
الفصل السادس )عادت من جديد!رفضت تصديق ما تراه أمام عينيها، وكأن المخدر مازال يستحوذ على جسدها، فيجعلها ترى المقربة من القلب أمامها، أنهت “ميرال” المسافة القصيرة بينهما، وجلست على حافة الفراش ممسكة بيدها بقوةٍ جعلت “وجدان” تستوعب حقيقة ما تراه، انسدلت دموعها تلقائيًا وكأنها لمست حواجز قلبها لتعلمها بأن المسافات بينهما مازالت عالقة، مازال هناك طريق يقودها إليها رغم الفراق المجبر الذي اختبرته على يد زوجها المستبد فكان حجم معاناتها أضعافًا
مضاعفة، حتى الهاتف أخذه منها عنوة حتى لا تصل إليها أو لأحد من عائلتها بحجة عدم معرفة أحد بأسرار البيت، حتى تلك الكلمة زائفة فلم يكن لها بيت قط، فقد كان مجرد مقبرة تنهش لحمها وتنخر عظامها دون رحمة منه أو من عائلته الظالمة،ساد الصمت طالت النظرات بينهما، ترى بها ذكريات مرت عليها أعواما لينتهى لقاء الذكريات واشتياق اللقاء باحتضانٍ كلً منهما للأخرى، ربتت “ميرال” على ظهرها بحنان ونحيب قوي يزلزل كيانها، بكت “وجدان” هي الأخرى وقالت ورأسها مستند على كتفيها:_وحشتيني أوى، ووحشني الكلام معاكِ.
ابتسمت “ميرال” رغمًا عنها فقالت بعناء صاحب كلماتها التي تخلت عنها فور رؤية صديقتها بتلك الحالة:_مش أكتر مني، والله كنت بفكر كتير أجيلك بس كنت بخاف لجوزك ي… ابتلعت باقي كلماتها بحرج من اندفاعها بالحديث عن زوجها بتلك الطريقة؛
ولكنها تفاجأت بها تبتسم بسعادة لأ تليق بالحالة التي تمر بها: _خلاص يا ميرال معدتش هكمل معاه، وأخيرا ماما وافقت على طلاقي منه! تطلعت لها بعدم تصديق، وشدّت على معصمها لتهتف بسعادةٍ بالغة:_دا أحسن خبر سمعته والله، ربنا يفرح قلبك دائما ويعوضك باللي أحسن منه.
أشارت لها بضيقٍ وهي تتمنى ألا تخوض تجربة مشابهة لما خاضتها:_لا خلاص، أنا إتعقدت من صنف الرجالة كله الحمد لله. لاحت على وجه “ميرال” ابتسامة رقيقة، فمسحت على خديها بحنين غائب:_مش مهم، المهم أننا هنكون مع بعض تاني وهتكوني جنبي.
احتضنت يدها بفرحة، فقطع حديثهما صوت “آسر” الساخر بعدما جذب أحد المقاعد ليجلس جوارهما:_ما خلاص بقى إنتي وهي، قطعتوا قلبي! انتقلت نظراتهما تجاهه بغضب فأشار لوالدته التي تقترب بصحبة “آمال” بعدما عادت للمنزل لتبدل ثيابها وتحضر بعض الأشياء الخاصة بابنتها:_شايفة يا ماما بيبصولي إزاي؟
وضعت “كوثر” الأكياس من يدها على الخزانة الصغيرة البيضاء، لتحدجه بنظرة تحذرية:_تلاقيك إنت اللي جريت شكلهم! تجهمت ملامح وجهه بضيقٍ فأشار ل”آمال” بغرور:_لاااا.. أنا عندي أم تأكل الحديد مش كدا ولا أيه يا آمال؟تعالت ضحكات أمه على مشاكسته المرحة، فهي لا تنكر بأنها بالوقت المناسب تمامًا ثم جلست على الفراش لتربت على ظهره بحنان:_أمال إيه، أنا عندي أغلى منك؟
! عدل من قميصه بغرور مبالغ به، فأحتضنها ثم قبّل يدها بفرحة:_أحلى أم في الدنيا كلها. راقبتهم “ميرال” بابتسامة هادئة ثم قالت وهي تتطلع إليها:_ألف سلامة على وجدان يا خالتو، وربنا ميورناش فيها حاجة وحشة يارب.
تلاشت بسمة “آمال” تدريجيًا فكلما رأتها تتذكر نصيب ابنتها التعيس، رغمًا عنها تتذكر حظها السيىء حتى بالزواج، وأخيًرا نجحت بضبط انفعالات وجهها فرسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها:_الله يسلمك يا بنتي، مكنش في داعي تتعبي نفسك، إنتي لسه مالحقتيش تفوقي من العملية.
شددت “ميرال” من احتضان “وجدان” لتجيبها بلهفةٍ واضحة:_كله إلا وجدان، وبعدين أنا الحمد لله بقيت كويسة. تنهدت “كوثر” بشيء من الحزنٍ:_ربنا يحفظكم إنتوا الاتنين يارب. ثم لمحت “كوثر” “تميم” وهو يبحث عنهما بالطابق الخاص بحالات المرضى، فرفعت يديها لتلفت انتباهه إليهم لتنادي عليه:_تميم.
. توجه إليهم فنهض “آسر” ليبادله السلام قائلًا بود: _ليك وحشة والله ياأبو نسب. لاحت على وجهه ابتسامة صغيرة فشدد من ضغط يديه على معصمه، حاول “آسر” تخليص نفسه فاقترب “تميم” منه وكأنه يعانقه ليهمس جوار آذنيه بكلمات خبيثة:_توهت عن العنوان ومعرفتش توصل ولا مفيش حجة المرادي؟
!جز “آسر” على أسنانه بألم، فقال بتذمر:_خلاص ياعم هاجي وعهد الله بس خف إيدك هنتفضح!! تركه “تميم” بعد أن رمقه بنظرةٍ ساخرة على استسلامه السريع، وضع أكياس العصير على الأرض ثم جلس على المقعد المجاور له لتتحول نظراته تجاهها، فقال بابتسامة هادئة:_حمدلله على سلامتك.
أجابته “وجدان” بابتسامةٍ مجاملة على حضوره: _تسلم يارب. أشارت “آمال” على الأكياس الموضوعة أرضًا ببعض الحرج:_مكنش له داعي كل دا..قاطع كلامها قائلًا:_دي حاجة بسيطة، ربنا يطمنك عليها يارب. ابتسمت بألم يطرق قلبها كدقاتاعتدلت “وجدان” بجلستها حتى تسترخي قليلًا:_دا ظابط من الشرطة كان بياخد أقوالي، وقولتله اللي حصل. ثم تساءلت بحيرة:_هما كده هيطلقوني منه ولا لازم أرفع قضية؟ رد “آسر” على سؤالها عن مصيرها القادم بعد ما أتخذت أول خطوة في سبيل نيل حريتها:_أعتقد أنه من الأفضل نشوف محامي يمسك الليلة دي من أولها وينهي الموضوع دا.
سألته “آمال” بلمسةٍ قهر محسوسة بنبرتها:_وهنجيب المحامي دا منين، أقل حاجة عايزله مبلغ محترم. . تنحنح “تميم” بحرجٍ لمقاطعتها بالحديث وتدخله فيما لا يعنيه:_لو مش هتنزعجوا من تدخلي،فأنا ليا صديقي محامي شاطر ومش بياخد كتير يعني مبلغ رمزي كدا.
سألته “وجدان” باهتمامٍ وكأنها ترى مفتاح خلاصها أمام عينيها:_عنوانه فين؟ أو رقم تليفونه. أخرج “تميم” هاتفه ثم دوّن رقم “سيف” على ورقة بيضاء وأسفله عنوان مكتبه،وقدمها إليها قائلًا بجدية:_دا عنوانه ورقمه، إحنا هنتقابل النهاردة فهكلمه عنك وأسهل الموضوع بإذن الله.
تراقصت السعادة بعينيها فشكرته بإمتنانٍ، تألم قلب “آمال” وهي ترى السعادة الكبيرة بعينيها فمازالت صغيرتها لا تعي قسوة المجتمع الذي تعيش به، بذلت كل ما امتلكته من طاقة لتجعلها تتراجع عن قرارها ولكنها بالنهاية انصاعت لجزء من معاناة ابنتها فحق لها أن تخشى عليها من سوط المجتمع القاسي الذي يدعس النساء وكأنهن لقمة سائغة، يرونها شماعة يعلق عليها كل شاردة و واردة تتهم به حتى وإن كانت مظلومة، نهض “تميم” عن مقعده حينما تلقي رسالة من “سيف” يخبره بها بأنه وصل للمطعم المنشود، جابت نظراته زوجته فابتسم رغمًا عنه وكأنها حورية السعادة بالنسبة إليه، كلما تأملها زادت من سرور قلبه، تنحنح بحرج حينما لأحظ من حوله شروده، فقال بلطفٍ:_أستأذن أنا بقى، وألف سلامة مرة تانية.
ودعته “آمال” بملامح تخفي خلفها نيرانا عظيمة:_متشكرين على زيارتك ومنجلكش في حاجة وحشة أبدًا يارب. أشار بكفيه بابتسامة هادئة:_تسلمي. ثم استدار تجاه زوجته ليسألها باستفهام:_هتيجي أوصلك بطريقي ولا هتخلي “آسر” يوصلك. أجابته “ميرال” بابتسامة ماكرة ونظراتها الخبيثة تتجول على مقعد أخيها الذي قال ساخرًا:_أظن كده إجابتها وصلتك.
تحدث “تميم” من زواية فمه قائلًا بأسلوب مرواغ:_وصلت يا خفة..ثم رفع يديه لها بإشارة بسيطة:_أشوفك بالبيت. وغادر “تميم” أمام الجميع تاركاً البسمة على وجه من أحبها بجنون، والحسرة بعيني “آمال” الباكية على مصير ابنتها البائس.*****منزل “معاذ”؛
كعادتها المتكررة بتنفيذ تعليمات والدتها بالتوجه يوميًا لخالتها المريضة مدّعية حنانها الفياض وعطائها المنان عليها، فمن أساسيات خطة والدتها بأن مفتاح امتلاك” معاذ” يبدأ من السيطرة على نقطة ضعفه الوحيدة وبالطبع من غيرها لا تعرف أي باب تسلكه لإرضاء أختها.
أدّعت “فرحة” الحزن بمحاولة لئيمة لعدم إخبار خالتها بما يحزنها لتصر الخالة بإلحاح عليها حتى أخبرتها بمعاملة ابنها القاسية معها، معاملته التي تسبب فوران دمائها وتزيد من رغبتها لإحكام حبال تملكها له، ولكنها لا تعلم بخفايا مجهول لعبت بأوراقه من البداية فلا شك بأن النهاية ستكون بصورة غير مرضية.
*****جابت عيناه الطاولة بحثًا عن رفيقه، فوجده منزويًا بركن بعيد عن الأنظار، توجه إليه بخطواتٍ منتظمة حتى وقف أمام الطاولة فتطلع لمياه النهر باشتياق وابتسامة حالمة، خلع جاكيته ثم علقه على المقعد ثم جلس عليه بهدوء، ورغم ذلك صرير المقعد جعله ينتبه لوصول رفيقه، شبّك “سيف” يديه على الطاولة من أمامه قائلًا بسخرية:_ما بدري يا عم!
حرك “تميم” سبابته أمام وجهه ليستوقفه عن ما سيبدأ به من حديث مزعج مطول:_أنا واقع من الجوع وعندي موضوع مهم نتكلم فيه أفضل من الهيافة بتاعتك. كاد “سيف” بأن يجيبه بغضب على طريقته؛ ولكنه توقف ليسأله باستغرابٍ بعد سماعه الجزء الأخير:_موضوع إيه ده؟!
