عام

حياة الادهم بقلم بسنت

في فيلا صالح الشرقاوي، وبالتحديد في غرفة الابن الأكبر للعائلة، كان أدهم يقف أمام المرآة بطوله الفارع وجسده الرياضي، يصفف شعره البني ويغلق أزرار أكمام قميصه. فعلى الرغم من أنه مدير لأكبر شركات التجارة في مصر، فإنه لا يحب التقيد بارتداء البدل الرسمية.

ودائمًا ما يكون رده على والده في هذا الأمر:

— يا بابا يا حبيبي، أنا لسه شاب عندي 27 سنة، مش راجل كبير عشان أقيد نفسي بالبدل والكرافتات!

وبعد نقاش طويل، يفشل والده في إقناعه كالمعتاد، ويتركه على حريته.

وأثناء استعداده للرحيل، سمع طرقات على الباب يعرفها جيدًا ويحفظها عن ظهر قلب. فهي طرقات صاحبة الابتسامة التي خطفت قلبه وجعلته أسيرًا لمشاعره تجاهها.

فتح الباب، لتظهر أمامه دينا، بشعرها الأسود الذي اعتادت ربطه على هيئة ذيل حصان، وعينيها الزرقاوين اللتين طالما شغلتا تفكيره، وخديها اللذين تزداد حمرة لونهما كلما مازحها.

أفاق أدهم من شروده على صوتها الذي يحبه، وهي تقول:

— القهوة يا سي أدهم.

وكم أحب تلك الجملة التي تجعله يتعلق بها أكثر، والتي يصر دائمًا على أن تقولها له.

رد عليها بابتسامة:

— شكرًا يا دينا. قوليلي، عاملة إيه في الكلية بتاعتك؟

أجابته دينا بنبرة يغلب عليها الحزن:

— الحمد لله يا سي أدهم.

لاحظ أدهم الحزن في صوتها ونظراتها، فسألها باهتمام:

— مالك يا دينا؟ حد مضايقك؟ في حاجة حصلت في الكلية؟

بدأت الدموع تتجمع في عينيها، وقالت بصوت خفيض:

— لا، أبدًا، بس بابا مصمم إني بعد ما أخلص جامعتي أتجوز معتز ابن عمي، وأنا مش عايزة.

سألها أدهم بقلق:

— فقام بإيه يا دينا؟ كملي.

أجابت وهي تنظر إلى الأرض:

— زعق لي وضغط عليَّ عشان أوافق.

شعر أدهم بالضيق مما يسمعه، لكنه حاول السيطرة على انفعاله. كان يخشى أن تُجبر دينا على الارتباط بشخص لا تريده، بينما هو نفسه لم يجرؤ بعد على الاعتراف لوالده بمشاعره تجاهها.

فكيف يخبره أنه يحب ابنة إحدى العاملات في المنزل، وأنه يريد الزواج منها؟ كان يتوقع أن يواجه اعتراضًا كبيرًا.

قال محاولًا تهدئتها:

— خلاص يا دينا، متزعليش. طالما إنتِ مش موافقة، لازم يكون ليكي رأي في مستقبلك. ولو فيه مشكلة بينك وبين باباكي، هحاول أساعدك نتكلم معاه بهدوء، ماشي؟

رفعت عينيها إليه وسألته:

— بجد؟

ابتسم وقال:

— طبعًا بجد. ممكن بقى تمسحي دموعك دي وتوريني ضحكتك الحلوة؟

خجلت دينا من كلامه كعادتها، وابتسمت وهي تتجنب النظر إلى وجهه.

— شكرًا يا سي أدهم. عن إذنك، لازم أجهز عشان أروح كليتي.

— ماشي يا دينا، واستني عشان أوصلك.

— مفيش داعي تتعب نفسك.

قاطعها بنبرة تجمع بين الحزم والحنان:

— أنا قلت كلمة. يلا عشان متتأخريش.

وافقت دينا، وذهبت للاستعداد. كانت في السنة الأخيرة بكلية التجارة، وتحلم بالحصول على تقدير مرتفع مثل السنوات السابقة، حتى تتمكن من العمل في إحدى الشركات الكبرى وتساعد والديها على الراحة من العمل الشاق.


كان صالح الشرقاوي، والد أدهم، رجلًا في الخامسة والخمسين من عمره، يتمتع بشخصية قوية وحازمة. يجلس مع زوجته سعاد، السيدة التي تبلغ السابعة والأربعين من عمرها، وتتميز بوجه بشوش وشخصية حنونة، وتنتمي إلى سيدات المجتمع الراقي.

بعد انتهاء الإفطار، قال صالح لزوجته:

— ابقي قولي لمحروس ابنك، لما يخلص شغل، يروح يجيب عمه وولاده من المطار، وبلاش ينسى المعاد ويحرجني قدامهم.

أجابته سعاد:

— متقلقش يا صالح، هو فاكر، وأنا أكدت عليه بالليل إنه يروح في المعاد ويجيبهم.

قال صالح:

— لما أشوف. وياريت يعامل بنت عمه كويس، مش كل ما تيجي تكلمه كلمتين يتهرب منها.

ردت سعاد مدافعة عن ابنها:

— على فكرة، أدهم بيعاملها كويس جدًا، وذوق معاها في الكلام.

ابتسم صالح بسخرية وقال:

— ذوق أوي! بدليل آخر مرة كانوا هنا، وقفت تتكلم معاه، راح عامل نفسه جاله تليفون وطلع أوضته ومنزلش تاني، صح؟

جاء صوت أدهم من أعلى السلم:

— والله يا حاج، كان عندي تليفون شغل!

نزل أدهم، واتجه إلى والده وقبّل يده، ثم قال بنبرة مرحة:

— صباح الفل يا حاج. يعني إنتِ يا ماما، يوم ما تحبي تخلصي مني، تلبسيني في موضوع سمر ده؟ بذمتك، أعمل إيه في موضوع الجواز ده وأنا مش مقتنع؟

حاولت سعاد كتم ضحكتها حتى لا يغضب زوجها، ثم قالت بجدية مصطنعة:

— احترم نفسك يا أدهم، واتكلم عن بنت عمك كويس. سمر بنت كويسة، ومتعلمة، وبتحبك. عايز إيه أكتر من كده؟

أجابها أدهم بوضوح:

— عايز أتجوز واحدة بحبها يا ماما، وأكون أنا اللي مختارها، مش أحس إن الجواز مفروض عليَّ لمجرد إنها بنت عمي.

تدخل والده، وقد بدا عليه الغضب:

— يعني حضرتك يا أستاذ عايز تفضل من غير استقرار، وتجيب واحدة متعرفهاش تتجوزها، مش كده؟

رد أدهم بهدوء:

— أكيد لأ يا بابا، بس على الأقل أكون مرتاح معاها، وفي عيشتي وكلامي معاها، ومش حاسس في أي لحظة إنها مفروضة عليَّ.

قال والده بنبرة حاسمة:

— بقولك إيه، الكلام ده هعتبر نفسي مسمعتوش. اتفضل روح شغلك، ومتنساش معاد الطيارة.

— حاضر يا بابا.

أجاب أدهم بضيق مكتوم، فهو مهما اختلف مع والده، لا يستطيع أن يرفع صوته عليه أو يتجاوز حدوده معه.

اتجه نحو الباب، فوجد دينا تنتظره.

قال معتذرًا:

— آسف، خليتك تستني.

أجابته:

— لا أبدًا، أنا لسه واقفة دلوقتي يا سي أدهم، وهتعبك معايا.

— متقوليش كده، ولا تعب ولا حاجة. يلا بينا.

انطلق أدهم ودينا بسيارته لإيصالها إلى الجامعة، بينما كان مشغول البال بكيفية التعامل مع موضوع زواجه من ابنة عمه، وكيف سيواجه والده بمشاعره تجاه دينا.

فكر كثيرًا في الاتصال بأخته أميرة، لتساعده في حل مشكلته. فعلى الرغم من أنها أصغر منه، فإنها تحب دينا كثيرًا، وتعتبرها أختًا لها، كما أنها الشخص الوحيد الذي يعرف حقيقة مشاعره تجاهها.

بعد أن أوصل دينا إلى جامعتها، انطلق إلى عمله، ودخل مكتبه واتصل بأخته ليحكي لها ما حدث كعادته.


في مكان آخر، وتحديدًا في الإسكندرية، كانت هناك فتاة غارقة في النوم. استيقظت على صوت الهاتف المتكرر، فاعتدلت في جلستها وفتحت عينيها الفيروزيتين اللتين ورثتهما عن والدتها، ثم رتبت شعرها الأشقر المتداخل مع بعض الخصلات البنية.

إنها أميرة، ابنة صالح المدللة، لكنها رغم دلالها تتمتع بعقل راجح وتفكير حكيم، ولا تتصرف بتهور.

كانت قد ذهبت إلى الإسكندرية لتقضي بضعة أيام مع خالتها التي تحبها وتعاملها كابنتها.

نظرت إلى شاشة الهاتف، فوجدت اسم أخيها وصورته، وكان مسجلًا لديها باسم «أدهم شكاوي»، بسبب كثرة مشكلاته وحكاياته معها عن خلافاته مع والده.

أجابت الاتصال، وبدأت تستمع إلى شكوى أخيها الجديدة، محاولَةً مساعدته في إيجاد حل مناسب.


في أحد الأيام، كانت دينا تتحدث مع يوسف، الذي كان يغار من علاقتها بأدهم، بسبب ما كانت تحكيه له عن مواقفه معها ومساعدته لها في الأوقات الصعبة.

قال يوسف بضيق:

— أنا مش بحب إنك تتكلمي مع أدهم بالشكل ده.

أجابته دينا باستغراب:

— إزاي يعني يا يوسف؟ أنا عايشة معاه في نفس البيت، وطبيعي يبقى فيه كلام بينا.

قال يوسف:

— ماشي، كلام بحدود. لكن مش تقوليلي إنه زعلك أو إنه كلمك بطريقة مش كويسة. هو مش مسؤول عنك، ولا ليه إنه يتدخل في كل حاجة تخصك.

أخفضت دينا رأسها، وشعرت بالحيرة أمام إصراره، ثم قالت:

— حاضر يا يوسف، اللي إنت عايزه هعمله. أنا آسفة، متزعلش مني.

ابتسم يوسف، فهو لا يستطيع الغضب منها مهما حدث.

— إنتِ عارفة إني مقدرش أزعل منك أبدًا.

ثم أكمل بمزاح:

— قوليلي بقى، كلمتي حماتي ولا لسه؟

ضحكت دينا من طريقته، وقالت:

— أيوه، كلمتها وهي موافقة، وإن شاء الله هكلم بابا لما يبقى فاضي.

— تمام يا حبيبتي، وأول ما تكلميه قوليلي.


في وقت لاحق، كانت سمر تجلس أمام أدهم، وقد قررت أن تخبره بالحقيقة التي أخفتها طويلًا.

قالت له بصوت متأثر:

— هحكيلك يا أدهم، وهقولك على كل حاجة، عشان بعد كده تقرر فعلًا هتكمل معايا ولا لأ.

اعتدلت في جلستها، ثم بدأت تحكي له عن طفولتها، وعن تعلقها به منذ كانت صغيرة، حين كانت تعيش مع عائلته لفترة من الزمن بعد وفاة والدتها.

قالت:

— إنت طبعًا عارف إن ماما توفت وأنا عندي عشر سنين. فضلنا قاعدين معاكم لحد ما بقيت عندي خمس عشرة سنة. أنا طول الخمس سنين دول اتعلقت بيك جدًا، وكنت بحب أقعد جنبك وأتكلم معاك وألعب معاك.

سكتت قليلًا، ثم أكملت:

— لحد ما بابا قرر في يوم إننا نسافر إنجلترا تاني. أنا وقتها مكنتش عايزة أسافر، وفضلت زعلانة، لكن في النهاية سافرنا. كنت بستنى كل إجازة عشان أنزل وأشوفك، لكنك مكنتش بتبادلني نفس المشاعر، وكنت بتتعامل معايا بطريقة تخليني أحس إني بعيدة عنك.

أضافت بحزن:

— كنت دايمًا أقنع نفسي إن بكرة هتحس بيا وتحبني، لكن ده مكنش بيحصل.

ثم انتقلت إلى يوم عيد ميلادها الثامن عشر، حين تعرفت إلى شاب اسمه مازن، خلال الاحتفال الذي أقامه والدها في إنجلترا.


فلاش باك

كانت سمر تقف في الشرفة، بعدما شعرت بالإرهاق من الموسيقى والضوضاء. وفجأة، لاحظت شابًا يقف بالقرب منها وينظر إليها.

قال بابتسامة:

— كل سنة وإنتِ طيبة.

استغربت سمر أنه يتحدث العربية، فسألته:

— إنت بتتكلم عربي؟

أجابها:

— أيوه، أنا مصري زيك. ولو تفتكري، أنا دايمًا بقعد في الكافيه اللي بتقعدي فيه إنتِ وصاحبتك مرام.

سألته باستغراب:

— وحضرتك عايز إيه؟

قال بصراحة:

— بصراحة، بقالي فترة عايز فرصة عشان أكلمك. وعرفت من صاحبتك إن عيد ميلادك النهارده، فحبيت أقولك إني معجب بيكي.

عودة إلى الحاضر

ابتسمت سمر ابتسامة حزينة، ثم أكملت:

— أنا صدقته، وبدأنا نتكلم. بابا وإياد حذروني منه كتير، لكني مكنتش بسمع كلامهم. مع الوقت، بقيت أغير من نفسي ومن طريقة لبسي عشان أرضيه، وكان دايمًا يقول لي إننا في إنجلترا وإن الحياة هناك مختلفة عن مصر.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم تابعت:

— فضلت أكلمه وأخرج معاه لمدة تلات شهور. ومنكرش إني كنت لسه بفكر فيك، لكن كنت بحاول أقنع نفسي إني لازم أنسى مشاعري القديمة.

ثم تغيرت نبرتها وهي تتذكر ما حدث:

— في يوم، طلب مني نخرج مع بعض. خرجنا، وبعد فترة طويلة من السهر، بقيت مش قادرة أركز كويس. أخدني بالعربية إلى شقته، وهناك بدأت أفهم إن الموضوع مش زي ما كنت متخيلة.


فلاش باك

فتحت سمر عينيها، فوجدت نفسها في مكان غريب. حاولت أن تستوعب ما حدث، ثم نظرت حولها لتجد مازن يجلس بعيدًا عنها.

سألته بقلق:

— أنا فين؟ وإيه اللي جابني هنا؟

أجابها ببرود:

— إنتِ هنا عشان أنا عايز أواجهك بحاجة تخص والدك.

شعرت سمر بالحيرة، وقالت:

— مواجهة إيه؟ أنا مالي بكل ده؟

أخبرها مازن أن والده تعرض لمشكلة قانونية بسبب قضية اتهمه فيها والد سمر، وأنه يحمل عائلتها مسؤولية ما حدث له.

لم تصدق سمر كلامه، وقالت:

— لا، إنت أكيد فاهم غلط. بابا مستحيل يظلم حد.

لكن مازن كان قد اتخذ قراره بالتصرف بطريقة مؤذية، ولم يستمع إلى محاولاتها لفهم ما يحدث.

تعرضت سمر لموقف قاسٍ أفقدها شعورها بالأمان، وعندما تمكنت من العودة إلى منزلها، كانت في حالة نفسية صعبة للغاية.

عودة إلى الحاضر

انهمرت دموع سمر وهي تقول لأدهم:

— أنا اتعرضت لأذى كبير يا أدهم، وكنت لوحدي ومش فاهمة أعمل إيه. حسيت إني بدفع تمن حاجة معملتهاش، وإن حياتي اتغيرت في لحظة بسبب شخص قرر يحمّلني مسؤولية خلافات ملهاش علاقة بيا.

ثم تابعت بصوت متهدج:

— ولما أخدوني المستشفى، اكتشفت إن حالتي الصحية محتاجة علاج ومتابعة طويلة، وإن فيه مضاعفات أثرت على قدرتي على الإنجاب. وقتها حسيت إن مستقبلي كله اتغير، وإن كل الأحلام اللي كنت بحلم بيها بقت بعيدة عني.

لم تستطع منع دموعها، بينما كان أدهم يستمع إليها متأثرًا بما مرت به.

كم تمنى أن يخفف عنها ما عانته، وأن يساعدها على استعادة شعورها بالأمان والثقة في نفسها.

وعندما وجدها منهارة من شدة الحزن، اقترب منها وجلس بجوارها، ثم احتضنها بحنان محاولًا تهدئتها.


وصل أمجد وأميرة إلى المنزل. وبعد أن ألقى أمجد السلام على خالته، صعد إلى غرفته، بينما اتجهت أميرة إلى غرفتها لتستريح.

وفي وقت لاحق، كانت أميرة تجلس وحدها، تفكر في كل ما يحدث معها. كانت والدتها تعرف مشاعرها تجاه أمجد، وتحاول مساعدتها على تجاوز حزنها والاهتمام بمستقبلها.

قطع شرودها دخول والدتها، التي سألتها بحنان:

— ميرو، إنتِ لسه صاحية يا حبيبتي؟

اعتدلت أميرة في جلستها وقالت:

— أيوه يا ماما، تعالي.

جلست والدتها أمامها، وأمسكت بيديها، ثم قالت بحزن:

— عرفتي إن أمجد سافر؟

أجابت أميرة بصوت منخفض:

— أيوه، قابلته وأنا طالعة الأوضة وسلمت عليه. قال لي عنده شغل.

تنهدت سعاد وقالت:

— مش بس عشان الشغل. هو كمان بيفكر يتقدم لمريم البنت اللي بيحبها.

حاولت أميرة التماسك أمام والدتها، وقالت:

— ربنا يسعده يا ماما. أمجد إنسان كويس، ويستاهل يكون مبسوط في حياته.

قالت والدتها:

— متحاوليش تباني قوية قدامي يا بنتي. أنا أمك وحاسة بالوجع اللي جواكي، بس لازم تحاولي تتجاوزي اللي حصل وتعيشي حياتك. إنتِ لسه صغيرة، وقدامك فرص كتير.

ثم سألتها:

— توعديني إنك تحاولي تهتمي بنفسك؟

أجابت أميرة بحزن:

— حاضر يا ماما، أوعدك إني هحاول. متقلقيش عليَّ.

في تلك اللحظة، دخلت جومانا، صديقة أميرة، إلى الغرفة بحماس، لكنها توقفت عندما لاحظت وجود سعاد.

قالت بإحراج:

— أهلًا يا طنط، أنا مكنتش أعرف إن حضرتك هنا. عاملة إيه؟

ضحكت سعاد من تصرفاتها، وقالت:

— تعالي يا مجنونة، ما بنتي الهبلة هتصاحب غير مجنونة زيها إزاي؟

ثم تركتهما ونزلت إلى الطابق السفلي.

جلست جومانا بجوار أميرة، وسألتها بقلق:

— مالك يا ميرو؟ شكلك مضايقة. متقوليش إن الموضوع بسبب أمجد تاني.

أجابتها أميرة بحزن:

— أيوه، أمجد سافر، وماما عرفت كل حاجة.

حكت أميرة لصديقتها تفاصيل ما حدث معها، ثم بكت بين يديها وقالت:

— كلكم بتطلبوا مني أنسى وأعيش حياتي، ومحدش فيكم عارف إن أمجد كان جزءًا كبيرًا من حياتي من وأنا صغيرة. حاولت أبعد مشاعري عنه، لكن الموضوع مش سهل زي ما الناس متخيلة.

استمعت إليها جومانا بتأثر، ثم قالت محاولة تهدئتها:

— خلاص يا ميرو، اهدي علشان خاطري. مع الوقت هتعرفي ترتبي مشاعرك وتاخدي القرار اللي يريحك.

ثم حاولت تغيير الموضوع بمزاحها المعتاد:

— بقولك إيه، تعالي نشوف بنت عمك بتعمل إيه، أو نشوف أخوها. قومي يلا.

مسحت أميرة دموعها، ثم قالت ضاحكة:

— إنتِ مفيش فايدة فيكي. اتلمي شوية!

ضحكت جومانا وقالت:

— بلاش الكلام ده، وتعالي ننزل نشوف الغدا خلص ولا لسه، عشان أنا جعانة جدًا.


في هذه الأثناء، كانت شهد تتحدث مع إياد عبر الهاتف.

قال لها إياد:

— يا شهد، إيه المشكلة إني أتصل بيكي بدل الرسايل دي؟

أجابته بإصرار:

— قلتلك مينفعش يا إياد. بابا لو سمعني بتكلم في التليفون، أو فارس عرف، هقولهم إيه؟

قال إياد بمشاكسه:

— هتقولي بكلم خطيبي المستقبلي، اللي طلعت عينه لحد ما وافقت عليه!

ابتسمت شهد بخجل، ولم تجد ما ترد به.

أرسل لها رسالة أخرى يقول فيها:

— على فكرة، عيب تتأخري في الرد علشان حضرتك بتتكسفي من أقل كلمة بقولها.

أجابته:

— أنا لازم أقفل علشان مفروض أنزل مع خطيبة فارس بكرة.

سألها:

— رايحين فين؟ هتتأخروا؟

قالت:

— هنشتري حاجات للفرح، وأنا كنت وعدتها إني أنزل معاها.

رد إياد:

— ماشي يا حبيبتي، بس خلي بالك من نفسك، وابقي طمنيني عليكي.

— حاضر، سلام.

— سلام كده بس؟ مفيش كلمة حلوة؟

أجابته بعناد:

— لا، مفيش. سلام بس!

وأغلقت الهاتف قبل أن يواصل مزاحه.

ابتسم إياد وقال لنفسه:

— ماشي يا شهد، لما أشوف آخرتها معاكي!


أما دينا، فكانت تجلس في غرفتها وتتحدث مع نور عبر الهاتف، وهي تشعر بالحيرة بسبب إصرار والدها على زواجها من معتز.

قالت دينا باكية:

— أعمل إيه دلوقتي يا نور؟ كنت فاكرة إني ممكن أخلي أدهم يساعدني، لكنه سافر فجأة، ويوسف عمال يتصل بيا، وأنا مش عارفة أقوله إيه.

حاولت نور تهدئتها:

— طب اهدي يا دينا. إن شاء الله الأمور تتحل، وباباكي يقتنع إنك لازم تختاري شريك حياتك بنفسك.

أجابت دينا:

— يا رب. أنا خايفة جدًا من اللي ممكن يحصل.

قالت نور:

— متفكريش في أسوأ الاحتمالات. حاولي تتكلمي مع والدك بهدوء، وتفهميه وجهة نظرك.

ثم سألتها دينا عن أخبارها، فأخبرتها نور أنها بدأت تشعر بالراحة في علاقتها بتميم، وأنه يفكر في التقدم لها رسميًا.

فرحت دينا من أجل صديقتها، وتمنت لها التوفيق، ثم أنهت المكالمة وذهبت إلى غرفتها.


بعد فترة، كان أمجد قد بدأ يستعيد عافيته بعد الحادث الذي تعرض له، لكنه ظل منشغلًا بالتفكير في مستقبله، وفي موقف مريم منه بعد التغيرات التي طرأت على حياته.

وكان أكثر ما يشغل باله هو أميرة، التي لاحظ في عينيها الخوف والاهتمام عندما كان في المستشفى. فقد سمع كلماتها التي عبّرت فيها عن خوفها من خسارته، وأصبح يتساءل إن كانت مشاعرها تجاهه أعمق مما كان يتصور.

قطع شروده دخول أميرة، التي قالت:

— أنا آسفة، نسيت تليفوني على الكرسي.

اتجهت نحو الكرسي وأخذت هاتفها، وكانت على وشك الخروج، لكن أمجد أوقفها قائلًا:

— أميرة، كنت عايز أتكلم معاكي شوية. ممكن؟

أجابته:

— آه طبعًا يا أمجد.

فتحت الباب، ثم عادت وجلست على الكرسي المجاور لسريره، وهي تنتظر ما يريد قوله.

اعتدل أمجد قليلًا في جلسته، ثم سألها:

— كنت عايز أسألك سؤال، وتجاوبي بصراحة. لو كنتِ مرتبطة بحد، وحصله نفس اللي حصلي، هل كنتِ هتكملي معاه ولا هتسيبيه؟

توترت أميرة قليلًا، لكنها أجابته بثبات:

— اللي بيحب حد يا أمجد، بيحبه بكل ظروفه. سواء كان بصحته أو تعبان، وسواء كانت حياته سهلة أو صعبة. الحب مش مجرد كلام، ولا بيتوقف على الظروف.

ثم أكملت:

— اللي بيحب بجد، بيقف جنب الشخص اللي اختاره، خصوصًا في الوقت اللي بيكون فيه محتاج الدعم. ولو إنت بتسألني علشان تعرف مريم ممكن تكمل معاك ولا لأ، فده قرار يرجع ليها ولمشاعرها، ومش هتقدر تعرف إجابته غير من خلال كلام واضح بينكم.

نظر إليها أمجد باهتمام، وأعجبه كلامها، لكنه لاحظ الحزن الذي ظهر في عينيها عندما ذكرت اسم مريم.

أمسك بيدها برفق وقال بهدوء:

— معاكي حق يا أميرة. اللي بيحب حد، لازم يكون صريح معاه، ويكون موجود جنبه وقت ما يحتاجه.

شعرت أميرة بالارتباك من قربه، ولم تعرف كيف تخفي مشاعرها، لكنها حاولت أن تتصرف بهدوء، بينما كان أمجد يفكر في الكلمات التي سمعها منها، وفي حقيقة مشاعره التي بدأ يراها بصورة مختلفة.

رواية أميرة وأمجد وشهد وإياد — الجزء التالي ❤️

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى