قصص وروايات

اعلنت

​— وبرضه عاوزين نشكر إلهام، اللي شالت ماما كتير وعملت اللي عليها.

​عفاف خبطت عصايتها في الأرض بحدة وصوتها جاب القاعة:

​— نشكرها على إيه؟ دي عايشة تحت سقف ابن ي وتاكل من خيره وفلوسه!

​القاعة كلها سكتت. أنا كنت شايلة طبق شوربة دافي ورايحة بيه لترابيزتها. أول ما قربت، عفاف حركت إيدها الشمال بقسوة وضزت الطبق. الشوربة بتغلي واندلقت كلها على معصم إيدي. وقعت الصينية من إيدي:

​— آه!

​جلدي احمرّ في ساعتها وبدأ يقلب بفقاقيع. حازم كان واقف على بعد خطوتين. بَص الأول على إيدي المحروقة، وبعدها بَص على بقعة الشوربة اللي نزل على فستان أمه المطرز.. واختار.

​— ماما! الشوربة جات عليكي؟ اتلسعتِ؟

​وطى بسرعة يجيب مناديل ينضف القماش.

​— إلهام! إيه الغشومية دي؟ مش تخلي بالك؟

​بصلته ومنطقتش.. في اللحظة دي بالظبط مات كل شيء جوايا ناحيته، جوازنا. بس عفاف مكنتش خلصت لسه. طلبت المايك، وأمرت نيفين تزق الكرسي لوسط القاعة.

​— بما إن العيلة كلها متجمعة، أنا عاوزة أقول كلمتين قدام الكل. شقة الزمالك، وحساباتي في البنك، وكل حيلتي هيروحوا لحازم. أنا خلصت كل الأوراق مع المحامي.. كل حاجة لابني.

​ناس قليلين صقفوا بإحراج. عفاف شاورت عليا بصباعها:

​— وأنتِ.. إياكي تفتكري إنك عشان قعدتي تحت رجلي سنة ليكي حق في جنيه واحد. أنتِ مش من دمي ولا من عيلتي.. ولا مليم أبيض!

​حازم بَص في الأرض ومفتحش بؤه، مدافعتش عني بكلمة.

​مشيت في الهدوء لحد غرفة الأمانات والهدوم.. ورجعت وأنا بشد شنطتي السودا.

​— معاكي حق يا طنط.

​عفاف بربشت بعينيها مش فاهمة:

​— قلتي إيه؟

​— قلت لحضرتك معاكي حق، أنا مش من دمك، ومش عاوزة مليم من فلوسك ولا شقتك.

​وقفت وقلعت الفستان الرمادي قدام الـ 60 حد اللي واقفين! كنت لابسة تحته بنطلون أسود وبلوزة بيضا.

​— بس طالما الورث كله لحازم، يبقى الخدمة والرعاية برضه كلها مسؤولية حازم لوحده من اللحظة دي.

​وش حازم اتخطف وأصفرّ:

​— إلهام! بلاش تفضحينا وتعملي شو قدام الناس!

​— الفضيحة عملتوها أنتوا على مدار سنة كاملة.. أنا كل اللي بعمله إن خارجة منها.

​عفاف بدأت تضرب على إيد الكرسي بحرقة:

​— أنتِ مش هتدمشي من هنا! مين بكرة هيوديني القصر العيني للغسيل؟

​— وارثك الشرعي.

​— أنتِ واحدة قتيلة أكل وناكرة للجميل!

​— وحضرتك لسه قايلة قدام 60 شاهد إن مالياش أصل ولا ليا مكان في العيلة دي.

​نيفين وقفت وزعقت:

​— أنتِ هتسبيها وترميها كده؟ دي ست مريضة!

​بصلتها ببرود:

​— خلاص، خديها معاكي الشقة الليلة ويا ستي خدميها أنتِ.

​منطقتش ولا كلمة. مسكت الشنطة بإيدي السليمة ومشيت. حازم جرى ورايا لحد الجراج ورا القاعة.

​— إلهام، ارجعي بلاش جنون.. ماما كانت زعلانة وبتقول أي كلام!

​رفعت إيدي قدام وشه، المعصم كان بدأ يعمل فقاقيع مية وكأنها محروقة بجد.

​— أنت شفت ده، وجريت تنضف فستان أمك!

​— هخدك المستشفى دلوقتي حالا نلحق الحرق، وبعدها نرجع البيت ونحلها.

​ضحكت ضحكة مكسورة:

​— مفيش “نرجع” تاني يا حازم.

​ركبت تاكسي وطلعت على شقة شيماء صاحبتي.

​تاني يوم صحيت الساعة 9:17 الصبح. كانت أول مرة من سنة كاملة ما أصحاش الساعة 4 الفجر على الخضة. لقيت 23 مكالمة لم يُرد عليها. شيماء حطت تليفونها على الترابيزة قدامي.

​— قبل ما تردي أو تتكلمي، عاوزة أوريكي حاجة.

​هي كانت راجعت الملفات والأوراق اللي أنا سجلتها، ولقيت في وسط السكرين شوتس مسجات من حازم ليا من شهور.

​مسج منه بيقول: “معلش يا حبيبتي استرجل مع أمي السنة دي، لو جبنا ممرضة مقيمة هتاخد أكتر من 30 ألف في الشهر وهتخرب بيتنا.”

​ومسج تاني: “ادفع حجز القاعة من تحويشتك بكرة، وأول ما أمي تكتبلي الشقة هعوضك عن كل مليم.”

​شيماء رفعت راسها وبصلتي:

​— جوزك كان عارف بالقرش قيمة شغلك وتعبك. أنتِ مكنتيش زوجة بتساعد أهله بحب.. أنتِ كنتِ مشروع التوفير والجمعية اللي العيلة كلها عايشة عليه.

​دي كانت أول صدمة تنزل عليا زي السكينة. الصدمة التانية جت بعد 3 أيام.. لما حازم ظهر في مكتب شيماء، قميصه مكرمش، وعينيه حمرة ودمه محروق.

​— أنا محتاج إلهام ترجع بأي شكل.. الممرضة اللي جيبناها طالبه 42 ألف في الشهر، ومشيت بعد شفتين اتنين بس عشان أمي سابتها وهانتها!

​شيماء سحبت ملف أبيض وحطته قدامه على الترابيزة:

​— يبقى أنت جيت في الوقت الصح يا حازم.. دي دعوى طلاق للضرر، مع طلب رد كل المبالغ والمصاريف المثبتة، ومطالبة بالتعويض عن مساهمتك المالية والعضلية طول فترة الجواز.

​حازم فتح الملف.. ووشه جاب ألوان لما شاف الرقم المطلوب!

​— ده جنون رسمياً! — حازم تمتم وهو مش مصدق — أنا معيش الفلوس دي كلها!

​كنت قاعدة قدامه، وإيدي لسه عليها الشاش والرباط.

​— وأنا برضه مكنش عندي سنة كاملة من عمري أرميها في الأرض، بس أنت أخدتها مني ودمرتها.

​شيماء كانت جمعت كل الفواتير والمصاريف المثبتة اللي خرجت مني: العربون بتاع القاعة، الأدوية، التكاسي، ومشاركتي في أقساط الشقة اللي اشتريناها أنا وهو بعد الجواز. مكنتش بتبتكر أرقام، هي عملت تفاوض قانوني مبني على إيصالات وتحويلات بنكية ومسجات مثبتة.

​— الشقة دي بتاعت أمي مش بتاعة إلهام! — حازم اعترض بزعيق.

​— محدش قال إنها بتاعة إلهام — ردت شيماء ببرود — إحنا بتتكلم عن الفلوس الحقيقية اللي إلهام دفعتها من جيبها والتصفية المالية اللي بينكم.

​أنا طلعت ورقة تانية من الشنطة:

​— وكمان فيه 186,400 جنيه خرجوا من حسابي الشخصي كروت وتحويلات لمصاريف أمك وعيد ميلادها.

​حازم فتح بؤه ومعرفش يرد بكلمة. كل تحويل كان بتاريخه وساعته. في اليوم ده بالذات، فهم لأول مرة يعني إيه اللي أنا كنت بشيله طول سنة كاملة. الممرضة اللي جابوها كانت طالبة 42 ألف جنيه في الشهر، وبعد شفتين اتنين بس سابت الشغل ومشيت عشان عفاف شتمتها وغرست ضوافرها في دراعها! وقبل ما تمشي قالتلهم:

​— لو عاوزين خدمة بالشكل ده، ادفعوا تمنها صح أو اخدموها أنتوا!

​تاني يوم الصبح، حازم حاول ينضف أمه ويغير لها لوحده. حكالي القصة دي بعدين في مكتب شيماء وهو بيعترف. معرفش يشيلها، غرق قميصه، وكان هيوقعها بالكرسي، ووصل بيها القصر العيني متأخر 50 دقيقة عن ميعاد الغسيل. اتصل بأخواته يتوسلهم:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى