قصص وروايات

حتى ولو لم يكن

شعر بخفقة وجع قلبه في المنتصف، كان يعلم، لذلك كان مستعدًا فتنهد قائلًا: ولا عمري كنت هافكر فيها ولا في الجواز، بس عندي أسبابه. وإيه هي بقى أسبابك؟ فتش سر أخيه، فأخيه في دار الحق الآن، حسابه عند خالقه. عشان ريان يا أمي، كل يوم يجيلي في الحلم يطلب مني كدا، ولما سألت خالي قال نفذ طلبه عشان يرتاح. جلست على الأريكة، خلفها ودموعها تملأ عينيها قائلة: دا طلب ريان ابني، يا قلب امك يا غالي.

اشرقت الشمس ببهائها داخل غرفتها

وتلك الأصوات والابتهالات، كل هذا لم يترك بها إلا أثرًا واحدًا: الحنين لحياتها السابقة، الاطمئنان، راحة البال، عملها في المشفى كممرضة. كل ما سبق من مشاعر هاجمت قلبها لتعلن الحرب على سقوطها وجمودها. نهضت من مكانها وتوضأت لتصلي. وما أن انتهت من الصلاة خرجت من غرفتها التي ظلت حبيستها الأيام الماضية. كانت ترتدي فستانًا باللون الأسود وخمارًا، وهو يصرخ بها: إيه اللي انت لابساه دا؟ وعلى فين؟

لابسة هدومي وهاروح شغلي. صرخ بها بحدة قائلًا: الناس تقول إيه؟ ولا بلاش لو حد وصل الكلام لأهل خطيبك هايكون ردهم أيه؟ واحنا لسه ما تكلمناش في حقوقك والشقة اللي فرشنها. ادخلي جوه يلا. أغمضت عيناها تتذكر السبب الرئيسي من زواجها من هذا الشاب: أنه هو الذي تحمل الجزء الأكبر من تكاليف تلك الزيجة، وكأنها سلعة راكدة معدومة القيمة. قبل أن تجيبه صدح صوت الطرق على الباب، وفجأة تحولت حالتها وكأن هناك يدًا خفية اعتصرت قلبها.

توجهت نحو الباب وفتحته، ولم تعلم هوية الواقف أمامها. فجاء والدها من خلفها يهتف بترحاب: مروان بنفسه عندنا؟ والله كنت لسه بقول لروان هنروح للحاجة انهاردا نطمن عليها ونشوفها محتاجة إيه. والله الحزن ملا قلوبنا، الله يرحمه. لم ينتبه لحديثه وهو يرمق الواقفة التي ترتدي الألوان الفاتحة ويبدو أنها لم تحزن على أخيه. تلك العا.. قطع حديثه مع نفسه مستغفرًا ثم جلس. بعد دقائق كان يضع كوب الشاي أمامه ثم تنهد قائلًا:

أنا جاي أطلب إيد بنتك للجواز. وأنا أحق بيها. لو وافقت هاكتب الكتاب في بيتك هنا الأسبوع الجاي، وهاخدها على إسكندرية من غير فرح ولا أي حاجة. ابتسم والدها بسعادة وألتمعت عيناه بطمع قائلًا مسرعًا: وإحنا لينا قول؟ بعد كلامك موافقين طبعًا.

الفصل الثاني

أنا مش موافقة، يعني مش موافقة. قالت روان جملتها الاعتراضية وهي تخلع خمارها وترميه أرضًا، فصرخ بها والدها قائلًا: ومين طلب رأيك أصلًا؟ أنت حقك تحمدي ربنا أن حد بصلك أصلًا بعد الكلام اللي ممكن يتقال عليك.

غصة مريرة في حلقها، قلبها يحترق، تشعر بالذل والهوان. كلام إيه؟ بعدين مين قالك إني عايزة أتجوز؟ أنا بصرف على نفسي ومش محتاجة لحد. انت، ماحدش مالي عينيك، هتذلينا على الكام قرش اللي بتجبيهم؟ وبعدين مش كانت حجتك التاني عيل وبيصلي الفرض بفرضه؟ إعملي حسابك، كتب الكتاب الجمعة الجاية. اتسعت عيناها وشهقت قائلة: هو غصب؟ ما كفاية المرة اللي فاتت. لو أصريت أنا هاهرب صدقني.

تدخلت والدتها تفلت خصلات شعرها من يد والدها قائلة: خلاص أبعد أنت، وأنا هاتكلم معاها. روح شوف كنت رايح فين. انصرف وهو يتمتم، فاقتربت والدتها قائلة بعتاب: حال إخواتك والله، دي عين وصابتنا، ربنا يهديك. دا عريس ميتعيبش. تتطلع إليها في صمت دون أن تنطق، وكأنها تسألها: أين مشاعر الأبوة؟ ردت عليها كمتهم يائس من الحياة باكتاف متهدلة وظهر منحني: ماشي، وذنبي في رقبتكم لو حصلت ليا أي حاجة، حتى لو محصلش، أنا ذنبي في رقبتك.

بعد أسبوع، تنهد بثقل. ذلك المشهد لا يغادر عقله، لا يتوقف في صحوته. رأسه لكنه ابتسم بهدوء عندما قابل رفيق أخيه، رفيق عمره، فحدثه قائلًا: عامل إيه يا رامي! بخير، من ساعتها وأنا مش مصدق ومش عايش. ابتلع غصة بحلقه والدموع زادت حرقه هاتفًا: الله يرحمه يا رامي، مش هاوصيك على أمي. يا رامي أنا لازم أنزل إسكندرية عشان شغلي، وانت بس هتخلي بالك من أمي، لو تعبت تقولي، وهي في واحدة بتيجي تساعدها في البيت. خيم الحزن عليه قائلًا: بتوصينى على مين!

دي أمي يا مروان. أنت هتكتب الكتاب دلوقتي! هز رأسه بالإيجاب قائلًا: مستني خالي هيجيب المأذون وهنكتب على طول ونطلع. وصلوا يا مروان اهو في الداخل. يجلس المأذون بين مروان وأبيها، تحدث عن أهمية الزواج. رفعت روان نظرها نحوه وجدته يبتسم بسخرية، انتفضت من داخلها رياح عاتية تنتزع ثباتها. شرع المأذون في مراسم عقد القران، وبالأخير وضع الدفتر أمامها. تضرعت لله في سرها ثم أمسكت بالقلم ونقشت حروف اسمها في الرقعة البيضاء. دقائق وكان المأذون يقول:

بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير. أغمضت عيناها، فهل مصيرها سيكون الزواج ثم الإنجاب؟ وقف في الخارج ينتظرها ليأخذها معه شقته بالإسكندرية. للأرض قائلًا: أنت مشيت في طريق بإختيارك، أوعى ثم أوعى تعمل خير يتقلب عليك شر. قطب حاجبيه وهو ينظر إليه، فتابع خاله وهو يرفع بصره إليه: طبعًا أي كلمة هتقولها غلط أو تحاول تكسرها، الثواب كله ضاع، ومش بس كدا، لأ هتشيل ذنب. خد بالك.

شعرت فجأة بكفه التي سحبتها، تجمدت كأنها لوح خشبي. سارت خلفه بصمت حتى وصلت لسيارته وفتح لها باب السيارة لتجلس ثم أغلق الباب خلفها. بعد مرور نصف ساعة كان مروان يضغط أكثر على دواسة الوقود مضاعفًا سرعته لدرجة خطرة، غير عابئ بالمخالفات التي سجلها. تحكم في المقود بإحدى قبضتيه وكفه الأخرى يفرك مقدمة رأسه، أما هي فغمامة سوداء غشت عقلها طوال الطريق، تفكر في مصيرها المجهول. لم تفق من غمامتها سوى أمام المبنى الذي به شقته.

صعدت وما أن فتح الباب صدمت من هيئة الشقة: غير نظيفة، تحوي ترابًا كثيفًا وشبك عنكبوت وبقايا طعام فوق الأثاث، منظرها مقزز، وملابس مبعثرة في كل مكان. رفعت يدها تضعها على أنفها، رائحة كريهة تملأ المكان. ظلت تتطلع له تارة وللشقة تارة أخرى ثم همست بذهول: إيه القرف اللي انت جايبنا فيه دا! أجابها بخشونة: الشقة كانت مقفولة، تركها وغادر الشقة دون أن يعطيها أي اهتمام. أما هي بحثت في الغرف عن غرفة لتنام بها ثم حملت حقيبتها معها وأغلقت الباب خلفها وأخرجت بعض الملابس المريحة وبدأت بتغييرها ثم غطت شعرها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى