عام

ولنا فى الحب حياه ل نرمين عادل همام ١

تاني يوم الصبح، كتبت بيان طويل ونشرته على صفحتي. ما كانش فيه شكوى ولا ترجي ولا بكاء؛ أرفقت فيه أربع مستندات محددة بعد ما خفيت البيانات الشخصية وسبت التواريخ بس:

شهادة وفاة أمي.. إيصالات المصاريف والعملية.. تحويل الـ 500 ألف جنيه اللي رجعته فوراً لأدهم.. وتصريح المستشفى وتاريخ ليلة الدخلة.

وفي نهاية البيان كتبت بخط واضح:

“أنا ما طلبتش 20 مليون ولا قرش واحد.. أنا كل اللي أطلبته هو حريتي وطلاقي بدون شروط تعسفية أو بنود سرية تكمم فمي. وأي صفحة أو جهة هتنشر أخبار كاذبة، هتواجه البلاغات والقضاء فوراً.”

البيان قلب السوشيال ميديا راساً على عقب، والرأي العام بدأ يقلب ضد اللي ظلموني. الناس بدأت تتتبع مصدر الشائعة الأولى، واكتشفوا إن الصفحة تابعة لشركة إعلامية مموّلة من علامة المجوهرات الجديدة اللي لسه شاهيندا مقتبساها ومؤسساها.

في أقل من نص يوم، تلفوني رن باسم أدهم 17 مرة.. ما رديتش. وفي المكالمة الـ 18 عملت لرقمه بلوك.

على العصر، وصل المحامي بتسوية الطلاق الجديدة؛ تنازل كامل من طرفه، وتقسيم الممتلكات حسب الشرع والقانون، بدون أي تعويضات ولا بنود سرية تمنعني أتكلم، وموقعة برغبة أدهم.

بصيت لخط إيده المعروف على الورقة.. زمان كنت بفرّح لو وقع لي على كارت معايدة، والنهارده خط إيده بيديني الحاجة الوحيدة اللي كنت محتاجاها: حريتي.

وقعت في نفس اليوم، وبسبب عدم وجود أطفال أو نزاعات على الممتلكات، الإجراءات تمت أسرع مما اتوقعت.

يوم استلام قبالة الطلاق، المطر كان بينزل بغزارة قدام مكاتب التوثيق. كان أدهم واقف تحت السقف من غير شمسية، عينه على الدفتر والورق اللي في إيدي.

قرب مني وقال بصوت هادي:

ـ “يارا.. انتِ مش محتاجة أي حاجة بجد؟”

ـ “أنا استرديت الحاجة الوحيدة اللي كانت ناقصاني.”

ـ “إيه هي؟”

ـ “حياتي وكرامتي.”

ولنا في الحب حياة  بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

فتحت شمسيتي ونزلت السلم، فنده عليّ بصوت حزين وسط المطر:

ـ “يارا! اللي بيني وبين شاهيندا… ما كانش زي ما انتِ فاكرة.”

لتفت له، والراجل اللي كان دايماً متكبر وشايف نفسه، كان واقف قدامي وشكلاً مكسور.

كمل كلامه:

ـ “أنا ما نمتش معاها غير ليلة واحدة.. وكنت سكران ومش في وعيي، وفكرت…

سكت، فكملت أنا عنه بسخرية ومرارة:

ـ “فكرت إنها أنا؟ أظن دي أقدم وأرخف حجة بيقولها أي راجل بيخون!”

ابتسمت ابتسامة مكسورة وتابعت:

ـ “طب والعقد الألمظ اللي بـ 5 مليون؟ طلع له رجلين ولف حوالين رقبتها لوحده؟ واليخت اللي أجرته عشان تحتفل معاها؟ والرهان اللي اتراهنته في الليلة اللي أمي ماتت فيها؟ كل ده كان من أثر الشرب برضه؟”

ما قدرش يرد، فقلت له بمنتهى القسوة والوضوح:

ـ “أدهم.. أنت ما خنتنيش بس، أنت وخاينتك حولتم كرامتي للعبة ورخيص. اللي دمر جوازنا مش الليلة دي، اللي دمره هو استخفافك بيا واحتقارك لكرامتي.. بلاش تشوه آخر لقاء بينا بأكاذيب مالهاش قيمة.”

سبته ومشيت تحت المطر من غير ما التفت ورايا ولا خطوة. الطلاق ما كانش النهاية.. كان مجرد اليوم اللي بدأت فيه أسترد اللي يخصني.

بعد ما رتبت حاجات أمي الله يرحمها، لقت صندوق خشب مقفول في قاع الدولاب القديم. جوة الصندوق كان فيه 13 دفتر رسم قديم، وقرص صلب (هارد ديسك)، وأوراق تسجيل حقوق الملكية الفكرية لمئات من تصاميم المجوهرات!

الصفحة الأولى من الدفتر الرئيسي كان مكتوب عليها بخط إيد أمي: “تأنّق”.. وده كان اسم علامة المجوهرات التجارية اللي أمي أسستها من 20 سنة، واختفت من السوق بعد وفاة بابا، لما شريكها استغل ظروفها واشتراها ببلاش وطردها. أمي فضلت طول عمرها تشتغل مصممة حرة عشان تصرف عليا، وما جابتش سيرة عن الماضي.

الهارد كان عليه فيديو سجلته أمي قبل ما تدخل أوضة العمليات الأخيرة. كانت قاعدة قدام شباك المستشفى، وشها شاحب بس عينها مليانة حنان:

“يارا يا حبيبتي.. لو بتشوفي الفيديو ده، يبقى أمك خلاص راحت عند ربنا. أنا عارفة إنك تنازلتِ عن شغلك وحلمك في التصميم عشان خاطر أدهم.. أنا عمر الملامة ما دخلت قلبي ناحيتك، لأن كل إنسان من حقه يختار سعادته.. بس لو اكتشفتِ في يوم إن السعادة دي كانت وهم وما تستاهلش، افتكري إن إيديكِ وموهبتكِ لسه معاكي. علامة ‘تأنّق’ مش أهم حاجة سبتهالك.. أهم حاجة سبتهالك هي قدرتك إنك تبتدي من جديد.”

حضنت اللابتوب وبكيت طول الليل بحرقة. وتاني يوم الصبح اتصلت بـ “دكتور أمجد”:

ـ “أمجد.. تعرف مكان أستوديو أو ورشة صغيرة للبيع أو الإيجار بسعر معقول؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى