
فضل أمجد ماسك إيد أميرة للحظات، وهو بيبص في عينيها وكأنه بيحاول يفهم الكلام اللي قالته، وليه حاسس إن كل كلمة منها بتلمس حاجة جواه.
أميرة بدأت تتوتر من نظراته، فسحبت إيدها بهدوء وقالت:
— طيب، أنا هسيبك ترتاح يا أمجد، ولو احتجت أي حاجة ناديني.
أمجد ابتسم وقال:
— أميرة، استني شوية. إنتِ ليه دايمًا بتهربي مني كل ما أحاول أتكلم معاكي؟
ارتبكت أميرة وردت بسرعة:
— أنا مش بهرب يا أمجد، أنا بس مش عايزة أتعبك بالكلام، وإنت لسه محتاج ترتاح.
— طب بصيلي وقوليلي إن مفيش حاجة مضايقاكي.
رفعت أميرة عينيها له، وحاولت تبتسم، لكنها مقدرتش تخفي الحزن اللي جواها.
— مفيش حاجة يا أمجد، متشغلش بالك بيا. أهم حاجة عندي إنك تبقى كويس.
أمجد فضل ساكت شوية، وبعدها قال:
— إنتِ عارفة يا أميرة، أنا طول عمري كنت فاكر إني فاهم كل الناس اللي حواليا، لكن الفترة الأخيرة خلتني أراجع حاجات كتير. بقيت أفكر مين فعلًا بيحبني، ومين موجود في حياتي لمجرد إنه متعود على وجودي.
أميرة ردت بصوت هادي:
— متظلمش حد يا أمجد، ومتحكمش على حد من غير ما تسمعه. كل واحد عنده ظروفه ومشاعره، ولازم تدي لنفسك فرصة تفهم كل حاجة.
ابتسم أمجد وقال:
— إنتِ دايمًا بتعرفي تقولي الكلام اللي يخليني أفكر.
أميرة قامت من مكانها بسرعة، وقالت:
— طيب، أنا هروح أشوف خالتي محتاجة حاجة ولا لأ.
وقبل ما تخرج، سمعت صوته بيناديها:
— أميرة!
لفتت له.
— نعم؟
ابتسم وقال:
— شكرًا إنك كنتِ جنبي.
ابتسمت رغم دموعها وقالت:
— إنت مش محتاج تشكرني يا أمجد.
وخرجت من الغرفة، وهي بتحاول تمنع دموعها من النزول.
أما أمجد، ففضل باصص ناحية الباب بعد ما خرجت، وبدأ يسأل نفسه سؤالًا مكنش بيسأله قبل كده: ليه وجود أميرة بيريحه بالشكل ده؟ وليه بيحس بفراغ غريب كل ما تبعد عنه؟
في غرفة أميرة
دخلت أميرة غرفتها وقفلت الباب بهدوء، وبعدها سندت ضهرها عليه وغمضت عينيها.
كانت كلمات أمجد بتتردد في ودنها، وخصوصًا لما شكرها على وقوفها جنبه.
قالت لنفسها بحزن:
— يا رب، أنا أعمل إيه؟ إزاي أقدر أتعامل معاه كل يوم وأنا عارفة إنه ممكن يكون بيحب واحدة تانية؟ إزاي أفرح بوجوده جنبي، وأنا خايفة في أي لحظة أسمعه بيحكيلي عن سعادته معاها؟
قعدت على سريرها، ومسكت موبايلها، وفتحت الصور القديمة اللي كانت بتجمعها بأمجد وأدهم من أيام الطفولة.
ابتسمت وهي بتفتكر المواقف اللي عاشوها سوا، وبعدين اختفت ابتسامتها لما افتكرت إن أمجد ممكن يبني حياته مع مريم.
في اللحظة دي، دخلت سعاد عليها من غير ما تخبط، ولما شافتها بالمنظر ده، قربت منها وقعدت جنبها.
— مالك يا ميرو؟ رجعتي تزعلي تاني ليه؟
أميرة حاولت تضحك وقالت:
— مفيش يا ماما، أنا كويسة.
سعاد مسحت على شعرها وقالت:
— أنا عارفاكي يا بنتي، وإنتِ مهما حاولتي تخبي، عينيكي بتقول كل حاجة.
أميرة مقدرتش تتمالك نفسها، وارتمت في حضن أمها وهي بتعيط.
— يا ماما، أنا تعبت. كل ما أقول لنفسي إني لازم أبعد، ألاقي قلبي متعلق بيه أكتر. أنا مش عايزة أظلم مريم، ومش عايزة أكون سبب في أي مشكلة، بس مش عارفة أعمل إيه بمشاعري.
سعاد حضنتها بحنان وقالت:
— اسمعيني يا حبيبتي، إنتِ مش غلطانة عشان حبيتي، لكن لازم تعرفي إن مش كل حب بنتمناه بيكون من نصيبنا. ساعات بنحتاج نصبر ونسيب الأيام توضح لنا الحقيقة.
أميرة رفعت وشها وقالت:
— يعني أعمل إيه؟
— متجريش ورا حد، ومتفضليش مستنية حد يختارك. عيشي حياتك، واهتمي بنفسك، واللي مكتوب لك ربنا هيجيبه لك في وقته.
أميرة هزت رأسها، وحاولت تهدى، لكن جواها كانت لسه بتتمنى إن أمجد يكتشف يومًا إن أقرب إنسانة لقلبه كانت واقفة جنبه طول الوقت.
في بيت صالح الشرقاوي
كان أدهم قاعد في الصالة، وبيفكر في كلام سمر عن اللي مرت بيه، وعن الشخص اللي تسبب لها في كل الوجع ده.
دخلت سعاد، ولما لاحظت شروده، قعدت جنبه وسألته:
— مالك يا أدهم؟ بقالك فترة ساكت ومش على بعضك.
أدهم تنهد وقال:
— مفيش يا ماما، شوية مشاكل في الشغل.
سعاد بصت له بشك وقالت:
— مشاكل شغل؟ ولا الموضوع له علاقة بدينا؟
أدهم اتفاجئ من سؤالها، وحاول يغير الموضوع.
— وإنتِ عرفتي منين إن فيه حاجة تخص دينا؟
ابتسمت سعاد وقالت:
— أنا أمك يا حبيبي، وبعرف أقرأ اللي في عينيك. إنت من زمان بتعامل البنت دي بطريقة مختلفة، وكل ما أجيب سيرة الجواز قدامك ترفض حتى تسمعني.
أدهم سكت لحظات، وبعدها قال بصراحة:
— يا ماما، أنا فعلًا بحب دينا.
سعاد بصت له بدهشة، رغم إنها كانت متوقعة كلامه.
— بتحب دينا؟ بنت مين يا أدهم؟ إنت عارف إن الموضوع ده ممكن يعمل مشكلة كبيرة مع باباك.
أدهم رد بثبات:
— عارف يا ماما، وعارف إن بابا ممكن يرفض، لكن أنا مش هقدر أفضل ساكت طول عمري. دينا إنسانة محترمة، وبنت كويسة، ومش ذنبها إن ظروفها مختلفة عن ظروفنا.
سعاد مسكت إيده وقالت:
— أنا مش ضد سعادتك يا ابني، لكن لازم تفكر كويس قبل ما تواجه باباك. هو عنده أفكار معينة، ومش هيتقبل الموضوع بسهولة.
أدهم ابتسم وقال:
— أنا مش طالب منك تقنعيه دلوقتي. أنا بس عايزك تعرفي الحقيقة، ولما ييجي الوقت المناسب، هتكلم معاه بنفسي.
سعاد تنهدت وقالت:
— ربنا يكتب لك الخير يا ابني، ويهدي قلب أبوك.
لكن أدهم كان عارف إن المواجهة اللي جاية مش هتكون سهلة، خصوصًا إن والده بدأ بالفعل يرتب لموضوع زواجه من سمر.
في اليوم التالي
وصلت سمر إلى منزل العائلة، وكانت بتحاول تتصرف بصورة طبيعية، رغم إن الأحداث الأخيرة رجعت لها ذكريات كانت بتحاول تنساها.
أول ما شافت أدهم، ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنه لاحظ إن ملامحها لسه متأثرة.
قرب منها وقال بصوت هادي:
— عاملة إيه النهارده؟
— الحمد لله، أحسن شوية.
— سمر، أنا عايزك تعرفي حاجة مهمة. اللي حصل لك مش ذنبك، ومش من حق أي حد يخليك تحسي إنك أقل من غيرك بسبب اللي مريتي بيه.
سمر نزلت عينيها وقالت:
— أنا عارفة إنك بتحاول تساعدني، بس ساعات بحس إن حياتي اتغيرت للأبد، وإن محدش ممكن يفهمني أو يتقبلني زي ما أنا.
أدهم رد بجدية:
— إنتِ لسه قدامك حياة كاملة، ومش لازم تحكمي على مستقبلك من اللي حصل في الماضي. إنتِ تستاهلي تعيشي في أمان وراحة، وتاخدي فرصتك في السعادة زي أي إنسانة.
سمر ابتسمت بحزن وقالت:
— شكرًا يا أدهم. يمكن دي أول مرة أحس إن حد بيسمعني من غير ما يحكم عليَّ.
أدهم سكت للحظة، وبعدها قال:
— وأنا عايزك تعرفي إن أي قرار يخص مستقبلك لازم يكون بإرادتك، من غير ضغط من حد.
سمر بصت له باهتمام، وكانت حاسة إن كلامه مختلف عن أي كلام سمعته قبل كده.
لكنها كانت عارفة إن أدهم عنده سر بيخبيه، وإن مشاعره تجاه دينا ممكن تغير كل حاجة.
وفي مكان آخر، كانت دينا بتواجه مشكلة جديدة.
والدها أصر على تحديد موعد للحديث مع معتز وعائلته، وكان متوقعًا منها إنها توافق على الارتباط من غير نقاش.
دخلت دينا غرفتها، واتصلت بنور وهي متوترة.
— نور، أنا مش عارفة أعمل إيه. بابا بيقول إن الموضوع خلاص اتحدد، وإن مفيش داعي للكلام تاني.
نور ردت عليها:
— اهدَي يا دينا. إنتِ لازم تتكلمي معاه وتفهميه إن الجواز قرار كبير، ولازم تكوني مقتنعة بالشخص اللي هتكملي حياتك معاه.
دينا قالت بحزن:
— حاولت كتير، بس هو مش عايز يسمعني.
— طيب، هل فيه حد كبير في العيلة ممكن يساعدك ويوصل له وجهة نظرك؟
دينا فكرت شوية، وبعدها قالت:
— ممكن أطلب من أدهم يتكلم معاه، بس أنا خايفة الموضوع يعمل مشاكل بينه وبين بابا.
نور شجعتها وقالت:
— متستعجليش. فكري في طريقة هادية، وخلي هدفك إن باباكي يسمعك ويفهمك، مش إنك تدخلي في خلاف معاه.
بعد ما أنهت المكالمة، دينا فضلت تفكر في الخطوة اللي لازم تاخدها، وهي عارفة إن الأيام الجاية ممكن تحدد مستقبلها كله.
أما أدهم، فكان على موعد مع مواجهة غير متوقعة.
في المساء، اجتمع أفراد العائلة في الصالة، وكان صالح بيتكلم عن ترتيبات الزيارة القادمة لأخيه وبناته.
قال صالح:
— يا أدهم، أنا عايزك تكون موجود يوم الجمعة، لأن فيه موضوع مهم لازم نتكلم فيه كلنا.
أدهم سأله:
— خير يا بابا؟ فيه حاجة حصلت؟
صالح رد بحسم:
— مفيش حاجة حصلت، لكن أنا شايف إن الوقت جه عشان نحدد موقفنا من موضوع جوازك من سمر.
أدهم اتوتر، لكنه حاول يحافظ على هدوئه.
— يا بابا، إحنا اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده.
صالح قال:
— واتكلمنا كتير، وأنا مش عايز أفضل أسمع نفس الكلام. سمر بنت أخويا، وبنت محترمة، وأنا شايف إنها مناسبة ليك.
أدهم أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال:
— وأنا مقدر رأيك يا بابا، ومقدر سمر كمان، لكن الجواز مش مجرد قرار العيلة. لازم أكون مقتنع، ولازم هي كمان تكون مقتنعة.
صالح نظر إليه بجدية وقال:
— إنت تقصد إيه بالكلام ده؟
أدهم سكت للحظات، ثم رفع عينيه وقال:
— أقصد إني مش هقدر أتجوز سمر لمجرد إنكم شايفين إن ده الأنسب. أنا عندي مشاعر ناحية إنسانة تانية، ومش عايز أظلم حد معايا.
ساد الصمت في الصالة، ونظرت سعاد إلى ابنها بقلق، بينما بدا الغضب على وجه صالح.
قال صالح:
— إنسانة تانية؟ ومين هي؟
أدهم كان عارف إن اللحظة دي هتيجي يومًا، وإنه لازم يواجه الحقيقة مهما كانت صعبة.
فرفع رأسه وقال بثبات:
— دينا يا بابا. أنا بحب دينا، وعايز أتقدم لها رسمي.
اتسعت عينا صالح من المفاجأة، بينما وضعت سعاد يدها على صدرها، غير مصدقة إن ابنها أخيرًا قال الحقيقة اللي كان بيخبيها.
لكن صالح لم يرد فورًا، وظل ينظر إلى أدهم بملامح جادة.
وبعد لحظات من الصمت، قال بصوت حاسم:
— إنت متأكد من الكلام اللي بتقوله ده يا أدهم؟ لأن القرار اللي إنت بتتكلم فيه مش بسيط، وأنا مش هقدر أوافق عليه من غير ما أفكر كويس.
أدهم رد بثبات:
— أنا مستعد أستنى، ومستعد أتكلم مع حضرتك وأوضح لك كل حاجة. لكن مش هقدر أتراجع عن مشاعري لمجرد إن الموضوع صعب.
نظر صالح إليه طويلًا، ثم قال:
— خلاص. الكلام ده مش هينتهي هنا. هنكمل حديثنا لما ترجع من شغلك بكرة.
نهض صالح وترك الصالة، بينما اقتربت سعاد من ابنها وقالت بقلق:
— ربنا يستر يا أدهم. أنا عارفة إنك بتحب دينا، لكن لازم تكون مستعد لأي رد فعل من باباك.
أدهم ابتسم ابتسامة متعبة وقال:
— أنا مستعد يا ماما. المهم إني أخيرًا قلت الحقيقة.
لكن اللي أدهم مكنش يعرفه، إن خبر المواجهة بدأ يوصل لأفراد العيلة، وإن موضوع دينا وسمر هيكون سبب في سلسلة من القرارات اللي هتغير حياة الجميع.
يتبع في الجزء القادم…
