
البيت فضي عليا وهدى أخيرًا، مفيش زن ولا خلاف ولا حد بيتدخل في كل نفس باخده.
خبر الأسهم انتشر في شركة المقاولات، والباشمهندس مدحت كلمني بنفسه، وكان بيتكلم معايا بمنتهى الأدب والاحترام:
أهلًا يا ست هانم، الشركة نورت. إحنا مستنيين حضرتك تشرفينا عشان نقدر نحدد خطة الشغل اللي جاية.
اتفقنا نتقابل أول ما أرجع من الغردقة.
قضيت أنا وأمي تلات أيام في الغردقة، بحر وشمس وأكل سمك رجّع الروح لجسمي. وفي يوم وإحنا قاعدين على البحر، أمي بصتلي وسألتني:
هتطلقي يا نهى؟
قلت وأنا باصة للبحر:
مش عارفة يا ماما. طارق مش شرير بطبعه، بس أمه مسيطرة عليه ومربياه على الدلع، وهو شبه العيل اللي مش راضي يتفطم. بس السؤال بقى: هو ممكن يفوق ويكبر ويبقى راجل يعتمد عليه؟ دي الحاجة اللي لسه مستنية أعرفها.
أمي ضحكت وقالت:
الرجالة يا بنتي فيهم اللي يوصل تمانين سنة ولسه خايب ومش عارف يشيل مسؤولية نفسه، وفيهم اللي قلم واحد من الدنيا يفوقه ويرجعه راجل. وإنتِ بقى ونصيبك في طارق!
يوم الخميس بالليل، تليفوني رن، ولقيت طارق بيتصل.
رديت:
أيوه يا طارق؟
قال بعصبية:
نهى، إنتِ فين؟
قلت:
في الغردقة.
صرخ في التليفون:
بتتصيفي وسايبة بيتك ومصايبك؟! إنتِ إيه، مفيش عندك دم؟!
اتنهدت وقلتله:
مصايب إيه بقى؟ الأسهم بقت باسمي، وحياتنا محتاجة نقعد ونشوف هنكمل إزاي بالراحة. في إيه تاني؟
قال بصوت متوتر:
أمي! أمي في المستشفى وضغطها عالي بسببك. تعالي!
اتخضيت وسألته:
مستشفى إيه؟
مستشفى السلام الدولي.
قلتله:
بكرة الصبح هكون في القاهرة.
نزلت من السفر الصبح، ومن غير ما أروح البيت، طلعت على المستشفى على طول. لقيت العيلة كلها متجمعة حوالين السرير. أول ما حماتي شافتني، لفت وشها ناحية الحيطة ونفخت بضيق.
عمته نعيمة قالت بتريقة:
يا فتاح يا عليم! الهانم الكبيرة شرفتنا من المصيف! سايبة حماتها بتتعب ومش فارق معاها!
طنشتها وقربت من السرير وقلت:
ألف سلامة عليكي يا طنط، خير إن شاء الله؟
حماتي ردت بعصبية:
لسه ماغبتش عشان تفرحي!
طارق مسكني من إيدي وخرجني بره الأوضة، وقال بضيق:
نهى، اقفي جنبنا في الظروف دي، وبلاش قسوة قلب!
بصيتله وقلت:
أنا مقولتش إني مش هقف جنبكم، بس هو طنط ضغطها عليّ أنا ليه؟
قال:
الدكتور قال إنها اتعرضت لزعل وتوتر شديد.
رديت عليه:
وطب مين اللي زعلها؟ إنت طبعًا! لو مكنتش سبت بيتك ليلة دخلتك، مكنش كل ده حصل.
طارق جز على سنانه وقال:
أنا قلتلك آسف! عايزاني أعمل إيه تاني؟ أركعلك في الشارع؟!
قلتله بهدوء:
أنا مش عايزاك تركع، أنا عايزاك تفهم إن الغلط من أوله لآخره غلطك إنت. وبلاش تمثل دور الضحية كل ما حد يواجهك بالحقيقة.
قال بسخرية:
خلاص يا ستي، أنا الغلطان. ارتحتي كده؟!
بصيتله بقرف وقلت:
مش دي الطريقة اللي راجل يعترف بيها بغلطه يا طارق. إنت كداب، حتى في اعتذارك!
عينيه دمعت، وسألني بصوت مكسور:
عايزة مني إيه يا نهى؟
بصيت في عينه وقلت:
عايزاك تفهم إن الجواز اتنين بيشيلوا بعض، مش واحد يدوس والتاني يستحمل ويسكت. أمك، وحبيبتك القديمة، والبرستيج الكداب بتاعك، كل دول لازم تحطهم ورا ضهرك. لو مش هتعرف تعمل كده، يبقى كل واحد يروح لحاله، ونطلق بالمعروف.
الطرقة هديت فجأة، وفي اللحظة دي عدّى ترولي التمريض بصوت عجلاته. طارق سند ضهره على الحيطة ومسح وشه بإيده من كتر التعب، وقال:
اديني شهر واحد بس يا نهى… شهر واحد، وهثبتلك إني اتغيرت وبقيت راجل تاني.
فكرت شوية، وبعدها قلتله:
قدامك شهر، بس موضوع الأسهم ده اتقفل خلاص، ومش عايزة أسمع سيرته تاني. دي حقي ومش هتنازل عنه.
هز راسه بالعافية، وكان واضح إنه مش طايق نفسه ولا عاجبه الكلام.
خرجت من المستشفى وطلعت على شركة المقاولات في مدينة نصر. الباشمهندس مدحت وباقي المديرين كانوا مستنييني في قاعة الاجتماعات. مدحت كان داخل على الخمسين، واشتغل مع الحاج عبد الحميد من زمان. أول ما دخلت، قام من مكانه وسلم عليا بترحاب وقال:
أهلًا يا ست هانم، الشركة نورت بحضور حضرتك.
قعدت وفتحت اللاب توب وقلتله:
يا باشمهندس، أنا مش جاية هنا بصفتي مرات طارق، أنا جاية بصفتي شريكة في الشركة وماسكة تلتها، وجاية أراجع الحسابات والميزانيات.
اتلخبط شوية وقال:
طبعًا يا فندم، كل التقارير المالية جاهزة وتحت أمرك.
بعد ساعة كاملة من القراءة والتدقيق، اكتشفت المصيبة اللي كانت موقعة الشركة في الأرض. على الورق الشركة مكسبة دهب، لكن في الحقيقة مفيش سيولة في الخزنة تكفي مصاريف شهرين قدام! والسبب ديون متراكمة بره، ومحدش بيتحرك عشان يلمها.
وأكبر مصيبة كانت ديون على شركة مقاولات تانية اسمها الصفوة، صاحبها واحد اسمه المعلم فرج، واكل عليهم تلاتين مليون جنيه بقاله سنتين، ومحدش حتى طالبه بقرش!
رفعت عيني من الورق وسألت مدحت:
الفلوس دي مرجعتش ليه لحد دلوقتي يا باشمهندس؟
مدحت بص لزمايله، ومسح العرق من على جبينه بتوتر وقال:
أصل… المعلم فرج صاحب طارق بيه وحبيبه، وطارق بيه كان موصينا نسيبه براحة ومنضغطش عليه.
بصيتله وأنا مش مصدقة اللي بسمعه:
نسيبه براحة؟! تلاتين مليون جنيه متبهدلين بره بقالهم سنتين، والشركة مش لاقية سيولة، وتقولي نسيبه براحة؟!
رد وهو بيحاول يبرر:
طارق بيه قال إن المعلم فرج ماسك عملية كبيرة في العاصمة الإدارية، وأول ما تخلص هيسدد اللي عليه.
قلتله بحزم:
كلام طارق مش هيمشي على الشركة. أنا شغلي أحمي الشركة وأوقف النزيف ده. الفلوس دي لازم ترجع، ومن بكرة الصبح المحامي بتاعي هينزل يعمل حجز تنفيذي على الشركة.
خرجت من الشركة وبعت رسالة لطارق:
بخصوص التلاتين مليون بتوع شركة الصفوة والمعلم فرج، أنا رفعت عليهم دعوى والحسابات هتتجمد بكرة.
طارق رد عليا في ثواني، وكأنه كان مستني رسالتي:
إنتِ بصفتك إيه تعملي كده؟! ده صاحبي وحبيبي، وده شغلي الخاص!
رديت عليه:
بصفتي شريكة في الشركة، ومعايا تلت رأس المال. ولما الشركة تقع، محدش هيشيلها غيري.
بعتلي:
نهى، بلاش جنان وسواد قلب!
طنشته وقفلت التليفون. وبعد عشر دقايق، وصلتني منه رسالة تانية:
نهى، المعلم فرج ده اسم كبير في السوق، لو حجزتي عليه، شكلي وسمعتي ووجاهتي هتبقى فين قدام الناس؟
رديت عليه بست كلمات خلّوا برجه العاجي يقع فوق دماغه:
هو البرستيج هيأكلك عيش لما تفلس؟!
بعد أسبوع، المحامي كلمني وبشرني إن الحجز القضائي جاب نتيجة، وإن المعلم فرج دفع عشرين مليون جنيه كاش عشان يفك الحجز عن الحسابات، والباقي كتب بيه شيكات مقبولة الدفع على تلات دفعات.
الدنيا بدأت تتظبط، والشركة أخيرًا بقى عندها سيولة تتنفس بيها.
أما طارق، فالأسبوعين دول كان عامل زي التلميذ المؤدب اللي خايف ياخد عقاب. كل شوية يبعتلي رسايل يعرفني هو فين وبيعمل إيه، ويرجع يتعشى معايا في الويك إند. حتى في يوم قرر يساعدني ويغسل المواعين، بس كسر طبقين وكوبايتين من كتر اللخبطة، وعمل نفسه في الآخر الزوج الحنين المهتم.
وحماتي خرجت من المستشفى، وبقت مش قادرة تزعق في وشي زي الأول، لكنها كانت بتبصلي بغل وتكتم اللي جواها بالعافية.
لحد ما جه اليوم المشؤوم…
كنت قاعدة في المكتب براجع شوية ورق، وفجأة الباب اتفتح بعنف واترزع في الحيطة. لقيت طارق داخل وعينيه بتطلع شرار، ووشه مكشر كأنه لسه خارج من خلاف.
رفعت عيني من الورق وسألته:
خير يا طارق؟ في إيه؟
قال بغضب:
إنتِ إيه اللعبة السودة اللي لعبتيها دي؟!
بصيتله باستغراب وقلت:
لعبة إيه يا بني آدم إنت؟!
طلع موبايله ورماه على المكتب بغل وقال:
إنتِ عارفة عملتي إيه في المعلم فرج؟! الراجل كلمني وبهذلني ومسح بكرامتي الأرض! بيقولي مراتك المتشددة جمدت حسابات الشركة وعطلت شغلي، وكنت هروح في داهية بسببها! وفوق كل ده بيسألني هو أنا سايب مراتي تسوقني وتتحكم فيا وتخرب بيته؟!
