قصص وروايات

خلف الباب المغلق ١

كانت مريم عندها عشرين سنة، عايشة مع أمها سعاد وزوج أمها حمدي في شقة صغيرة في حي شعبي. من يوم ما حمدي اتجوز سعاد، وهو بيحاول يظهر قدام مريم بصورة الأب الحنون. كان دايمًا يقول لها: «إنتِ زي بنتي يا مريم، ولو احتجتي حاجة في الدنيا دي أنا موجود.» وكانت مريم تصدقه. بل كانت أحيانًا تدافع عنه أمام أمها.

وفي إحدى الليالي، رجعت مريم من شغلها متأخرة، فوجدت حمدي واقفًا في الصالة ينتظرها. قال بابتسامة: «اتأخرتي ليه؟ أنا قلقت عليكي.» ردت وهي تخلع حذاءها: «المواصلات كانت زحمة.» اقترب منها ووضع يده على كتفها: «خلي بالك من نفسك يا بنتي… الدنيا مش أمان.» ابتسمت مريم وقالت: «ربنا يخليك لينا يا حاج حمدي.» لكنها لم تلاحظ النظرة الطويلة التي ظل يراقبها بها بعد أن دخلت غرفتها.

مرت الأيام، وبدأت مريم تشعر أن شيئًا تغير. حمدي لم يعد يتعامل معها كابنة زوجته. صار يسألها عن مواعيد خروجها وعودتها، ويتدخل في ملابسها، ويغضب إذا تحدثت طويلًا مع أحد زملائها.

وفي ليلة، قالت له مريم بضيق: «إنت ليه بقيت بتسألني عن كل حاجة؟» سكت لحظة، ثم قال: «علشان بخاف عليكي.» ردت: «الخوف حاجة والسيطرة حاجة تانية.» تغير وجهه. ولأول مرة، شعرت مريم بالخوف منه.

وفي اليوم التالي، حاولت أن تحكي لأمها. لكن سعاد ضحكت وقالت: «حمدي؟ ده بيعتبرك بنته… إنتِ اللي فاهمة غلط.» نظرت مريم إلى أمها طويلًا. ثم قالت بهدوء: «يا أمي… ساعات الإنسان بيشوف الحقيقة متأخر.» ولم تكن تعرف أن تلك الجملة ستصبح بداية أكبر مأساة في حياتها… وأن السر الذي تخفيه عيون حمدي أخطر بكثير مما تتخيل.

في صباح اليوم التالي، خرجت مريم من غرفتها وهي تحاول أن تتجاهل ما حدث بالأمس. وجدت أمها في المطبخ تعدّ الشاي، بينما كان حمدي يجلس في الصالة يتابع التلفزيون. قالت سعاد: «صباح الخير يا مريم.» «صباح النور يا أمي.» رفع حمدي عينيه إليها وقال: «نمتي كويس؟» توقفت مريم لحظة. «آه.» ابتسم ابتسامة قصيرة، ثم عاد إلى التلفزيون.

لكن مريم لاحظت شيئًا غريبًا… مفتاح غرفتها كان فوق الطاولة أمامه. اقتربت بسرعة وأخذته. سألته: «المفتاح ده كان معاك؟» رد بهدوء: «لقيته واقع في الصالة.» نظرت إليه بشك. «أنا متأكدة إني حطيته في شنطتي.» تدخلت سعاد: «يا بنتي خلاص، يمكن وقع منك وإنتِ مش واخدة بالك.» لم ترد مريم. أخذت المفتاح ودخلت غرفتها وأغلقت الباب.

وبعد دقائق، بدأت تبحث في درج مكتبها. كانت هناك ورقة صغيرة وضعتها بالأمس داخل الدرج. لكنها اختفت. شعرت بقلبها يخفق. فتحت الدرج مرة أخرى، ثم الثالث. لا شيء. همست لنفسها: «هو دخل أوضتي؟»

وفي تلك اللحظة، وصلها صوت حمدي من خلف الباب: «مريم… افتحي.» تجمدت في مكانها. «عايز إيه؟» «عايز أتكلم معاكي.» «قول من ورا الباب.» ساد صمت طويل. ثم جاء صوته هادئًا: «إنتِ ليه بقيتي خايفة مني؟» لم تستطع مريم الرد.

لأول مرة، أدركت أن الأمر لم يعد مجرد سوء فهم. هناك شيء حقيقي يحدث داخل هذا البيت. وفي المساء، اتخذت مريم قرارًا أخطر من أي قرار اتخذته من قبل… أن تعرف الحقيقة بنفسها. لكنها لم تكن تعرف أن الحقيقة التي ستكتشفها ستغيّر حياتها وحياة أمها إلى الأبد.

في منتصف الليل، انتظرت مريم حتى تأكدت أن أمها نامت. فتحت درج مكتبها مرة أخرى، وبدأت تبحث عن الورقة التي اختفت. كانت الورقة مجرد رقم هاتف لصديقتها نهى، لكنها كانت متأكدة أن حمدي لم يكن له أي سبب لفتح درجها. وفجأة سمعت صوتًا في الصالة. خطوات بطيئة. ثم توقف الصوت أمام باب غرفتها. حبست مريم أنفاسها. لم يطرق أحد الباب. وبعد ثوانٍ، ابتعدت الخطوات.

انتظرت مريم قليلًا، ثم فتحت الباب بحذر. كان البيت مظلمًا. لكنها لمحت باب غرفة حمدي مفتوحًا. تراجعت وأغلقت باب غرفتها من جديد.

في الصباح، خرجت قبل أن يستيقظ الجميع، واتصلت بنهى. «نهى، أنا محتاجة أشوفك ضروري.» «حصل إيه؟» سكتت مريم لحظة، ثم قالت: «مش عارفة… بس أنا مش مرتاحة في البيت.»

بعد ساعة، جلستا في مقهى بعيد عن الحي. حكت مريم كل شيء. نهى ظلت صامتة، ثم قالت: «مريم، لازم تصدقي إحساسك. لو فيه حاجة بتخوفك، ما تفضليش لوحدك.» «بس أمي مش مصدقاني.» «يبقى لازم يكون عندك دليل.» رفعت مريم عينيها إليها. «دليل على إيه؟» قالت نهى: «على كل تصرف غريب بيحصل.»

في تلك اللحظة، اتخذت مريم قرارًا. لن تواجه حمدي وحدها. ستبدأ في تسجيل ما يحدث، وستحتفظ بأي دليل يمكن أن يساعدها إذا احتاجت إلى طلب النجدة.

لكن عندما عادت إلى المنزل مساءً، وجدت أمها جالسة في الصالة ووجهها شاحب. قالت سعاد: «مريم… حمدي عرف إنك حكيتِ لحد اللي بيحصل هنا.» تجمدت مريم مكانها. «عرف إزاي؟» لم تجب أمها. فقط نظرت نحو باب الشقة. وكان حمدي واقفًا هناك. ينظر إلى مريم دون كلمة واحدة. وعرفت مريم أن المواجهة بدأت.

وقفت مريم أمام حمدي، تحاول أن تخفي ارتجاف صوتها. «إنت عرفت إني حكيت لنهى إزاي؟» ابتسم حمدي ابتسامة باردة. «أمك قالتلي.» التفتت مريم إلى أمها بدهشة. «إنتِ قلتي له؟» قالت سعاد بسرعة: «أنا خفت يا بنتي… هو سألني.»

اقترب حمدي خطوة. «اسمعيني يا مريم، أنا مش عايز مشاكل. كل اللي بعمله علشان مصلحتك.» ردت مريم: «مصلحتي إني أخاف منك؟» تغيرت ملامحه. «إنتِ بتكبري الموضوع.» «لأ… أنا بدأت أفهمه.»

ساد الصمت. ثم قال حمدي: «ادخلي أوضتك.» «مش هتأمرني.» رفع صوته: «قلت ادخلي!» تراجعت مريم خطوة، لكن هذه المرة لم تكن خائفة كما كان يتوقع. أخرجت هاتفها من جيبها وقالت: «كل كلمة بتقولها دلوقتي هتتحسب عليك.» سكت حمدي.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى