قصص وروايات

خلف الباب المغلق ٢

في صباح اليوم التالي، وصلت نهى إلى مريم وهي تحمل هاتفها. قالت لها بصوت منخفض:

— مريم، لازم تشوفي ده.

فتحت تسجيلًا صوتيًا كان قد تم حفظه بالخطأ على هاتف مريم أثناء إحدى الليالي. استمعتا معًا.

لم يكن التسجيل واضحًا بالكامل، لكنه احتوى على صوت حمدي وهو يتحدث مع شخص آخر عن مريم، وعن رغبته في أن تبقى الأمور داخل البيت وألا تعرف سعاد شيئًا.

أغلقت مريم الهاتف ووجهها شاحب.

— أنا كنت حاسة إن في حاجة غلط.

قالت نهى:

— دلوقتي عندنا حاجة نبدأ بيها. بس أهم حاجة ما تواجهيهوش لوحدك.

عادت مريم إلى البيت برفقة نهى. كانت سعاد في المطبخ.

قالت مريم:

— يا أمي، أنا محتاجة أقولك حاجة… بس المرة دي عايزاكي تسمعيني للآخر.

خرج حمدي من الغرفة.

— في إيه؟

ردت مريم:

— الكلام مش ليك.

نظر إليها بغضب، لكن نهى تقدمت وقالت:

— لو سمحت، سيبها تتكلم.

سكت حمدي.

بدأت مريم تحكي لأمها كل ما حدث منذ بداية تغير معاملته معها، وأخبرتها عن المفتاح والتصرفات الغريبة والتسجيل.

كانت سعاد تستمع ودموعها تنزل دون كلام. ثم قالت:

— أنا ظلمتك يا بنتي… لأني صدقته أكتر منك.

وفي تلك اللحظة، دوّى طرق شديد على باب الشقة. الجميع التفت نحو الباب.

قالت مريم:

— مين؟

جاء صوت رجل من الخارج:

— أنا من القسم… محتاجين نتكلم معاكم بخصوص بلاغ اتقدم.

نظر حمدي إلى الباب، ثم إلى مريم. لأول مرة، اختفت الثقة من وجهه. وعرفت مريم أن السر الذي حاول إخفاءه بدأ ينكشف.

انفتح باب الشقة، ودخل رجلان من الشرطة. تراجع حمدي خطوة، وقال بتوتر:

— في إيه؟

أحدهما قال بهدوء:

— فيه بلاغ مقدم ضدك، ومحتاجين نتكلم معاك.

نظرت مريم إلى أمها، ثم إلى نهى. كانت سعاد تبكي، لكنها هذه المرة لم تدافع عنه. قالت:

— أنا عايزة أعرف الحقيقة كلها.

حاول حمدي مقاطعتها:

— سعاد، إنتِ فاهمة غلط…

صرخت لأول مرة:

— كفاية!

ساد الصمت.

أخرجت مريم هاتفها وقدمت التسجيل والأدلة التي جمعتها، ثم حكت ما تعرضت له من مضايقات ومحاولات للسيطرة والخوف. لم تدخل في تفاصيل تؤذيها أو تعيد إليها لحظات الرعب، لكنها قالت جملة واحدة ظلت عالقة في المكان:

— أنا وثقت فيه لأنه كان بيقول لي إني زي بنته… وهو استغل الثقة دي.

خفض حمدي رأسه.

وبعد أن غادر مع الشرطة، جلست سعاد بجوار ابنتها. احتضنتها وهي تبكي:

— سامحيني يا مريم.

قالت مريم:

— أنا مش محتاجة اعتذار يا أمي… أنا محتاجة أحس إنك مصدقاني.

أمسكت سعاد يدها بقوة.

— من النهارده، هصدقك.

نظرت مريم إلى باب الشقة الذي كان مغلقًا أمامها طوال الأيام الماضية. ثم قالت:

— الباب ده كان مخوفني…

وسكتت لحظة.

— بس دلوقتي أنا اللي هقف قدامه من غير خوف.

وكانت تلك أول مرة تشعر فيها أن حياتها بدأت تعود إليها.

مرّت أسابيع ثقيلة على مريم. لم تكن القضية سهلة، وكل يوم كان يحمل معه سؤالًا جديدًا، لكنها للمرة الأولى لم تعد تواجه كل شيء وحدها. كانت نهى بجانبها، وأمها بدأت تستعيد ثقتها بابنتها، بينما تولّت الجهات المختصة متابعة ما حدث.

وفي إحدى الليالي، جلست مريم أمام المرآة طويلًا. كانت تنظر إلى وجهها وكأنها تبحث عن الفتاة التي كانت قبل كل شيء. قالت لنفسها:

— أنا لسه مريم… اللي حصل مش هيحدد أنا مين.

دخلت سعاد الغرفة ووضعت يدها على كتفها.

— هتفضلي ساكتة؟

ابتسمت مريم بحزن.

— لأ.

— هتعملي إيه؟

نظرت مريم إلى أمها وقالت:

— هكمل حياتي.

وبالفعل، قررت العودة إلى دراستها والعمل من جديد. لم تكن العودة سهلة؛ بعض الجيران بدأوا يتحدثون، وبعضهم صدّق شائعات لا يعرف حقيقتها. لكن مريم هذه المرة لم تسمح لأحد أن يقرر عنها.

وفي يوم، بينما كانت خارجة من البيت، وقفت أمام الباب القديم للحظات. تذكرت الخوف الذي كانت تشعر به كلما سمعت خطوات خلفه. وضعت يدها على المقبض، وفتحته. دخل ضوء الشمس إلى الممر. ابتسمت. وقالت لأمها:

— الباب ده كان زمان بيقفل عليّا… دلوقتي أنا اللي بفتحه وأخرج.

أمسكت سعاد بيدها. ومضتا معًا إلى الشارع.

لكن مريم لم تكن تعرف أن القضية لم تنتهِ بعد… ففي طريق عودتها، وصلتها رسالة من رقم مجهول:

«إنتِ فاكرة إن الحكاية خلصت؟»

توقفت مريم في مكانها. ونظرت إلى الشاشة في صمت. وكانت تلك الرسالة بداية سر جديد.

كانت مريم تحدق في الرسالة المجهولة، وقلبها يدق بسرعة. قالت نهى:

— مترديش عليه.

— مش هرد… بس لازم أعرف مين وراه.

أخذت مريم الهاتف واحتفظت بالرسالة، ثم أبلغت الجهات المختصة. وبعد أيام، اتضح أن الرسالة لم تكن من شخص قريب من حمدي كما توقعت، بل كانت محاولة لتخويفها وإجبارها على التراجع عن أقوالها. لكن مريم لم تتراجع.

وفي النهاية، ظهرت الحقيقة كاملة أمام الجميع، وتحمل حمدي مسؤولية أفعاله وفق ما أثبتته التحقيقات.

أما سعاد، فقد ظلت فترة طويلة تلوم نفسها. قالت لمريم ذات ليلة:

— أنا كنت شايفة اللي بيحصل قدامي، بس كنت بخاف أصدق.

احتضنتها مريم وقالت:

— المهم إنك صدقتيني في الآخر.

مرت الشهور. تغيرت مريم كثيرًا. لم تعد الفتاة التي تخاف من صوت مفتاح يدور في الباب، أو من خطوات تقترب من غرفتها. بدأت حياتها من جديد، وعادت إلى دراستها وعملها، وقررت أن تساعد أي فتاة تجد نفسها في موقف مشابه.

وفي صباح هادئ، وقفت أمام باب الشقة. الباب نفسه الذي كان يومًا مصدر رعبها. فتحت الباب، ودخلت أشعة الشمس إلى المكان. وقفت سعاد بجوارها.

قالت مريم:

— فاكرة أول مرة وقفت هنا؟

ابتسمت أمها والدموع في عينيها.

— عمري ما هنساها.

نظرت مريم إلى الخارج وقالت:

— وأنا كمان… بس مش عايزة أفتكر الخوف. عايزة أفتكر إني قدرت أخرج منه.

أغلقت الباب خلفها، ثم أمسكت بيد أمها ونزلتا السلم معًا.

لم تكن نهاية الحكاية أن الماضي اختفى. بل كانت النهاية أن الماضي لم يعد يملكها. ومن يومها، أصبح الباب الذي كان يخفي خلفه الخوف مجرد باب عادي… أما مريم، فكانت قد بدأت أخيرًا حياة جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى