
قومت من مكاني ووقفت قدامه بكل برود وقلت:
تجميد الحسابات إجراء قانوني، ومن حقي أعمله مع أي حد بيماطل وبيأكل شقى الشركة. والمحامي بتاعي بيعمل شغله بالأصول.
طارق زعق:
أصول إيه وقرف إيه؟! ده صاحبي ومنطقتي وسوقي! أنا هحط عيني في عينه إزاي بعد كده؟! هقف وسط المقاولين إزاي؟!
ضحكت بسخرية وقلتله:
يا طارق، الشغل شغل والصحوبية على القهوة. الراجل واكل عليك تلاتين مليون جنيه بقاله سنتين، وكل يوم يضحك عليك بكلمتين. دي الصحوبية اللي مريحاك أوي؟!
رد بسرعة:
قالي هيسددهم أول ما يخلص العملية الكبيرة!
ضحكت باستهزاء وقلت:
العملية الكبيرة دي كان بيقولك عليها السنة اللي فاتت، وبرضه مخلصتش! وهتفضل مخلصتش لحد ما الشركة تشهر إفلاسها، وإنت تقعد تشحت على بابها، عشان المعلم فرج صاحبك وحبيبك؟!
طارق اتخرس، ومبقاش عارف يرد بمنطق.
قربت منه وبصيت في عينه مباشرة وقلت:
إنت عارف الشركة دي كانت بتكح تراب ليه؟ عشان الديون الميتة اللي زي دي! مدحت مكنش قادر يفتح بقه مع فرج عشان صداقتك بيه ومكسوف يحرجك، وإنت كمان مكسوف منه، والفلوس بتضيع والشركة بتقع. لكن أنا مش بخاف من حد لما يكون ليا حق.
صوابعه كانت بتترعش من كتر الغيظ والعجز. بصيتله وسألته بنبرة هادية، بس كل كلمة فيها كانت بتخبط في دماغه:
عايزة أسألك سؤال واحد يا طارق… إنت صاحب شركة، ولا مجرد صبي بيقضي طلبات للمعلم فرج عشان يطبطب على كتفك ويقولك جدع؟!
الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة، وفضل واقف مصدوم مش عارف ينطق.
كملت وأنا مش ناوية أسيب له فرصة يهرب من الحقيقة:
دي شركة أبوك الحاج عبد الحميد! بدل ما تقف على رجلك وتديرها زي الرجالة، إنت قاعد تدلع وتطاطي لواحد واكل شقاك، وبعدين تيجي تكلمني عن البرستيج والمظهر؟! البرستيج الحقيقي إن الراجل يبقى قرشه في جيبه، ويحافظ على قيمة اسمه، مش يسيب حقه يتداس عليه قدام عينيه!
طارق فتح بقه عشان يرد، لكن صوته خانه ومطلعش منه ولا كلمة.
كملت كلامي:
بقالك أسبوعين بتقولي إنك بتتغير وبتصلح من نفسك. طب إنت اتغيرت بجد، ولا بتمثل عليا عشان أرضى عنك وتاخد اللي إنت عايزه؟ فكرت في عيوبك بجد؟
قال بسرعة:
أنا بفكر، ومبطلتش تفكير!
سألته:
ووصلت لإيه في تفكيرك؟
سكت وبص في الأرض، ومردش.
قلتله بهدوء كان أوجع من الزعيق:
مشكلتك يا طارق مش في أمك، ولا في الست شيرين، ولا في المعلم فرج. مشكلتك إنك عيل كبير مكملش رجولته، ومتعود على الدلع وإن الناس هي اللي تشيل شيلتك! أبوك زمان كان شايلك، ولما غاب أمك شالتك ودلعتك، ويوم ما اتجوزت كنت فاكر إني هبقى أمك التانية، اللي تدادي عليك وتطبطب على خيبتك وتداري وراك!
رد بصوت مهزوز:
أنا عمري ما فكرت كده…
قلتله بحسم:
لأ يا طارق، إنت فكرت ونص كمان، بس مش عايز تواجه نفسك بالحقيقة!
ليلة دخلتنا سبتني وجريت ورا شيرين، وكنت فاكر إني هعدّيها وأطبطب عليك. نقلت الأسهم باسمي، وكنت متوقع إني هتنازل عنها عشان خاطرك. ولما جبت محامي يرجّع فلوس الشركة، افتكرت إني هخاف على برستيجك وأسيب حق الشركة يضيع! كل تصرفاتك ماشية على منطق واحد: إن الدنيا كلها لازم تلف حواليك إنت وبس!
عينيه ولعت بالغضب، وقال وهو بيجز على سنانه:
نهى، خلصتي كلامك ولا لسه عندك سم تاني؟!
رديت ببرود:
لسه، لأن فيه حاجة عقلك لحد دلوقتي مش قادر يستوعبها.
قال بضيق:
إيه هي كمان؟!
قلتله:
إن جوازنا مش هيتصلح بكلمتين حلوين وشوية تمثيل. أنا محتاجة راجل بجد يسند ضهري وأقدر أعتمد عليه، مش عيل رافض يكبر ومستني حد يربيه!
وشه اتخطف، وفضل واقف مكانه مش مستوعب كلامي. بعدها لف وخرج بسرعة، ورزع باب الشقة وراه، وبعد ثواني سمعت صوت عربيته وهي بتفرك في الأسفلت وتبعد.
قعدت على الكرسي وخدت نفس طويل. وفجأة الموبايل اهتز برسالة من رقم مش متسجل. فتحتها، وعرفت صاحبتها من أول كلمة… شيرين.
كانت كاتبة:
يا نهى، طارق لسه نازل من عندي حالًا. الراجل جاب آخره من نكدك ومبقاش طايق عيشته. لو عايزة تتطلقي اتطلقي بالمعروف، وبطلي تعذبي فيه وتلوي دراعه!
ضحكت بسخرية. واضح إنها لسه فاكرة إنها ماسكة الخيوط.
كتبتلها:
خليكي في خيبتك وورطتك.
ردت بسرعة:
طارق بيحبني أنا، طول عمره بيحبني ومحبش غيري!
ما رديتش عليها. خليها تتسلى بالوهم اللي عايشة فيه.
اتصلت بأمي، وأول ما ردت سألتني:
خير يا ضنايا؟ صوتك ماله؟
قلت لها:
أنا هتطلق يا ماما.
سكتت لحظة، وبعدها قالت بحزم وحنية:
جدعة يا بنتي، وأنا في ضهرك وسنداكي. الراجل اللي يبيعك من أول ليلة ما يستاهلش حتى تبصي وراكي عليه.
قفلت معاها وأنا حاسة إن حمل كبير اتشال من على صدري. خلاص، الستارة قربت تنزل.
تاني يوم الصبح، كنت في مكتب الأستاذ عصام المحامي في الدقي.
قعدت قدامه وقلت من غير مقدمات:
أستاذ عصام، أنا عايزة أطلق.
عدل نظارته وسألني:
فكرتي كويس يا مدام نهى؟
فكرت، ومفيش رجوع.
بدأ يراجع الورق وقال:
الاتفاق القديم كان ظالمك جدًا، بس عقد التنازل والأسهم أنصفوكي. الحصة دي لوحدها ثروة. طيب وباقي الممتلكات؟
قلت بحسم:
مش عايزة منه ولا قشة. الشقة ملك أهله، يشبعوا بيها. العربية بتاعته ومش محتاجاها. المهر والشبكة هرجعهم له بالقرش والمليم عشان ما يفضلش له عندي حاجة. اللي ليا هو الأسهم اللي باسمي، ونصيبي في الحساب البنكي المشترك.
هز راسه وقال:
تمام، هجهز اتفاق الطلاق الودي. بس مش عارف طارق هيوافق يمضي بسهولة ولا لأ.
ابتسمت بثقة وقلت:
هيمضي، لأن في إيدي كارت يخليه يشكر ربنا إني وافقت أطلق بالود.
استغرب وسألني:
كارت إيه؟
شربت رشفة قهوة وقلت:
وليد… خطيب شيرين اللي كان معاها في الأزمة. ده مش مجرد خطيبها، ده ابن المعلم فرج صاحب شركة الصفوة اللي كان واكل تلاتين مليون من شركة طارق!
بصلي عصام بصدمة، فطلعت ملف من شنطتي وكملت:
شيرين مرجعتش لطارق عشان بتحبه ولا عشان قصة الحب القديمة. دي كانت لعبة متدبرة. المعلم فرج وابنه وليد هما اللي رجعوها تلف حواليه وتشغله بيها، عشان يفضل مأجل المطالبة بالفلوس ويسيب لهم التلاتين مليون. الملف ده فيه صور محادثات بينها وبين صاحبتها، وكشوفات تحويلات من وليد لحسابها عشان تكمل اللعبة.
عصام قلب في الورق وقال بدهشة:
وطارق يعرف الكلام ده؟
ضحكت وقلت:
المغفل ما يعرفش حاجة، وعايش في مية البطيخ.
سألني:
وناوية تقوليله؟
قلت:
لأ، ده كارت هستخدمه لو حاول يتمنظر أو يرفض الاتفاق. لو وافق يطلق بالمعروف وبشروطي، هقفل الموضوع ومش هفضحه. إنما لو لعب فيها سبع البرمبة، الورق ده هيتحط قدام مجلس إدارة الشركة، وساعتها المعلم فرج وابنه هيتحاسبوا على اللي عملوه، وطارق هيبقى أضحوكة السوق كله.
عصام بصلي بإعجاب وقال:


