قصص وروايات

حتى ولو لم يكن

جميعًا نولد بصفحات بيضاء ونتذبذب بين هنا وهناك، وتبقى النفس هي العدو الأول لك، النفس أمارة بالسوء، فعليك أن تجاهدها وتروضها على الثبات بأن تلجمها دائمًا حتى لا تقع في غياهب المعاصي، فتصبح حينها تسير على خطى الشيطان. فالنفس دائمًا تزهو بما تروي وبما يجود الساقي.

جاء اليوم الموعود، حل الليل وسط ترتيبات حفل الحناء لتصنع أجمل صورة تسر الناظرين أمام بيت آل رشوان. كانت تجلس بجوار حماتها تستقبل الضيوف بملامح هادئة، أو بالأحرى جامدة، هي لا تبالي لنظراتهم أو تعليقاتهم.

كأنها في عالم آخر، تشعر بشيء ما لا تعلم ما هو: خوف أو حزن؟ شعور جاثم فوق صدرها. نظرت أمامها لتطالعه يرقص بجنون مع أصحابه ويطلق ألعابًا نارية في السماء. كان احتفالًا عبارة عن طقوس عنصر النار، الألعاب النارية تملأ المكان. شابًا طائشًا لا يعرف همًا إلا للهو وبعثرة المال، لم يتحمل مسئولية بحياته. لا تعلم كيف وافقت على الزواج منه. مالت حماتها عليها وهي تهمس في أذنيها ببعض الكلمات وتشير بيدها نحو أخو زوجها المستقبلي وهو يقف مع كبار البلد، فهو يبدو عكس أخيه. هزت رأسها ثم أعادت بصرها لخاتم الخطبة وهي تحركه في يدها من الأعلى للأسفل. فجأة وقف.

إطلاق الألعاب النارية والأغاني من حولها وعلت صوت المنتظرة، والقدر عادات وتقاليد سيئة. كيف تبدأ الحياة الجديدة بإزعاج وترويع الآخرين؟ كيف تبدأ الحياة الجديدة وسط إفزاع الصغار قبل الفرح بأسبوع؟ دائمًا ما نسعى خلف البساطة في كل شيء، خلف الاختيار الأسهل، لكن الحياة تعاندنا دائمًا بالعقبات لنسقط في شرك مأزقها. ألقت نظرة لحبات المطر التي تناثرت على زجاج الشرفة الصغيرة ثم عادت بعينيها مرة أخرى نحو الحقيبة الصغيرة التي أمامها، التي تحوي ملابسها التي ستنقل لبيت زوجها.

كتمت آهة طويلة. فتح الباب وولجت والدتها ومن خلفها والدها الذي حدثها قائلًا: بنت يا روان، انت لسه مخلصتيش؟ دا كله شوية ويخلص ضهر الجمعة وننقل العزال. مش كنا كتبنا انهارده؟ لكن حكمتي رأيك قدام الكل يبقى يوم الفرح. وزعت نظراتها بين والدها ووالدتها وتحدثت بتوسل قائلة: يا بابا أنا مش عايزة الجوازة دي، بلاها، أنا مش مرتاحة، وبعدين أنا سألت عليه وعرفت أنه غير منضبط. يرضيك أتبهدل معاه؟ نظر لها والدها بغضب وهو يقول:

عايزة ومش عايزة؟ هو فستان جديد؟ وبعدين إيه غير منضبط دي؟ هو بيعمل حاجات غلط وده عادي؟ مش كل الشباب كده. وتتبهدلي؟ دا لو مش لاقي ياكل، لكن دا مقتدر هو وأهله، وهو لا عمره هايجي يقولك هاتي دهبك أنا مزنوق ولا أنزلي شغل. وهو لو كان واحد كحيان كنت وافقت. أنا عايزلك السعادة.

استقامت روان، والصدمة جعلتها دون إدراك ووعي تنظر له بخزي، بينما هو مد يده يغلق حقيبتها دون اعتبار لمشاعرها. فهمست قائلة: ده عادي إزاي؟ دا الشرع نهى عن كل ما يضر. وقف أمامها والدها وهو يسحب حقيبتها قائلًا: طب ابقى خليه يبطل، اهو تأخدي ثوابه يا روان. وبعدين هو أنا كنت بصرف عليك عشان أجوزك واحد مش لاقي ياكل؟ دا هيعززك ويعززنا معاك، والواد هيتجنن عليك، دا في شهرين كان مخلص كل حاجة. يلا بلاش دلع، دا وكلام ماعدش ينفع.

نظرت لوالدتها بعد أن انصرف والدها من الغرفة، فربتت على كتفيها قائلة: دي عين يا روان يا حبيبتي، دا البنات كلهم بيحسدوك على الجوازة المرتاحة دي. وبعدين صحباتك اللي في الشغل وسألتيهم عنه، دول غيرانين منه وبيقولوا كدا عشان نفوسهم مش حلوة. يلا يا بنتي صلى ركعتين واستعيذي من الشيطان. هي صفقة مربحة ولا أكثر. هذه الحقيقة، حقيقة قاسية ومفزعة من الأمل والبراءة، الحقيقة مرة.

تسللت أشعة الشمس داخل الغرفة، فولجت والدته وأزاحت الستائر ثم نظرت نحو ابنها الغافي. كانت تعلم أنه سيأتي، فهو لا يضمر لأخيه أي شر، تعلم أيضًا أنه لم يكرهه لأنه أخيه من لحمه ودمه. جلست على حافة الفراش تهزه برفق وهي تهمس باسمه: مروان، مروان. حاول فتح عينيه لكنه أغمضها سريعًا بسبب الضوء ثم همس بجفاء: صباح الخير يا أمي. صباح الفل يا قلب أمك. استقام من مكانه قاصدًا المرحاض وهو يغمغم: قلب أمك. قلب أمك عشان نفذتي كلامك. والدته بنبرة جامدة: تاني يا مروان؟ ما خلاص بقى، ماتكسرش فرحة أخوك.

وهو مش بيصعب عليك؟ هو ليه على طول حاطه في دماغك؟ أنا مشكلتي مع أخويا، انت عارفة بحبه قد إيه، بس ابنك دا هيتجوز ازاي وهو لا بيشتغل ولا يعرف مسئولية؟ دا غير العادات السيئة اللي بيعملها. دا هو الجواز لعبة؟ رمقته بسخرية قائلة: طب ما انت بتشتغل وقد المسئولية وبتحايل عليك تتجوز مش راضي. اهو واحد يفرح قلبي. وبعدين شغل إيه؟ هو محتاج يعني؟ وكمان هو مراته تهديه، دا هيتجنن عليها وشكلها متربية وبنت ناس.

نظر لها بصدمة وحسرة، شعر بثقل من حديثه معاها فتنهد قائلًا: الشغل دا مالوش دعوة محتاج ولا لأ. يعني يبقى بيمد ايده ياخد مصروف ويتجوز؟ وبعدين الشباب كله بيعمل عادات سيئة؟ أنا مالي، أنا ليا أخويا. على العموم يا أمي ربنا ييسر له الخير ويهديه. أيوه يبقى ادعيله ومتنكدش عليه في يوم زي دا، انت دلوقتي بمثابة أبوه. هز رأسه بأسف غير راضٍ عن كلام والدته وتربيتها لأخيه. كادت أن تكمل حديثها لكنه قاطعها عندما تركها وتوجه للمرحاض.

كان ينتظره بالأسفل بعد أن قام بتغيير ملابسه، قدحًا من القهوة يرتشف منه وهو ينظر للأعلى. رفع معصمه ينظر في ساعته، وضع القهوة على الطاولة وصعد للأعلى ثم ولج لغرفة أخيه فوجده نائمًا. ريان، رياااان. انتفض من على الفراش يقف أمام أخيه قائلًا: إيه إيه؟ أنا اهو، معلش غفلت. رفع حاجبيه وهو ينظر له ثم نظر في الساعة قائلًا ببرود: لو هنزعجك من النوم نأجل الفرح انهاردا. حك مؤخرة رأسه بإحراج قائلًا:

معلش بقى، سهرت شوية إمبارح. خمسة وهاجهز؟ سهرت! أنا مش شايف أمك شايفة إيه فيك يصلح للجواز. طب بذمتك يا مروان، مش نفسك في بيبي صغير يقولك يا عمو؟ طب إيه رأيك بقى إن أول عيل انت اللي هتربيه وهسميه كمان مروان على اسمك؟ يلا بوشكاش بيضحى عشان متقولش الواد وابوه مش متربيين. قهقه مروان وهو يهز رأسه ثم جذبه رابتًا على ظهره وهو يقول: لأ، أنا هربي أبوه وهو يربيه. متفتكرش بجوازك هتكبر عليا. لا عاش ولا كان اللي يكبر عليك يا مروان.

ثم تابع مروان: ريان، الجواز مسئولية مش زي ما في بالك، ولازم تبقى قدها. اوعى تخليني أندم إني وافقت. هتراعي ربنا من هنا ورايح، والعادات السيئة اللي بتعملها تبطله. هز رأسه وكل ما فيه يبتسم بسرور قائلة: أندم إيه؟ دا أنا هرفع رأسك للسما. عيب، احنا جامدين أوي. حدجه مروان بنظرات تحذيرية فتحمحم ريان قائلًا: هاتغير والله، وعشانها كمان، دي تحس كدا إنها ملاك.

السابق1 من 7
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى