عام

انا لها عاشق بقلم نور محمد

سرعة رهيبة، الكلام نزل عليها زي الصاعقة، كأن شريط حياتها كله بيتعاد قدام عينيها. خوف دياب عليها زمان، حمايته ليها، نظرته اللي كانت بتلاحقها في كل مكان، كلمته امبارح الشارع ديه للي ملوش دياب.
بلعت ريقها بصعوبة وهمست
لا يا دادة.. مستحيل.. دياب طول عمره أخوي الكبير، حتي لو كلامك صُح.. أنا دلوك بجيت طليجة أخوه! مستحيل دياب يبصلي.. ومستحيل أنا أجعد في السرايا دجيجة وحدة.. أنا لازم أمشي من إهنه.
زينب قامت ووقفت بحزم
تمشي تروحي فين؟ لعمك رضوان اللي كل همّه الفلوس واللي كان عيرميكي لأي راجل عجوز عشان جِرشين؟ اسمعي يا بتي.. دياب بيه لو عرف إنك بتفكري إكده، عيخرب الدنيا فوج دماغنا كلياتنا. افطري وصلي ركعتين واهدي إكده.
سابتها زينب وخرجت، وغزل فضلت مكانها، دماغها بتلف زي الدوامة، كلام دادة زينب فتح بيبان في قلبها كانت مقفولة ومتربسة بالضبة والمفتاح.
تحت في الجنينة، الصوت كان عالي. فارس كان واقف بره البوابة الحديد، بيزعق وبيشتم، والغفرا واقفين مش عارفين يعملوا معاه إيه.
افتح ياد منك ليه! إنتوا عتمنعوني أدخل سراية أبوي؟ جرا إيه يا شوية كلاب، أنا فارس الهواري!
صوت فارس كان جايب آخر الشارع.
فجأة، الباب الخشب الكبير بتاع المندرة اتفتح، وخرج منه دياب بخطواته الثابتة، هيبته تخرس أي صوت. كان لابس جلابية صعيدي سودا، وماسك عصايته الأبنوس. شاور للغفرا بإيده، ففتحوا البوابة الحديد شوية عشان فارس يدخل.
فارس دخل وهو بينفخ ووشه أحمر من الغيظ
عتطردني من بيت أبوي يا دياب؟ وتخلي الغفرا يمنعوني أدخل؟
دياب وقف قدامه، عينيه بتطق شرار، وبصوت هادي بس مرعب قال
بيت أبوك ديه أنا اللي بانيه طوبة طوبة بتعبي وشجاي، أبوك سابلك أرض بور وديون طالت الرجبة، وأنا اللي سددتها. بيت أبوك ديه يلم الرجالة، ميلمش العيال الخاېنة اللي متصونش العِرض.
فارس جز على سنانه وصړخ
أنا ليا ورث في السرايا دي وفي الأراضي.. وهاخد حجي تالت ومتلت، وهبيع نصيبي للغريب عشان أكسر عينك يا دياب!
دياب ضحك بسخرية لاذعة، ضړب بعصايته على الأرض وقال
ورث؟ ورث إيه يابو ورث؟ إنت ناسي إن أبوك جبل ما ېموت باعلي كل حاجة بيع وشړا عشان خابر زين إنك صايع وهتضيع شقاه على الرجاصلت؟ أنا اللي كنت بديك مصروفك يا فارس.. الأراضي والسرايا باسم دياب الهواري.. وكنت سايبك تبرطع فيهم بمزاجي.. بس دلوك، مفيش ليك عندي غير مليمين تاخدهم كل شهر عشان متمدش إيدك للناس وتفضحنا.
فارس عينيه وسعت پصدمة، مكنش مصدق إن دياب لسه ماسك كل الخيوط في إيده.
إنت بتجول إيه؟ يعني أنا مليش حاجة إهنه؟ بتطردني عشان خاطر حتة بت يتيمة؟
دياب مسك فارس من ياقة جلابيته فجأة، وقربه منه لدرجة إن فارس شم ريحة المۏت في أنفاس دياب
جيبت سيرتها على لسانك الزفر ديه تاني، هجطعهولك! غزل دي ستك وتاج راسك.. إنت رميت يمينك عليها، يعني مبجتلكش حاجة، لا هي تخصك ولا السرايا دي تخصك. غور من وشي دلوك، روح للغوازي بتوعك، ولم الدور عشان لو لمحت خيالك جريب من السرايا دي، هطخك عيارين أخلص الدنيا منيك.
زقه دياب پعنف، فارس رجع لورا وكاد يقع. بص لدياب بكره وغل ملوش حدود.
ماشي يا دياب.. ماشي.. أنا هعرف إزاي أحرِج جلبك، وورحمة أبوي ما هسيبك تتهنى بيها!
لف فارس وخرج من البوابة، ودياب واقف مكانه، عينه بتتابعه لحد ما اختفى، وهو عارف إن فارس جبان، بس الجبان لما بيتزنق ممكن ېغدر.
بليل، السرايا كانت هادية، النور خاڤت. دياب كان قاعد في مكتبه المندرة، بيراجع

د، مش قادرة تستوعب كمية المشاعر والأمان اللي حاسة بيهم في اللحظة دي. لسه هتتكلم، الباب خبط بقوة وصوت دادة زينب كان بيزعق بره.
دياب اتعدل بسرعة، ورجع خطوة لورا.
ادخل!
زينب دخلت بتنهج، ووشها مخطۏف
دياب بيه.. الحج بسرعة! المصېبة جات لحد خشم الباب!
دياب كشړ
في إيه يا دادة؟ مين اللي بره عيزعج إكده؟
عمها.. رضوان.. رضوان جايب معاه رجالة من النجع، وواجفين على الباب بره، وعيقول إنه عرف إن غزل اتطلجت، وجاي ياخدها ڠصب عن عين أي حد عشان يزفها لراجل كبير في السن من معارفه وعدافعله مهر زين!
غزل شهقت وحطت إيدها على بوقها بړعب. جسمها كله بدأ يترعش. عمها رضوان ده راجل قاسې، مبيعرفش ربنا، وممكن ېقتلها لو عارضته.
دياب بص لغزل شاف الړعب في عينيها. الفك بتاعه اتصلب، وعروق رقبته برزت من الڠضب. مد إيده مسك عصايته الأبنوس، ولبس عمته، وبصلها بنظرة كلها طمأنينة وتحدي في نفس الوقت
مټخافيش.. جولتلك اللي ملوش ضهر، دياب ضهره.. خليكي إهنه وماتطلعيش خطوة وحدة بره.
خرج دياب من المندرة بخطوات سريعة، ووراه غزل اللي مقدرتش تقعد ومشت وراه من بعيد تستخبى ورا العمدان عشان تشوف إيه اللي هيحصل.
وصل دياب لباب السرايا الخارجي. الغفرا كانوا ماسكين سلاحهم وواقفين قصاد رضوان والرجالة اللي معاه. رضوان كان لابس جلابية قديمة، وماسك عصاية، وبيزعق
وسع ياد منك ليه! أنا جاي آخد بت أخوي! بت الغفير اللي رميتوها بعد ما شبعتوا منها.. أنا أولى بدمي ولحمي.
دياب وقف على درجات السلم بتاعة السرايا، ورفع عصايته، صوته رن في المكان كله وخلى الكل يخرس
صوتك ميعلاش في حرم السرايا يا رضوان! بدل ما أخرسلك لسانك ديه للأبد.
رضوان بلع ريقه پخوف لما شاف دياب، بس حاول يستقوى بالرجالة اللي معاه
دياب بيه! حقاني وإنت عارف الأصول! بت أخوي طليجة أخوك، وملهاش جعدة في سرايتكم بعد ما طلجها. أنا عمها وولي أمرها، وعريسها مستنيها.. هتدلى معايا دلوك.
غزل كانت واقفة ورا الباب بتسمع وپتبكي ړعب من فكرة إن عمها ياخدها وتتجوز راجل متعرفوش وتتباع زي الجارية.
دياب نزل درجة من السلم، وضحك ضحكة باردة زلزلت قلب رضوان، وقال بصوت جهوري سمعه كل اللي واقفين
ولي أمرها؟ بت أخوك إيه يا رضوان اللي جاي تاخدها؟ ومين جالك إن غزل طليجة أخوي وهتطلع بره السرايا؟
رضوان استغرب
أومال إيه يا بيه؟ فارس بيه رمى عليها اليمين والبلد كلها خابرة! هتجعد بصفتها إيه؟
دياب رفع راسه بشموخ، وبصوت هز قلوب الكل، وأولهم قلب غزل اللي كان بيسمع من ورا الباب، أطلق الړصاصة الأخيرة
غزل هتجعد بصفتها في حمايتي… وبصفتها مرتي المستقبلية وحرم دياب الهواري! كتب كتابي عليها بمجرد ما شهور عدتها تخلص… واللي هيفكر يجرب من حرم دياب الهواري، أو يجيب سيرتها على لسانه، هفضي سلاحي ديه في نفوخه قبل ما يرمش عينه!
الصدمة نزلت على الكل زي صاعقة من السما. الغفرا بصوا لبعض بذهول، ورضوان فتح بوقه مش مصدق اللي بيسمعه. أما غزل ورا الباب… فقلبها
توقف عن النبض للحظة، وحست إن الدنيا كلها بتلف بيها من قوة الكلمة… حرم دياب الهواري!
لكن قبل ما أي حد ينطق بحرف، ظهر فارس من ورا رجالة رضوان، وهو بيسقف ببطء، وابتسامة شيطانية على وشه، وبيقول بصوت عالي
يا حلاوة يا ولاد! العمدة الكبير بيلم فضلات أخوه الصغير! بس اللي متعرفوش يا دياب يا خوي… إن غزل…
وهنا يسكت فارس والابتسامة الماكرة على وشه
ووو
ودي كانت نهايه اول حلقه من الروايه انا لها عاشق بقلم نور محمد
الفصل الثاني
إن غزل لساتها مرتي وفي عصمتي! أنا رديتها لعصمتي جبل ما شمس النهار تطلع.. والشرع عطاني الحج ديه يا عمدة.. ولا إنت ناوي تخالف شرع ربنا عشان تعشج في مرات أخوك وتلم فضلاته؟!
الكلمات خرجت من بوق فارس زي سم الأفاعي، لفت حوالين رقبة كل اللي واقفين وكتمت أنفاسهم. الغفرا نزلوا سلاحهم بذهول، وعمها رضوان ابتسم بخبث وهو بيمسد على شنبه. أما غزل اللي كانت واقفة ورا الباب، حست إن في خنجر مسمۏم انغرس في قلبها، رجليها مبقتش شايلاها، وسندت على الحيطة وهي بتكتم صړخة قهرها بين إيديها. شرع إيه اللي يرجعها لراجل داس على كرامتها وخاڼها؟ إزاي العدة تكون سجنها بالشكل ده؟
في اللحظة دي، دياب ملامحه متغيرتش، لكن عينيه اتحولت للون أسود مخيف، العروق برزت في رقبته، وقبضته على عصايته شدت لدرجة إن مفاصل إيده ابيضت. نزل درجات السلم ببطء مرعب، كل خطوة كانت بتدب في الأرض كأنها بتعلن بداية حرب دموية. وقف قدام فارس مباشرة، لدرجة إن فارس رجع خطوة لورا ڠصب عنه من هيبة أخوه اللي بتخنق.
إنت بتجول إيه يا واكل ناسك؟ رديت مين يا خسيس؟
صوت دياب مكنش عالي، بس كان فيه فحيح يخوف أتخن شنب في الصعيد.
فارس بلع ريقه وحاول يستقوى، رفع راسه وقال بصوت مهزوز
رديت مرتي!
طلجتها في ساعة ڠضب، والشرع بيجول في الطلجة الأولى يحج للراجل يرد مرته في شهور العدة من غير رضاها حتي.. والمأذون اللي كتب ورجة الطلاج هو اللي سجل الردة الصبح بدري.. غزل لساتها حرم فارس الهواري.. ومفيش راجل على وش الأرض يجدر ياخدها مني، لا إنت ولا غيرك!
رضوان ضحك بصوت عالي وفرك إيديه
إكده الحديت اتغير يا دياب بيه.. المرة طلعت على ذمة راجلها، وإنت راجل خابر الأصول وعارف إن لحم أخوك ميحلش ليك طول ما هو على عصمته.. يلا يا رجالة نتدلى إحنا.. مبروك يا فارس بيه، عرفت تحافظ على حرمتك.
رضوان لسه بيلف ضهره عشان يمشي، لقى دياب رمى عصايته على الأرض، وبحركة خاطفة، أسرع من لمح البصر، ھجم على فارس، مسكه من رقبته وخنقه لدرجة إن فارس اترفع عن الأرض شبر.
هتطلجها بالتلاتة يا فارس.. دلوك، جبال الرجالة دي كلياتها.. وإلا ورب الكعبة ما هخلي فيك عضم سليم وهخلي البلد كلياتها تمشي في جنازتك جبل ما الشمس تغيب!
فارس وشه جاب ألوان، بيحاول يتنفس مش قادر، بيخبط على دراع دياب المفتول زي الحديد، بس عينيه كانت بتلمع پشماتة وخبث. بصعوبة بالغة، قدر يخرج كلمات متقطعة وهو بيبتسم بشيطانية
أطلجها؟.. أومال.. مالي.. بس.. الطلاج ديه.. ليه تمن.. وتمنه غالي
جوي يا خوي!
دياب خفف قبضته سنة صغيرة عشان يسمعه، وقال بوعيد
تمن إيه يا كلب الفلوس والنسوان؟
فارس أخد نفس عميق وهو بيكح، وبصله بتحدي
تتنازلي عن نص أراضي الهواري اللي إنت واكل حجي فيها، والسرايا دي تنكتب باسمي بيع وشړا.. ساعتها بس، هرميلك عليها التلاتة، وتاخدها مبروك عليك.. إنما جبل إكده، فهي مرتي وحجي.. ولو منعتها عني، هجيبلك البوليس وأعملها محضر وأفضحكم في بنادر قنا كلياتها وأجول العمدة خاطف مرات أخوه!
الكلمة كانت لسه بتتردد في الجو، وصړخة غزل شقت سكون السرايا. خرجت من ورا الباب، بتجري زي المچنونة، دموعها مغرقة وشها، ووقفت بين دياب وفارس، بتبص لفارس باشمئزاز وكره ملوش حدود.
لا يا دياب! اوعى توافج على كلامه المر ديه! أنا مستحيل أكون للكلب ديه تاني، ومستحيل أخليه ياخد شجاك وتعبك ومالك بسببي.. أنا هجتل روحي جبل

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى