
قمر وجبل الهواري.. من الهروب إلى عرش الهوارية
كانت بتجري وفستانها الأبيض المنفوش بيتكعبل في رجليها، ونفسها بيتقطع من الخوف، وهي شايفة كشافات العربيات وراها زي عيون بتلمع في الضلمة. مكنتش شايفة قدامها، لحد ما خبطت في صدر راجل واقف بطوله وهيبته، لابس جلبابه الصعيدي وشاله، وفي إيده سبحة وقفت حركتها فجأة أول ما شافها.
رفعت عينيها اللي مليانة دموع، وقالت بصوت متهدج:
«أبوس إيدك.. احميني.. عمي لو مسكني هيضيع مستقبلي!»
بصلها بنظرة حادة، وبعدين بص لرجالة عمها اللي قربوا من أرضه، وقال بصوت جهوري هز المكان:
«اللي يدخل دارنا يبقى في حمايتنا.. والست دي دخلت مضيفة جبل الهواري، يعني بقت في حمايتي، واللي هيقرب خطوة واحدة من حدودي، هيتحمل نتيجة قراره!»
عمها وقف بعيد وهو بيقول بغضب:
«دي هربانة من فرحها يا جبل بيه، دي ضيعت حقنا وسببت لنا مشاكل!»
جبل بص للفستان المتبهدل والتراب اللي غطى ملامحها، وابتسامة هادية اترسمت على وشه:
«واللي حصل يتصلح بالستر.. ومن الليلة قمر هتبقى مراتي التانية، واللي عنده كلمة يقولها قدامي!»
بصتله قمر بذهول، وهي مش عارفة: هل هو فعلًا أنقذها؟ ولا هي هربت من مشاكل عمها ووقعت في حياة جديدة مع جبل الهواري، الراجل المعروف بقوة شخصيته؟
الفصل الأول: البيت الكبير
دخلت قمر البيت الكبير ورا جبل، وكانت حاسة إن الحيطان نفسها بتبصلها باستغراب. البيت ريحته بخور قديم وهيبته تخلي القلب يدق بسرعة.
أول ما خطت رجلها في الصالة الواسعة، سمعت صوت خلخال، ونزلت واحدة من على السلم بخطوات واثقة، لابسة أسود، وعينيها مليانة غيرة.
وقفت هنادي، مراته الأولى، وبصت لقمر من فوق لتحت، وقالت بصوت مليان استنكار:
«هي دي بقى اللي جايبها تستر عليها يا جبل؟ جايب لنا المشاكل لحد عتبة دارنا وفرحان؟»
جبل لف لها، وصوته طلع هادي لكنه حازم:
«هنادي! كلمة زيادة وهترجعي بيت أبوكي. الست دي بقت مراتي، يعني مقامها من مقامك، والبيت اللي يساعني يساعها، فاهمة ولا أعيد؟»
هنادي اتصدمت من لهجته، دي أول مرة يعترض على كلامها بالشكل ده عشان واحدة غريبة.
بصت لقمر وقربت منها، وهمست في ودنها بحيث جبل ميسمعش:
«دخلتي برجلك عش الدبابير يا حلوة.. واللي قبلك حاولوا يفرضوا نفسهم، لكن محدش قدر. استعدي بقى للمشاكل اللي هتشوفيها.»
قمر مكنتش قادرة ترد. كانت بتبص لجبل اللي سابهم ودخل مكتبه وقفل الباب، ولقت نفسها وحيدة وسط ست مش متقبلاها وعم بيدور عليها بره.
طلعت قمر للأوضة اللي جبل أمر إنها تقعد فيها. كانت أوضة واسعة، لكنها باردة. قعدت على طرف السرير وهي لسه بفستان فرحها المتبهدل، ودموعها نزلت غصب عنها.
فجأة الباب اتفتح ودخل جبل.
قلبها دق بسرعة وهو بيقرب منها، فك شاله ورماه على الكرسي، وبصلها بنظرة غريبة فيها اهتمام مخفي ورا قسوة ملامحه، وقال بصوت حازم:
«محبش أشوف الضعف في عيني اللي يتحداني. إنتي دلوقتي شايلة اسم جبل الهواري، يعني راسك متتنحنيش لحد، حتى لو كان أنا.. فاهمة؟»
رفعت راسها بتمرد وقالت له:
«إنت محمتنيش يا جبل بيه.. إنت نقلتني من مكان صعب لمكان تاني أوسع، بس لسه مش بإرادتي. والاسم اللي شيلتهوني ده تمنه هيكون غالي قوي.»
قرب منها شوية وقال بابتسامة غامضة:
«أنا بحب الحاجة الغالية، وبحب أعرف قيمتها مع الوقت. غيري الفستان ده، وارتاحي، لأن من الليلة حياتك هتتغير، ومش هتخرجي من الدار دي غير لما نحل كل مشاكلنا.»
الفصل الثاني: بداية التحدي
عدت ليلة طويلة على قمر، وهي سامعة صوت ريح الصعيد بتخبط في الشبابيك، وكأنها بتنذر بالعاصفة اللي جاية.
الصبح طلع، وقمر لبست هدوم بسيطة كانت هنادي سايباها لها، ونزلت المطبخ وهي حاسة بنظرات الخدم وهم بيتكلموا عنها بصوت واطي.
أول ما دخلت، لقت الحاجة راضية، أم جبل، ست وقورة بشعر أبيض متغطي بطرحة، قاعدة وفي إيدها سبحة، وهنادي واقفة جنبها وبتتكلم كتير.
هنادي قالت بصوت عالي عشان تسمعها:
«أهي وصلت يا مرت عمي.. العروسة اللي خلت جبل يقف قدام عيلة المنشاوية، وكل ده عشانها!»
الحاجة راضية بصت لقمر نظرة فاحصة، نظرة ست شافت الدنيا وعارفة تفرق بين اللي بيمثل واللي شايل وجع حقيقي.
شاورت لقمر تقرب وقالت:
«تعالي يا بتي.. في دار الهواري مفيش حد بيقعد من غير مسؤولية. هنا الكل بيخدم، والكل بيحترم نظام البيت.»
قمر ردت بعزة نفس فاجأتهم:
«أنا مش جاية عشان أكون عالة يا حاجة. إيدي بتعرف الشغل، بس ياريت اللي يطلب مني حاجة يطلبها بأدب، مش كإني أقل من حد.»
هنادي وسعت عينيها وكانت هترد، لكن صوت جبل اللي رن في الممر سكت الكل:
«قمر معاها حق يا هنادي. ومن الليلة هي هتستلم مفاتيح المخازن معاكي، والكلمة كلمتها في غيابي.»
هنادي قالت بذهول:
«مفاتيح المخازن؟ دي لسه مكملتش يومين! إنت بتسلم الغريبة أسرار الدار يا جبل؟»
جبل مردش عليها، وبص لقمر اللي كانت بتبادله النظرات بتحدي، وقال بصوت واطي:
«عايز أشوف التحدي اللي في عينيكي ده هيصمد قد إيه قصاد المسؤولية، ولا هو كلام وخلاص؟»
قبل ما حد ينطق، الباب الخارجي خبط بعنف، والغفير دخل بيجري وهو بيقول:
«الحق يا جبل بيه! عيلة المنشاوية حاصروا الدار، وعمها سويلم واقف بره ومعاه رجالة، وبيقول مش هيمشي من هنا غير لما ترجع له بنت أخوه!»
هنادي ابتسمت بسخرية وهي بتبص لقمر:
«أهو عمك جه لحد عندك يا فتنة.. وريني بقى جبل هيقف معاكي ولا هيسيبك ترجعي لأهلك؟»
جبل أخد متعلقاته واستعد للخروج، وبص لقمر نظرة غامضة، مش مفهوم منها هل هيحاول ينهي الخلاف بالكلام ولا هيواجه الموقف بحزم.
خرج للساحة، وقمر جريت وراه ووقفت عند الباب تراقب اللي هيحصل.
سويلم عمها كان واقف وملامحه مليانة غضب، وقال:
«رجّع لنا البنت يا جبل، هي لازم ترجع لأهلها، ومتخليش الخلاف يكبر بين العيلتين عشان موضوع زي ده!»
جبل وقف وسط رجاله، وقال بثبات:
«الخلاف يتحل بالكلام يا سويلم، لكن قمر مش هترجع معاك غصب عنها. دي مراتي، واللي عايز يحل مشكلة، ييجي يتكلم باحترام.»
الفصل الثالث: الحقيقة تظهر
الدنيا هديت فجأة، وقمر كانت واقفة ورا الباب بتترعش، مش خوفًا من المواجهة، لكن خوفًا من إن الأمور تتعقد أكتر.
وفجأة، فتحت الباب الكبير وخرجت. الشمس نورت وشها، وفستانها الأبيض المتبهدل كان لسه عليها.
الكل اتصدم، وسويلم بص لها بغضب وقال:
«إنتي ظهرتي أخيرًا! ارجعي معايا يا بنت أخويا، كفاية اللي حصل!»
جبل قال بصوت حازم:
«قمر، خليكي ورايا لحد ما نحل الموضوع.»
لكن قمر مشيت بخطوات ثابتة لحد ما وقفت جنبه، وبصت لعمها وقالت:
«إنت بتتكلم عن إيه يا عمي؟ عن السمعة؟ ولا عن إنك كنت عايز ترتب جوازي من غير ما تسمع رأيي عشان تحل مشاكلك؟ الحقيقة إنك أخدت حقي، وتجاهلت حقوقي، ودلوقتي عايز تتحكم في حياتي كمان! أنا مش هربانة عشان أعمل حاجة غلط، أنا هربانة عشان أعيش باختياري!»
سويلم حاول يبرر موقفه وقال:
