
ابتسمت بأدب وقلت:
الحمد لله، إنت عامل إيه؟
قال وهو باصص في الأرض:
بحاول أظبط حياتي. دخلت في شغل الشركة بنفسي، وبقيت أتابع الحسابات والمشاريع. يمكن اتأخرت، بس فهمت إن أبويا ما سابليش شركة وبس، ده سابلي مسؤولية كان لازم أشيلها من زمان.
بصيتله وقلت:
كويس يا طارق. أتمنى تنجح وتعرف تحافظ على تعب أبوك.
سكت شوية، وبعدها قال:
أنا عارف إنك مش هترجعي، بس حبيت أقولك إني فهمت حاجات كتير بعد ما خسرتك. كنت فاكر إنك هتفضلي موجودة مهما عملت، وإنك هتسامحيني في كل مرة. ما فهمتش قيمتك غير لما بقيت مش من حقي حتى أسألك رايحة فين أو راجعة إمتى.
رديت بهدوء:
أنا ما كنتش عايزة منك فلوس ولا قصور يا طارق. كنت عايزة أحس إن ليا مكان في حياتك، وإنك راجل أقدر أسند ضهري عليه. بس كل واحد بيتعلم بطريقته، وإنت اتعلمت متأخر.
هز راسه وقال:
عندك حق. ربنا يوفقك يا نهى.
قلتله:
ويوفقك.
ومشيت.
ما حسيتش بانتصار، ولا فرحت إني شوفته مكسور. بالعكس، حسيت إن كل اللي كنت محتاجاه حصل: إني خرجت من الحكاية دي من غير ما أخسر نفسي.
بعدها بأيام، كنت قاعدة مع أمي في جنينة بيتنا، وبنقص الورد ونشيل الفروع الناشفة. أمي بصتلي وابتسمت وقالت:
فاكرة يوم ما كنتِ بتقصي الورد ليلة فرحك؟
ضحكت وقلت:
فاكرة يا ماما، كأنه إمبارح.
قالتلي:
وساعتها كنتِ بتفكري في إيه؟
بصيت للورد وقلت:
كنت فاكرة إني بقص الفروع الميتة من الشجر، بس دلوقتي فهمت إني كنت بقص من حياتي كل حاجة كانت بتخنقني. كنت محتاجة أسيب مكان للحاجات الجديدة إنها تكبر.
أمي مسكت إيدي وقالت:
ربنا يعوض قلبك يا بنتي.
ابتسمت وبصيت للسما.
أنا نهى، بنت الحاج جلال. اتعلمت إن البنت مش لازم تستنى راجل ينقذها، ولا تستحمل الإهانة عشان تحافظ على شكل بيتها قدام الناس. وإن الجواز مش ورقة ولا فستان أبيض ولا صور فرح، الجواز أمان واحترام وسند، ولو الحاجات دي مش موجودة، يبقى التمسك بالاسم مش بطولة.
واتعلمت كمان إن الفلوس ممكن تتعوض، والشغل ممكن يبدأ من جديد، وحتى القلب المكسور ممكن يخف مع الوقت، لكن كرامة الإنسان لو هو بنفسه فرّط فيها، محدش هيقدر يرجعهاله.
أنا ما خسرتش جوازة يا أمي… أنا كسبت نفسي.
وساعتها عرفت إن بعض النهايات مش خسارة، دي بداية حياة جديدة… بس المرة دي، من غير ما أسمح لحد يكتب نهايتها بدالي.
تمت

