قصص وروايات

حتى ولو لم يكن

ملاك يا مروان؟ كفاية أخلاقها. والله يا مروان هاتشوف واحد تاني، وأنا والله بدأت يا مروان. ابتسم مروان قائلًا: طب يا عريس أجهز وأنا مستنيك تحت. هز رأسه وتوجه مسرعًا نحو المرحاض.

في هذه الأثناء صدح صوت هاتف مروان، فتوجه نحو الشرفة لسوء التغطية ليبحث عن بقعة إرسال ليستطيع الرد، وقد استغرقت مكالمته عدة دقائق. وما أن انتهى من المكالمة استدار ليعود من الداخل، لكن الصدمة ألجمته عندما سمع همهمة أخيه في الهاتف قائلًا:

بلا ريان، بلا كلام فارغ. بقى مش قولت خلاص يومين والفرح يتم ونكتب الكتاب؟ اطمني، مالك خايفة ليه؟ مش كلمت أبوك وحددنا ميعاد كتب الكتاب؟ انت قدام الكل كدا مراتي، ومحدش هيعرف الموضوع اللي اتفقنا عليه قبل الجواز ولا بعده. اهدى بقى. أغلق الاتصال ودس هاتفه في جيبه.

بينما هو ألجمته، كان الذهول في عينيه حقيقيًا. حاول أن يستوعب: كيف تجرأ أخيه على هذا الحد؟ أغمض عيناه رغم الصاعقة التي وقعت، التي ضربت أحشائه، لكنه تماسك قائلًا: ماشي، بس يعدى الفرح وهحاسبك براحتي على المصيبة دي.

اليوم الموعود

في المشفى، جثا قربه واضعًا كفه على قلب أخيه الذي يحاول أن يستشعر منه نبضة واحدة بعد أن توقفت أنفاسه. رفع مروان رأسه للطبيب هامسًا: أرجوك، الله يخليك، اعمل حاجة، أي حاجة، والحقه ودخله العمليات. أغمض الطبيب عينيه بأسف هاتفًا قبل أن ينصرف: البقاء لله. هز مروان برأسه، دموع عاجزة، عاجزة ومقهورة: ريااان، ريان، متسبنيش عشان خاطري يا ريان.

كان كقطعة جليد باردة، بصوت مجلجل رج جدران المشفى: ريان مات يا مروان، مات والحنة في إيده، ملحقتش أفرح بيه يا مروان. كطفل صغير، ياللقدر وألعابه، كالزلازل والبراكين، أو ربما إعصار يمر بحياتك ليدمر. انتهى، انتهى كل شيء. لكن تبقى نظرات الناس، الجميع ترمقها بين شفقة وشماتة وحزن، فالنفوس البشرية مختلفة، بالنهاية هي مادة خام للنميمة. تحت المياه المنسابة على رأسها وقفت روان وهي ترتدي كامل ثيابها، دموعها تتسابق في الانهمار مع المياه.

كانت ترتعد من شدة البرد بشفاه زرقاء، لقد غسلتها المياه، لكن لا، لم تغسل حزن روحها، فهي لم يكن الزواج يومًا هدفها ولا تسعى إليه. بعد مرور أكثر من ثلاث أسابيع، أخيه، ثلاث أسابيع جلس بجواره خاله وبيده مسبحته الخشبية هاتفًا: وحد الله يا مروان يا بني، ربنا خد أمانته وكلنا رايحين في الآخر، إدعيله بالرحمة، ربنا يغفر له. الله يرحمه يا خال، بس كأن روحي فارقتني ومش عارف أعيش.

البركة فيك يا بني، وتاخد بالك من أمك. أغمض عيناه بألم ثم همس بوجع: عايز أقولك على حاجة يا خال. ابتسم بحنو يحثه على الكلام قائلًا: قول يا بني وخفف عن صدرك. سرد له المكالمة التي سمعها قبل زفاف أخيه. توسعت عين خاله ثم هتف بذهول: لا حول ولا قوة إلا بالله. ليه كدا يا ريان يا بني؟ الله يرحمك. بقى اسمع يا بني، ريان كان تايب من الذنب وبيصلح غلطه، وإذا كان ربنا قبل أو لأ، دي بتاعة ربنا. لكن البنت دي سمعتها كدا هتضيع. تنهد ثم قال بجدية: تسمع مني يا بني؟ طبعًا يا خال، امال بحكي ليه؟ هز رأسه ثم ربت على كتفه قائلًا: يمكن ربنا خلاك تسمع حاجة زي دي عشان تنول شرف ستر مسلم. لو تسمع نصيحتي يا بني، كمل اللي أخوك كان هيعمله، تأخد ثوابها وتسترها وتبقى بتصلح غلط. يا ابن اختي، أنا عارف أنك مش بتفكر في الجواز، بس دا ستر على بنت من الكلام، حتى لو طلقتها، بس إسمها اتستر. ثم تابع قائلًا: من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج على مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلم ستره الله يوم القيامة. إيه اللي بتقوله دا يا خال؟ ربت على كتفه قائلًا: اللي شايفه قولته، وانت اللي هتاخد القرار يا مروان. أنت مش ملزم بحاجة. قوم بينا نصلي ركعتين وندعي ربنا يدلك على الخير.

في غرفة مروان

مع إشراقة الفجر، يقف في غرفته يشاهد بزوغ الشمس. ليلة مؤرقة لم يزر النوم عيناه. نظر للأعلى، فهو عزم أمره، وخرج من غرفته وتوجه نحو والدته. وجدها تجلس تقرأ في المصحف ودموعها تنهمر. جلس بجوارها، رفعت رأسها فأغلقت المصحف هامسة: صدق الله العظيم. قلبي وجعني على أخوك، أنا قصرت في تربيته، كنت بقول شاب ويعيش حياته. دلوقتي إيه اللي ممكن ينفع؟ أغمض عيناه بألم، هي محقة، لكنه أراد التخفيف عنها.

ربنا يرحمه، ودا نصيبه، ومتقلقيش، أنا بعمل خير كتير ليه يا أمي، صدقات جارية ليه طول ما أنا فيا نفس، أدعيله بالرحمة والمغفرة. انت. تنهد ثم أكمل قائلًا: كان في موضوع كدا حابب أكلمك فيه. مش كنت على طول عايزاني أتجوز؟ أنا أخدت قراري. ضيقت حاجبيها ثم سألته باستنكار: دلوقتي عايز تتجوز؟ آه، هتجوز خطيبة ريان يا أمي. إيه الكلام دا! تتجوز مين؟ البت دي؟ ومين هيوافقلك على الكلام دا؟ أول ما تحب تتجوز مالقتش غير اللي كان عايز يتجوزها أخوك يا مروان؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى