيني وأرجعك بعدها سليمة من غير ما أمسك بأي سوء.

شحب وجهها كالأموات وهي تستوعب فحوى كلماته، فهتفت باعتراض:

— أجيلك معاك فين؟ هو أنت اتجننت؟

لم يمهلها لتكمل فيسمع صوتها من أهل المنزل، أطبق بكفه مرة ثانية على فمها ودفعها للخلف يهدر عليها جازًا على أسنانه:

— أنا مش منبه، ما اسمعش حسك ولا إنك تعملي معايا أي حركة قرعة تنبهي بيها أهلك، ولا يكونش عايزاني أأذيكي.

أومأت برأسها ودموعها هطلت على كفه المطبقة بقوة على فمها. تنفس بخشونة قبل أن يعيد طلبه منها:

— هاتيجي معايا وتعالجيني زي أي فرد من البلد، تاخدي أجرتك وترجعي قبل أي حد من أهلك ما يصحى ويحس بيكي.

حركت رأسها رافضة، فازدادت حدة أنفاسه وهو يرمقها بغضب حارق، ثم ما لبث أن دفعها نحوه كي يسيطر على حركتها مرة أخرى، وهو يسحبها من ذراعها وصوته يخرج بتوعد:

— أنا كنت عارف من الأول إنك هاتتعبيني، بس أنا قولت اعمل اللي عليا!

حاولت بكل قوتها أن تقاومه بشراسة لتنزع نفسها من هذا المجنون، أو حتى يسمع أحد من أهلها صوتها فينجدها، ولكنها لم تفلح أبدًا أمام القوة البدنية الهائلة له وهي صغيرة وجسدها ضعيف. سمعت منه صوت تأوه بألم يكتمه وهو يخرج بها من باب المطبخ الخشبي، ولكنه استمر بسحبها للخروج من المنزل وكأنها تساق لمنصة الإعدام، حتى يأست وأصبحت دموعها تتدفق بغزارة من هذا المصير المجهول. ولكن مع سماع هذا الصوت الدافئ القوي الذي أتى فجأة دون مقدمات، سكنت حركتها مع توقف خطواته هو الآخر!

— سيبها بدل ما أخلص عليك.

قالها سالم أبوها وهو مصوب بندقيته على رأس الملثم. توقعت منه تركها في الحال، ولكنه ظل وهو ساكن دون حركة.

كرر أبيها بصوت أشد وأقوى:

— بقولك سيبها يا عديم الشرف يا بن الـ، بدل ما أفرغ رصاص بندقيتي كلها فيك.

أفلتها فجأة وتركها ليلتفت نحو أبيها ينظر إليه بتحدٍ ووعيد، وهو يومئ له بسبابته ناحية صدره:

— بقى أنا ابن الـ وعديم الشرف؟ انت قد كلامك ده؟

سالم وقد تراجع خطوات قليلة ومازال مصوب البندقية بوجه الغريب قال بازدراء:

— لا، أنت عايزني أسقفلك وأنا شايفك بتسحب بنتي وتخطفها!

ظل ساكنًا دون أن ينطق بكلمة، ولكنه كان ينظر لسالم بكل تحدٍ.

— انت مين ياض؟ اكشف وشك خليني أشوفك.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى