
فأجابه “تميم” بشكل مباشر:_كنت عايزك تمسك قضية بنت خالة مراتي، وطبعًا هتعمل معاهم واجب مفيش بعده لأنهم نسايبي ولا إيه؟مازحه “سيف” بمكر عن قصد جعله يوضح حديثه:_أمال إيه؟، بس أفهم الأول قضية إيه؟ تمتم “تميم” وهو يغرس الشوكة باللحم القاسي أمامه:_اللي فهمته إنها عايزة ترفع قضية خلع على جوزهالوى “سيف” فمه بسخطٍ على قضايا مكتبه الغير مشجعة على الدوام فقال بتذمرٍ:_أنا عارف أن مابيجيش من وراك غير البلاوي!
منحه “تميم” ابتسامة شيطانية تعبر عن صحة ما يقوله، وأكمل تناول طعامه ببرودٍ شديد ليكمل كلامه وكأنه لم يستمع لمزحه:_هتكون في مكتبك بكرة، أتمنى تبيض وشي قدام الناس. حرك “سيف” رأسه ببطء كموافقة صريحة على ما قاله متناولًا طعامه بصمت جعل “تميم” ينتبه له، فوضع الملعقة من يديه ليسأله باهتمام:_في حاجة ولا إيه ياسيف، حاسس إنك متغير؟
زفر “سيف” بارهاقٍ شديد لكثرة تفكيره بالأمر فقال:_بصراحه أنا طلبت إننا نتغدى برا عشان في موضوع كده عايز أخد رأيك فيه. ضيق “تميم” عينيه بعدم فهم قائلًا:_موضوع إيه دا؟!استرخى “سيف” بجلسته ليرد عليه بتأثر:_صديق ليا والدته تعبانه جدًا وصحتها في النازل، ملهاش غير أخت واحدة، بس الأخت دي حاطة عينيها على الورث اللي سابه جوزها لابنها الوحيد فأستغلت علاقتها الكويسة مع أختها عشان تجوز ابنها لبنتها.
استكمل “تميم” باقي الكلمات بالنيابة عنه، وبلهجة تحوى اشمئزاز عالم بأكمله:_عشان تضمن أن الورث ميطلعش من تحت إيدها. هز رأسه موافقًا صحة كلماته، فأستند “تميم” بجسديه العلوي على الطاولة بضيقٍ من وجود أناس هكذا، فقال:_طيب وهي عارفة إن أختها كده؟
لاحت على وجه “سيف” نظرة عابسة ليجيبه بحزنٍ:_لا وهو خايف أساسًا يقولها لأن حالتها الصحية متدهورة جدًا. ضغط على شفتيه بالقوة، فأسترسل “سيف” حديثه الدال على تأثره الكبير ب”معاذ”:_هو بين نارين، إنه يزعل والدته ومش بعيد يخسرها، وبين أنه يعيش مع واحدة مابيحبهاش وفوق كل ده عارف أنها متجوزاه عشان فلوسه.
نبش السكون صفحات وجه “تميم” وكأنه يسجل عبارات خاصة تتصل بعقله، فقال بهدوء غامض: _بلاش هو اللي يقول لوالدته، يخليها تشوف بنفسها وهي اللي هتأخد بنفسها قرار الانفصال عن البنت دي. ضيق “سيف” عينيه متسائلًا باستغرابٍ:_إزاي ده؟!
بدأ بتناول طعامه بابتسامة خبث رسمت على جانبي شفتيه المقوستين:_يعني صاحبك ده يعمل أي حاجة تخليه يبين للبنت دي أنه خسر كل فلوسه وليكن مثلًا أخد قرض من البنك لأي غرض ومعرفش يسدده وهيتحجز على ممتلكاته، يعني أصبح لا يملك شيء، وطبيعي في الوقت ده والدته هتلاحظ تغيرها ومش بعيد تكشفها بدري عن المتوقع والأكيد برضه أنها مش هترضى بالجوازة دي بعد ما هتكتشف حقيقتها، واحدة واحدة هتفهم وهتقدر تتجاوز المرحلة دي وأكيد هتطلب منه يختار البنت اللي تناسبه لشعورها بالذنب لاختيارها الغلطأغلق”سيف” فمه المفتوح على مصراعيه من هول صدمته وإنصياعه الكامل لما يقوله، وكسر حاجز الصمت قائلًا بصوتٍ مازال مصعوقًا: _وربنا إنت عمهم، أنا كنت عارف من الأول أنك هتجيب من الأخروجذب كوب المياه المجاور له ليرتشفه دفعة واحدة ثم أخذ هاتفه ومحفظة نقوده قائلًا بابتسامة كبيرة:_أنا رايحله حالًا! وانصرف مشيرا له بابتسامة مشاكسة:_متنساش تدفع الحساب. أجابه تميم”ساخرًا:_طول عمرك خسيس ياصاحبي! غمز له “سيف” وهرول لسيارته سريعًا بفرحة عارمة تكتسح تعابير وجهه، فلم يكن مخطئًا باللجوء إليه مطلقًا.
***** عادت “ميرال” لشقتها بصحبة أخيها، فصعد معها للأعلى ليتأكد من سلامتها وخاصة بأنها أخبرته بشعورها بدوار مفاجئ، جذب منها المفاتيح ولكنها أخبرته بأن يقرع الجرس لعل “نورهان” مازالت بالداخل وتجلس بحريتها، وبالفعل طرق الباب فمرت عدة دقائق حتى فتحته “نورهان، أختض صدرها بقوة حينما رأته يساندها والتعب بادٍ على وجهها للغاية، هرعت إليها فساندتها من الجهة الأخرى قائلة بخوف:_في إيه؟
!أجابها” آسر” بقلق يصاحب صوته الرجولي الرخيم:_تعبت شوية وإحنا طالعين. أدخلتها تجاه غرفتها قائلة بغضب:_قولتلك إنتي لسه تعبانه، بس مفيش فايدة مبتسمعيش كلام حد. قالت “ميرال” بصوتٍ مهتز للغاية وكأنها على وشك ان تفقد وعيها:_مش وقته يا “نورهان” دخلوني أرتاح بس شوية.
وبالفعل أسندوها حتى تمددت على الفراش فعاونتها على خلع حجابها وفتحت الشرفة لعل نسمة الهواء تجعلها تستعيد إتزانها، ثم توجهت للمطبخ لتعد لها عصير الليمون، جذب “آسر” المقعد ليجلس جوار شقيقته برعب من أن تتدهور حالتها، فأمسك بيدها متسائلًا بخوفٍ ملحوظ:_بقيتي كويسة؟
أومأت برأسها ببطء،وأغلقت عينيها لعل الدوار يتركها قليلًا، دخلت “نورهان” الغرفة فجلست جوارها على الطرف الاخر من الفراش لتعاونها على النهوضٍ قائلة بحنان التمسه من يتابعها بنظراته رغمًا عنه:_قومي بس اشربي ده وهتبقي كويسة بإذن ﷲ»..
استندت على ذراعيها حتى ارتشفت محتويات الكوب ثم تمددت مرة أخرى، فتطلعت “ميرال” إليهم بخوف لتتساءل بقلقٍ: _محدش هيقول لتميم حاجه صح؟زجرتها “نورهان” بغضب وهي تعاتبها بسخريةٍ: _هو ده كل اللي يهمك.!هز “آسر” رأسه بيأس من تلك الفتاة، فمنحتها “نورهان” نظرة دونية تعبر عن تأففها منها:_فوقي الأول وبعدين نشوف موضوع “تميم”.
تمتمت “ميرال” بنبرة هادئة تعبر عن نومها المستكين:_متقلقوش والله بقيت كويسة وخصوصًا بعد العصير الجميل ده. لانت تعابير وجهه قليلًا ليردد براحة:_الحمد لله..انتظام أنفاسها بعد دقائق كان إشارة لهم بغفلتها، فتحركا سويًا تجاه الغطاء الموضوع أسفل قدميها، أمسكت به “نورهان” أولًا و”آسر” من بعدها، وسرت رعشة غريبة بأنحاء جسده حينما احتضنت يديه أصابعها دون قصد منه، فسحبت يدها سريعًا بارتباك، حتى وجهها تمرد بحمرته القاتمة ليمنحها جمالًا خاصًا بحيائها الملائكي، استعاد “آسر” ثباته بصعوبةٍ بالغة فأكمل فرد الغطاء على جسد شقيقته ثم انتصب بوقفته ليتطلع لمن تقف مقابله على الجهة الأخرى تعبث بالخاتم الموضوع بإصبعها ذهابًا و إيابًا، لوهلة شعر بأنه يستمع لدقاتٍ قلبها رغم هذا البعد بينهما، ارتبكت للغاية من نظراته المتابعة لها فلم تجد ملجًأ سوى الهرب من الغرفة، تنحنحت بحرج قائلة وهي تحمل الكوب الموضوع لجوارها على الكومود:_أنا إتاخرت على ماما فاهروح أنا وهبقي أرن على “تميم” يرجع بدري.
قال وعيناه تتحرك فى تأمل حدقتيها وكأنه مسحور بهما:_أنا كمان هنزل مادام هي بقت كويسة. هزت رأسها بخفة ثم خرجت لتضع الكوب بالمطبخ وغادرت على الفور، هبطت “نورهان” للأسفل باستخدامٍ المصعد ودقات قلبها تتواثب بلا توقف وكأنها بصراع قوي على إنشودة غريبة، فُتح باب المصعد فتنهدت براحة ثم خرجت لتستكمل طريقها للخروج من العمارة بأكملها ولكنها توقفت مكانها كالبلهاء مجددًا حينما تقابلت النظرات بينهما مرة أخرى بعدما انتهى “آسر” من هبوطه للدرج متوجهًا للميكروباص الخاص به، توقف مكانه حينما فتح المصعد ليراها من جديد، لا يعلم لما يستحوذ عليه شعورًا هكذا، فتلك الفتاة رغم أنها عادية كما أنه لا يتقبل السمنة المفرطة عند الفتيات ولكنه يراها جميلة بشكل ما، لا يرى سوى عدة مواقف وكلمات أينعت بطيبة قلبها الذهبي، أيعقل أن يكون أحبها؟
!سحبت نظراتها المتعلقة به بصعوبةٍ ثم أكملت طريقها للخارج بعينين تتحاشى النظر إليه، تتبعها بنظراته رغمًا عنه فأنتظر قليلًا من الوقت حتى لا يحرجها مجددًا ثم صعد للسيارة ليقودها بسرعة كبيرة ليلحق بها متعمدًا ليتطلع إليها من خلال مرآة سيارته الجانبية بنظرة أخيرة لا يعلم سببها!
…*****مكتب “معاذ”؛ نظر لتصميم الفيلا الذي يعمل عليه بضيقٍ، فيبدو أن ذوقه المميز تخلى عنه مثلما كاد عقله بالتخلى عنه هو الأخر، ألقى بالقلم أرضًا بغضب، ثم توجه لمكتبه ليلقي بجسده الثقيل على المقعد وكأنه فقد شغفه المولع بفن التصميمات، فحينما تشتد عليه الأزمات يعجز عقله عن التفكير بتعقل واستنباط أبسط الحلول؛
وكأنه ل يراها رغم سهولتها، فجأة انفتح الباب على مصراعيه ليطل من خلفه” سيف” صارخاً بلهجة مزعجة:_عارف إنك بتفكر فيا..مط”معاذ” شفتيه بازدراء من إندفاعه المرتاع: _العملية مش نقصاك يا سيف!! جلس على المقعد المقابل إليه ليضع قدمًا فوق الأخرى على حافة مكتبه بتعالٍ وكبرياء:_بالعكس أنا عندي علاج قوي من غير حاجة لأي عمليات!
دفع قدميه عن مكتبه ليصيح به قائلًا:_لو حطيت رجلك كدا تاني هولع فيك. رفع “سيف” حاجبيه بسخطٍ:_تصدق إني غلطان إني سايب كل الشغل اللي ورايا وجاي أقولك على حل يخلصك من أم أربعة وأربعين اللي إنت هتتجوزها دي، بس إنت تستحقها والله، يلا ألف مبروك.وتركه وتوجه للخروج، فأسرع”معاذ”خلفه ليجذبه للمقعد مرة أخرى قائلًا بلهفةٍ:_حل إيه؟تطلع “سيف” ليد “معاذ” الممسكة بجاكيته وكأنه على وشك مصارعته ليتكلم، فتركه “معاذ”، لينفض الآخر جاكيته، مشيًرا له بغرور:_اطلبلي قهوة عشان أعرف أتكلم. جز”معاذ” على أسنانه بغيظ فقال بصوتٍ محتقن:_بس كده، إنت تؤمر.
وبالفعل جذب الهاتف ليطلب له قهوته، مرت الدقائق و”معاذ” يحاول جاهدًا أن يتمالك بأعصابه حتى لا يقتلع عنقه، فكأنه يتعمد إرتشاف قهوته ببطء مستفز، وأخيًرا خرج عن رداء تحمله فجذب القهوة من يديه ليضعها بالقوة على المكتب وبصوتٍ تغلبه الحدة قال:_هتنطق ولا تغور من هنا.
ابتسم”سيف” بمشاكسة: _لا وعلى إيهوتطلع له بابتسامة واسعة تكاد تصل لأذنيه: _بص يا سيدي، إحنا هنعملها كمين! ضيق “معاذ” عينيه بعدم فهم:_بمعنى؟!شرع “سيف” بقص ما أخبره به “تميم” على مسمعه، والآخر يستمع بحرص لما يقال حتى انتهى من الحديث فقال “معاذ” باستغرابٍ:_كانت تايهة عني فين دي!
الفصل السابععشقتك وإن كان عشقك تَّهْلُكَةِ!حالة الذعر المسيطرة عليها، جعلته يشعر بحرقة تضـ,ـرب أحشاءه وكأنها نيران من جحيم، خمن السبب وراء حالتها المخيفة؛ ولكنه لم يعد يعلم كيف يتعامل مع حالتها الغريبة، حملها “تميم” برفق للأريكة المقابلة لشرفة الردهة، استسلمت ليديه فجلست دون أن تتحرك بين أحضانه خشية من أن تعود لحلمها المخيف.


