قلت فقط:
«إذن انتهى كل شيء.»
رفعت رأسها فجأة.
لم تكن مصدومة.
كانت… مرتاحة.
وكأنني قلت ما كانت تنتظره منذ زمن.
تنفّست بعمق، ثم قالت:
«آدم…»
قاطعتها بلطف:
«لا داعي.»
استدرت ومشيت نحو الباب.
وأنا أخرج، سمعتها تهمس:
«شكرًا.»
لم ألتفت.
الجزء الرابع
حين سقط السر أمام والدتي
خرجت من مبنى الشركة وأنا أشعر بأن جسدي يتحرّك وحده، وكأن العقل قرر الانسحاب مؤقتًا.
الشارع كان مزدحمًا، الناس تمشي، السيارات تتوقف وتنطلق، والعالم مستمر كأن شيئًا لم ينكسر داخلي للتو.
ركبت سيارة أجرة دون أن أحدد وجهة.
قلت للسائق بعد لحظة:
«إلى البيت.»
البيت…
الكلمة بدت غريبة.
لم أعد متأكدًا أي بيت أقصد.
حين وصلت، كانت والدتي في غرفة الجلوس.
تحتسي قهوتها، تقرأ بعض الأوراق، تبدو هادئة كعادتها.
رفعت رأسها عندما رأتني.
تأملت وجهي طويلًا.
قالت بنبرة حذرة:
«أنت عدت مبكرًا اليوم.»
أجبت باقتضاب:
«لم أكن بخير.»
لم تضغط عليّ.
كانت تعرفني جيدًا.
حين أقول أقل، يعني أن هناك ما هو أكثر مما أستطيع قوله.
دخلت غرفتي، أغلقت الباب، وجلست على السرير.
أخرجت الهاتف، فرأيت عشر رسائل من ليلى…
لم أفتح أيًّا منها.
أطفأت الهاتف، وقررت أن أنام، لكن النوم لم يأتِ.
في المساء، خرجت لأشرب ماء.
وجدت والدتي جالسة في الظلام، التلفاز مطفأ.
قالت دون أن تنظر إليّ:
«آدم… هل هناك شيء تخفيه عني؟»
تجمّدت في مكاني.
تابعت بهدوء:
«أعرف نظرتك حين تفعل.»
جلست قبالتها.
لم أعد أملك طاقة للكذب.
قلت بصوت خافت:
«كنت على علاقة مع ليلى.»
ساد صمت ثقيل.
ظننتها لم تسمعني.
لكن يدها ارتجفت وهي تضع الكوب على الطاولة.
قالت ببطء، وكأنها تعيد الكلمات لتتأكد من معناها:
«ليلى؟ صديقتي؟»
أومأت.
نظرت إليّ طويلاً.
لم تصرخ.
لم تنهَر.
قالت فقط:
«منذ متى؟»
«خمس سنوات.»
خمس سنوات…
الجملة خرجت ثقيلة حتى على أذني.
وقفت فجأة.
بدأت تمشي في الغرفة جيئة وذهابًا.
ثم توقفت أمامي.
قالت بصوت مكسور:
«كنت أراها هنا… في بيتي… وأنت…»
لم تُكمل.
تابعت بعد لحظة:
«هل كانت تعلم أنك ابني؟»
رفعت رأسي.
«نعم.»
أغمضت عينيها.
كأن شيئًا انهار داخلها.
قالت بمرارة:
«كنت أثق بها.»
ثم نظرت إليّ مباشرة:
«وأنت؟ كيف استطعت أن تفعل هذا بي؟»
شعرت بالخزي يضغط صدري.
قلت بصوت منخفض:
«لم أقصد إيذاءك. لم أخطط لذلك. حدث الأمر… ثم لم أعرف كيف أخرج منه.»
سخرت بمرارة:
«أو ربما لم تُرِد أن تخرج.»
كانت محقّة.
لم أجادل.
جلست أخيرًا، وأسندت رأسها بيديها.
قالت بصوت متعب:
«خمس سنوات… وأنا كنت أظنها أختي.»
ثم رفعت رأسها، ونظرتها تغيّرت.
لم تعد حزينة فقط…
كانت غاضبة.
قالت بحزم:
«غدًا ستأتي إلى هنا.»
ارتجفت.
«من؟»
«ليلى.»
«أمي…»
قاطعتني:
«لا. كفى صمتًا. إن كانت تجرأت على خـ. . يانة صداقة امتدت عقودًا، فلتتحمّل المواجهة.»
في اليوم التالي، جلست والدتي في غرفة الجلوس، ظهرها مستقيم، ذراعاها متشابكتان.
كانت تبدو أقوى مما رأيتها منذ سنوات.
رنّ جرس الباب.
فتحت.
دخلت ليلى.
كانت شاحبة.
أنيقة كعادتها، لكن عينيها متوترتان.
قالت بصوت متردد:
«مرحبًا…»
لم تردّ والدتي التحية.
قالت مباشرة:
«منذ متى؟»
ابتلعت ليلى ريقها.
نظرت إليّ…
ثم إلى والدتي.
قالت بصوت خافت:
«منذ سنوات.»
وقفت والدتي.
قالت بهدوء مخيف:
«كنت أعتبرك عائلتي.»
حاولت ليلى الكلام، لكن والدتي رفعت يدها.
«لا تبرّري. لا تعتذري. فقط اخرجي من بيتي.»
قالت ليلى بارتباك:
«أنا… كنت أحبه.»
ضحكت والدتي ضحكة قصيرة بلا أي فرح.
«الحب لا يكون خيانة.»
ثم أشارت إلى الباب:
«اخرجي.»
خرجت ليلى دون كلمة أخرى.
حين أغلق الباب، شعرت بأن فصلًا كاملًا من حياتي أُغلق معه.
نظرت إليّ والدتي وقالت بهدوء:
«إن كنت تظن أنها رأتك يومًا شريكًا حقيقيًا… فقد عرفت الآن الحقيقة.»
ثم صعدت إلى غرفتها.
وتركتني وحدي…
أمام ما تبقّى مني.
—
يتبع



