
على فين؟
مايا جمدت مكانها: أنا كويسة، لازم أمشي.
سليم قرب خطوة واحدة من غير تهديد وبثبات: إنتي مش كويسة، والدكتور قال كده.
هي ردّت بسرعة: أنا مش محتاجة دكاترة.. أنا محتاجة أخرج.
الصوت كان فيه خوف مش غضب. سليم لاحظ ده وسكت لحظة، وبعدين قال بهدوء مختلف:
إنتي خايفة من إيه يا مايا؟
السؤال نزل عليها تقيل، وعينها تهربت منه:
مفيش حاجة.
لكن إيدها كانت بتترعش وهي ماسكة طرف الملاية. سليم فهم إن “مفيش حاجة” معناها العكس تمامًا. قعد على الكرسي جنبها تاني:
مش هضغط عليكي، بس طالما أنا اللي جبتك هنا، يبقى على الأقل أكون عارف إنتي في أمان ولا لأ.. وفي حد بيأذيكي؟
الجملة دي خلتها تبص له لأول مرة بتركيز كامل، وكأن السؤال لمس حاجة مدفونة جواها من سنين.
ومع إنها ما ردتش، بس دمعة واحدة نزلت من غير صوت. وقتها سليم فهم إن دي بداية حكاية أخطر مما كان متخيل.
مايا مسحت دمعتها بسرعة كأنها اتخضّت منها:
أنا قلت مفيش حاجة.
سليم ما ضغطش، وقال: تمام، مش هسألك تاني دلوقتي.. بس في حاجة واحدة لازم تبقي عارفاها، إنتي هنا مش غصب عنك، ولو في حاجة مضايقاكي أنا مش هكون سبب ضغط عليكِ.
بصت له بسرعة كأن الجملة غير متوقعة، فهي مش متعودة على حد يتكلم بالطريقة دي خصوصًا حد زيّه.
برا الأوضة، الموبايل رن؛ رقم من رجاله:
سليم بيه، حاولنا نراجع الكاميرات في المطعم. البنت دخلت لوحدها مفيش أي حد كان معاها.. بس الواضح إنها كانت بتتهرب وكأنها ماشية وهي خايفة من حاجة أو حد.
سليم عينه ضاقت: وخرجت إزاي؟
مش واضحة، بس اختفت بعد ما وقعت كأنها كانت بتدور عليك تحديدًا.
الكلام وقف عنده لحظة؛ هو ما طلبهاش وهي ما تعرفهوش، ومع ذلك وقعت قدامه هو بالذات.
في الأوضة، مايا كانت بصّة للسقف وهمست لنفسها: هو ليه هو؟.. وبعدين سكتت كأنها خافت من السؤال نفسه.
بعد ساعة، رجع سليم ومعاه كوباية مية:
اشربي شوية.
مايا بصت للكوباية وبعدين له: أنا مش عايزة أكون تقيلة عليك.
سليم رفع عينه فورًا: إنتي مش تقيلة.. ومحدش بيقع قدام حد وبيبقى تقيل عليه.
الكلمة دي خلتها تبتسم ابتسامة صغيرة جدًا كأنها لأول مرة تسمع حاجة شبه الأمان.
لكن الابتسامة ما كملتش؛ فجأة الباب اتفتح بسرعة وممرضة دخلت بملامح متوترة:
الدكتور بيقول لازم يطمن عليها تاني فورًا، في تحاليل طالعة مش مريحة.
سليم قام فورًا وقال بحدة هادية للممرضة: تحاليل إيه؟
الدكتور هو اللي هيشرح، بس لازم تيجي حالًا.
من غير نقاش، سليم خرج معاها لغرفة الأطباء. الدكتور فتح الملف وقال:
في علامات إنها تعرضت لإجهاد شديد وممتد، لكن اللي مقلق أكتر إن في آثار أدوية في الدم مش واضحة المصدر؛ مهدئات أو حاجة قريبة منها باستخدام متكرر.
الصمت وقع في الغرفة، وسليم حس أن مايا مش بس بنت تعبانة، دي وراها حكاية أكبر بكتير.
رجع الأوضة بعد دقايق ودخل بهدوء:
مايا.. الدكتور قال في آثار مهدئات في جسمك.
وشها اتغير في ثانية واحدة وكأن الكلمة فتحت باب مقفول:
أنا..
حاولت تتكلم لكن صوتها انكسر. سليم قرب: مين كان بيديكِ حاجة زي دي؟
سكتت، وبعدين لأول مرة همست: أنا مش فاكراه.
الكلمة كانت أبسط وأخطر حاجة قالتها؛ هي مش بس مريضة أو خايفة، دي حد فقد جزء من ذاكرته أو بيتحكم فيه حد تاني.
قال بهدوء ثابت: تمام، من النهاردة محدش هيقرب منك غير لما أفهم الحقيقة.
إنت ليه بتعمل كده؟ سألت بصوت واطي.
لأني شفتك واقعة قدامي ومش مقتنع إن ده صدفة.. ولأني شفت خوفك، والخوف ده ما بيكونش من فراغ.
نزلت عينيها للأرض وقالت بصوت منكسر: أنا تعبت ومش قادرة أفتكر كل حاجة.
سليم وقف وقال: يبقى نبدأ من الأول بهدوء.. إسمك مايا، ده اللي أنا أعرفه، بس حياتك اللي قبل اللحظة دي هنحاول نفهمها مع بعض.
برا الأوضة، طلب من رجاله يجمعوا أي معلومة ممكنة عن حالتها من غير ضجيج. وفي الأوضة، مايا سمعت صوت خفيف زي همس جوا دماغها: ما تثقيش في حد!
فتحت عينيها بسرعة برعب، وقلبها كان بيدق بسرعة غريبة.
رجع سليم بعد شوية ومعاه كوباية مية تانية، سألته بجدية:
إنت مش هتمشي؟
لا.
حتى لو عرفت حاجة وحشة عني؟
خصوصًا لو في حاجة وحشة.
الصمت وقع بينهم، ومايا ما ردتش لكن كان في عينيها صراع واضح بين رغبتها في الكلام وخوفها من فقدان آخر أمان باقي لها.
وسليم واقف برا الأوضة يبص عليها من ورا الزجاج، متأكد تمامًا أن دي بداية كشف كبير هيغيّر كل حاجه.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




