
الله أكبر عليكي يا مدام نهى، ست بميت راجل!
ابتسمت وقلت:
الحياة ما بتعلمش بالساهل يا أستاذ عصام، واللي يتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي.
في نفس اليوم العصر، اتفقت مع طارق نتقابل في كافيه هادي على النيل في المعادي.
وصل وهو باين عليه التعب، عينيه منفخة وحمرا، وشكله كأنه ما بينامش من أيام.
قعد، ومن غير ما أستنى يتكلم قلتله:
طارق، إحنا حكايتنا خلصت، ولازم نطلق.
اتنفض من مكانه وقال:
إنتِ بتقولي إيه؟! طلاق إيه؟!
قلتله:
زي ما سمعت، طلاق رسمي وبالأصول.
وقف بعصبية وقال:
إنتِ اتجننتي؟! مش قولتي تديني فرصة شهر نصلح فيه اللي اتكسر؟!
بصيت في الموبايل وقلت:
فاضل على الشهر اتناشر يوم، بس خلاص مبقاش ليهم لازمة. كل حاجة بانت على حقيقتها.
سألني بارتباك:
بانت إيه؟!
قلتله:
بانت إنك عمرك ما هتتغير يا طارق. إمبارح بالليل كنت فين؟ مش روحت لشيرين وقلتلها إنك طهقت مني وعايز تطلقني وتخلص من النكد؟ ولا هتنكر؟
وشه اتخطف وقال:
هي… هي اللي قالتلك؟
طلعت الموبايل ووريته الرسايل:
أيوه، وبعتتلي تشمت وتتبجح كمان.
فضل باصص للشاشة ووشه اسود، ومطلعش منه حرف.
سألته بهدوء:
طارق، إنت بتحب شيرين دي بجد؟
اتلجلج وقال:
أنا… مبقتش عارف.
طلعت الملف من شنطتي وحطيته قدامه وقلت:
طب تعالى أفوقك من الوهم اللي إنت عايش فيه. افتح الملف واقرأ كويس، واعرف حب عمرك كان بيعمل فيك إيه.
فتح الملف، وكل ورقة كان بيقلبها كانت بتغير لون وشه. من الشحوب للاحمرار، وبعدها بقى وشه زي رماد السيجارة، وإيده بتترعش.
قال بصدمة:
ده… ده كدب! مستحيل!
رديت ببرود:
دي الحقيقة يا طارق. قصة الحب اللي إنت عايش فيها دي كانت فخ متدبرلك من سنتين. بعد غياب الحاج عبد الحميد، شركة الصفوة كان عليها تلاتين مليون جنيه. المعلم فرج وابنه وليد عرفوا إنك مش فاهم في السوق، فرجعوا شيرين لحياتك عشان يشغلوك بيها. وكل ما تيجي تطالبهم بالفلوس، تفتكرها وتتكسف وتقول دول أصحابي. كل قعدة كنت بتقعدها معاها كان تمنها ملايين من شقا أبوك!
طارق اترمى على الكرسي، وكأنه فقد القدرة حتى على الحركة.
كملت كلامي:
والأدهى من كده، إن زيارتك ليها في المستشفى اتسجلت واتصورت. كانوا عايزين يستخدموا الصور دي لو دخلنا محاكم، ويثبتوا إنك سبت بيتك بمزاجك وإن أنا اللي نشزت. إنت كنت مجرد مغفل وكوبري هما بيعدوا عليه!
رفع راسه بصعوبة وسألني:
إنتِ جبتي الورق ده منين؟
قلتله:
مش مهم جبته منين، المهم دلوقتي هتعمل إيه؟
دفن وشه بين إيديه وسكت فترة طويلة، وبعدها رفع راسه وقال:
طب ليه بتقوليلي الكلام ده يا نهى؟ ليه كشفتي كل ده؟
بصيتله وقلت:
عشان حتى وأنا ماشية، أصولي ما تسمحليش أسيبك مغفل والناس بتضحك عليك. أنا مبقتش بحبك يا طارق، ومبقتش حتى كارهـاك. كل اللي عايزاه إننا ننهي الموضوع بالمعروف، وكل واحد يروح لحاله بكرامته.
بصلي بعينين مكسورة وقال:
ماشي يا نهى… الطلاق.
طلعت ورقة الاتفاق وحطيتها قدامه وقلت:
المحامي جهز كل حاجة. الأسهم بتاعتي ومش هترجع، الشقة والعربية بتوعك ومش عايزاهم، والشبكة والمهر هرجعهملك لحد البيت، والفلوس اللي في الحساب المشترك هتتقسم بالنص.
عروق رقبته برزت من الغضب وقال:
الأسهم تاني يا نهى؟! إنتِ لسه عارفة إن شيرين والمعلم فرج تلاعبوا بيا! المفروض ترجعيلي حقي وتقفي جنبي!
بصيتله بحدة وقلت:
لأ يا طارق، دي حاجة ودي حاجة تانية. الأسهم إنت كتبتها لي بمزاجك، وبقت ملكي بالقانون. وبعدين فكر بعقلك، لو مكنتش نقلتها باسمي، كان زمان شيرين ووليد لعبوا بعقلك أكتر، وخدو منك توكيلات وباعوا الشركة وشردوك! أنا كنت الحيطة اللي وقفت قدام ضياع ورثك، والتلاتين مليون اللي رجعناهم هما اللي خلّوا الشركة تقف على رجليها تاني.
فتح بقه عشان يجادلني، لكنه ما لقاش كلمة واحدة يرد بيها.
زحلقت القلم ناحيته وقلت:
امضي يا طارق، وننهي الموضوع بشياكة وأستر عليك. بدل ما الورق ده ينزل بكرة قدام مجلس الإدارة، وساعتها سيرتك تبقى على كل لسان في السوق، والمعلم فرج وابنه يلبسوا دعوى، وإنت تبقى أراجوز الليلة.
بصلي بعينين مليانة قهر وعجز، وبعدها بص للورق وقال:
إنتِ قلبك حجر وقاسية أوي يا نهى.
رديت بثبات:
مش قسوة يا طارق، ده عقل بيفكر وبيحسبها صح.
مسك القلم وإيده بتترعش، وبدأ يمضي على اتفاق الطلاق. ولما خلص آخر سطر، رمى القلم على الترابيزة بعنف، وسند ضهره على الكرسي وغمض عينيه. دموعه نزلت على خديه، ومقدرش حتى يداريها.
خرجت من الكافيه وسايبة طارق ورايا، من غير ما أبص حتى ورا ضهري. كنت حاسة إن في حمل تقيل اتشال من على قلبي، وإن الصفحة اللي فضلت أحاول أصلحها سنين اتقفلت أخيرًا.
بعد أسبوع، تم الطلاق رسمي، ورجعتله الشبكة والمهر زي ما اتفقنا، وخدت حقي في الحساب المشترك، واحتفظت بالأسهم اللي بقت ملكي. أما الشقة والعربية، فسيبتهم له من غير ما أطلب فيهم حاجة.
طارق حاول يتصل بيا أكتر من مرة، وبعتلي رسايل طويلة بيعتذر فيها، لكني ما رديتش. مش عشان كنت عايزة أعاقبه، لكن عشان كنت عارفة إن الرجوع لنفس الحكاية مش هيغير نهايتها.
أما المعلم فرج وابنه وليد، فالموضوع ما خلصش عند التلاتين مليون. بعد ما اتأكدت من المستندات والتحويلات والمحادثات، الملف اتقدم للجهات المختصة، وبدأت التحقيقات في اللي حصل. وشيرين، اللي كانت فاكرة إنها تقدر تلعب على الكل وتطلع سليمة، لقت نفسها وسط أزمة أكبر من اللي كانت متخيلاها.
وبعد فترة، عرفت إن خطوبتها من وليد اتفسخت، وإن كل واحد فيهم بدأ يرمي التهمة على التاني، بعد ما المصالح اللي كانت مجمعاهم انتهت.
أما شركة الحاج عبد الحميد، فبدأت مرحلة جديدة. عملنا مراجعة شاملة للحسابات، وقفّلنا أبواب المجاملات اللي كانت بتضيع الفلوس، وحطينا خطة لإعادة هيكلة الشركة. مدحت فضّل في منصبه بعد ما اتفقنا على نظام واضح للمحاسبة والمتابعة، وبقت كل القرارات المالية بتتراجع قبل ما تتنفذ.
ومع الوقت، الشركة رجعت تقف على رجليها، واسمها رجع يتقال في السوق باحترام.
وفي يوم، كنت قاعدة في مكتبي براجع تقرير الأرباح، لما مدحت دخل وقال بابتسامة:
مبروك يا مدام نهى، السنة دي الشركة حققت أعلى أرباح ليها من سنين.
ابتسمت وأنا بقلب في التقرير وقلت:
الحمد لله، المهم إننا نتعلم من أخطاء اللي فات.
خرج مدحت، وفضلت لوحدي شوية. افتكرت طارق، وافتكرت إزاي كان فاكر إن الشركة هتفضل ماشية مهما أهملها، وإن الفلوس ممكن تستحمل أي مجاملة. لكن الحقيقة إن اللي ما يحافظش على النعمة، بيخسرها حتى لو كانت جاية له بالوراثة.
بعد شهور، قابلته بالصدفة في مناسبة عند واحد من معارفنا. كان واقف لوحده، ولما شافني قرب بخطوات مترددة.
قال بصوت هادي:
إزيك يا نهى؟


