قصص وروايات

اعلنت

​بعد ثواني قليلين من ما حماتي أعلنت قدام يجي 60 حد من العيلة إنها مش هتديني ولا مليم أبيض من ثروتها، قمت وقفت ومعصم إيدي محروق، وشديت شنطة سفر سودا لحد وسط القاعة، وقلت كلمة طيرت الضحكة من على وشها:

​— تمام يا طنط عفاف.. طالما كل حاجة هتروح لابنك، يبقى من النهاردة كل اللي بعمله عشانك هيبقى برضه مسؤولية ابنك.

​محدش نطق ولا حد ضحك.

​بقالي سنة كاملة بنام على فترات، ساعتين أو تلاتة بالعافية. الساعة 4 الصبح إنذار تليفوني يرن في شقتنا في مدينة نصر، أقوم أعدي الطرقة عشان أعدل قعدتها، وأنضفها، وأشفط لها البلغم، وأغير لها عشان جسمها ميتقرحش. وتلات أيام في الأسبوع باخدها بالكرسي المتحرك أوديها قصر العيني تعمل غسيل كلوي.

​قبل كل ده، أنا كنت مدرّسة عربي في مدرّسة إعدادي في مصر الجديدة، وكان فاضل لي تكة وأثبت في وظيفتي. استقلت لما جوزي، حازم، اتحدف على رجلي وباس إيدي لما أمه جتلها جلطة في المخ.

​— مش هينفع أسيب شغلي يا إلهام، أنا لسه مأخوذ ترقية. وأخواتي البنات عندهم عيال ومسحولين، وأخويا الصغير صايع ومش بتاع مسؤولية. ساعديني كام شهر بس وأنا هعوضك عن كل جنيه وكل تعب.

​الـ “كام شهر” بؤوا سنة كاملة.

​عفاف كانت تقدر تحرك إيدها الشمال وتتكلم بالعافية، بس طبعها الجاف ولسانها الصعب زي ما هما. لو تأخرت تلات دقايق بس عشان أعدل قعدتها، تضل تظبط في السرير وتخبط بالحديد. لو الشوربة ملحها قليل، تتهمني إني عاوزة أموتها من الجوع. ولو طلبت نجيب ممرضة، تقول إن الغريبة هتسرق الذهب والبيت.

​في يوم الصبح، وأنا بقدملها شوربة خضار معمولة مخصوص عشان الكلى، زقت المعلقة بحدة والطبق اندلق على إيدي وسخن مولع.

​— أنتِ عينك على الشقة اللي في الزمالك صح؟ عشان كده عاملي فيها الملاك البريء!

​وطيت على الأرض ألم الإزاز والمطبخ.

​— أنا مش عاوزة منك شقق يا طنط.

​— كلهن بتقولوا نفس البقين.

​حازم سمع الدوشة، دخل وهو لابس ومتشيك للشركة، شاف الأرض مغرقانة شوربة وإيدي حمرا، وكل اللي سأله:

​— هي كرافتتي الزرقا فين يا إلهام؟

​اليوم ده في المستشفى، الممرضة بصلت لإيدي المحروقة وضهري اللي انحنى من الشيل والحط.

​— يا مدام، أنتِ صحتك بتضيع، أنتِ محتاجة اللي يشيلك.

​ادتني رقم شركة خدمات تمريض ورعاية كبار سن. استغليت الـ 4 ساعات بتوع الغسيل الكلوي وكلمتهم عشان أعرف الأسعار. المشرفة قريت التقرير الطبي: شلل نصفي، فشل كلوي، نظافة شخصية كاملة، أكل معقم، وتوصيل للمستشفى.

​— عشان ممرضة مقيمة 24 ساعة، الرعاية دي مش هتقل عن 38 ألف جنيه في الشهر، ده غير العلاج والمواصلات.

​حسيت بوجع في بطني.. أنا بقالي 12 شهر بعمل كل ده ببلاش، وبتهان فوقيها.

​بالليل جالي صاحبتي شيماء، هي محامية أحوال شخصية. أول ما شافتني اتسمرت مكانها.

​— إيه اللي عملوه فيكي ده يا إلهام؟

​جيت أهزر وأعدي الموضوع، انفجرت في العياط.

​شيماء طلعت أجندة وقلم.

​— من النهاردة تسجلي كل فتفوتة: ساعات الرعاية، الفواتير، الأدوية، التكاسي، الدكاترة، والرسائل. واحتفظي بأي مسج من حازم عن أمه.

​— ليه كل ده؟

​— عشان الناس لما بتتعود على تضحيتك، بيفتكروا إن ده حق م مكتسب وواجب عليكي.

​في نفس الليلة، جم بنتين عفاف وأخوهم الصغير. مجمش عشان يستحموا أمهم ولا يغيرولها. جم عشان بيتخانقوا على شقة الزمالك اللي تسوى لها يجي 12 مليون جنيه.

​— ماما عاوزة تكتب الشقة لحازم — قالتها نيفين وهي بتبص لشبشبي المقطوع ب do ازدراء — طبعاً، ما هو شغل مصلحة ليكي!

​— أنا سبت شغلي ومستقبلي عشان أخدمها.

​— يا سلام يا إلهام! بلاش تمثيل دور الضحية، ما أنتِ عايشة وقاعدة في الشقة ببلاش ومبتدفعيش إيجار!

​حسيت بنار اتطفت جوايا، وحاجةانية اتقفلت.

​— خلاص، غيرولها أنتوا الليلة. نيفين تحميها، وهبة تعمل أكلها، ومصطفى ياخدها بكرة الغسيل.

​التلاتة اتخشبوا مكانهم.

​— إحنا جايين نزور أمنا ونطمن عليها، مش جايين نشتغل خدامين وممرضين هنا! — نيفين زعقت.

​ساعتها فهمت كل حاجة. بالنسبة لهم، خدمة أمهم دي واجب عائلي بس بشرط.. إن العيلة دي تبقى أنا!

​خلال الأسبوعين اللي بعدهم، جهزت لعيد ميلاد عفاف الـ 70 في صمت. طلبت قاعة فخمة في المعادي، ومطرب، وهدايا، وبوفيه مفتوح غالي. دفعت العربون من تحويشتي القديمة عشان حازم وعدني يرجعلي كل مليم. طبعاً صورت كل وصل وكل تحويل.

​قبل الحفلة بليلة، عفاف شافت الفستان الأخضر اللي كنت هلبسه، شاورت على كرتونة قديمة تحت السرير. كان فيها فستان رمادي قدم وإتقص، ريحته كُمكمّة.

​— البسي ده.

​— ده شكل شغالة يا طنط!

​عفاف ابتسمت بلؤم.

​— ما هو ده دورك بكرة يا حبيبتي.. تخدمي الضيوف وترعي الملايكة.

​بصيت لحازم عشان يتكلم، بَص في الأرض وتهرب.

​— اسمعي كلامها يا إلهام، عدّي اليوم ده على خير.

​ابتسمت هادية:

​— حاضر.. هو يوم واحد فعلاً.

​الساعة 2 بالليل، جمعت أوراقي، شهاداتي، كشوفات حسابي، و94 صفحة سجلت فيها كل حاجة باليوم والساعة، وسكرين شوتس من كل المحادثات، وحطيتهم في شنطة سفر سودا.

​أنا مكنتش بهرب.. أنا كنت مستنية اللحظة الصح.

​واللحظة دي جت لما عفاف قررت قدام العيلة كلها تثبت إني مكسورة ومسواش جنيه في فستاني اللي لابساه.

​قاعة الفرح في دريم لاند في 6 أكتوبر كانت مليانة ورد، وصوت الدي جي والأنوار مالية المكان، والطاولات مفروشة بمفارش بيضا فخمة. طنط عفاف وصلت على كرسي متحرك متزين، ولابسة فستان متطرز ومستورد عدى الـ 18 ألف جنيه. أنا بقى، كنت لابسة الفستان الرمادي اللي هي اختارته مخصوص عشان تكسرني وتهينّي بيه.

​طول الساعات دي، كنت بشيل وأحط: أسقي الناس مية، أظبط الأطباق، أطلع أكسجين وأدوية، وأنفذ كل طلبات عفاف. في قرايب ميعرفونيش افتكروني من أطقم السرفيس والقاعة.

​— أنتِ الممرضة اللي مع الهانم؟

​— أنا مرات ابنها.

​الست اللي سألتني بصلتي بنظرة فيها إحراج ووطت عينها. حازم كان بيمشي بين الطاولات يوزع ابتسامات ويتلقى التبريكات:

​— ما شاء الله عليك يا حازم، ابن بار وأصيل ومسؤول عن أمك.

​كان بيضحك ويهز راسه كأنه هو اللي سهران طول السنة يغير حفاضات ويقلب في أنبوبة الأكسجين. لما جه وقت التورتة والكلمتين، نيفين أخت حازم مسكت المايك:

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى