روايات

مصطفى وعايده1

مصطفى بصّلها, وبعدين بص قدامه على التليفزيون تاني. خد نفس طويل وقال, والمرة دي بنبرة حادة, بيحاول يبقى ناشف عشان ما يضعفش: “بصي يا بنت الناس, الكلام اللي قلتهولك في بيت أبوكي, هعيده تاني هنا, عشان نبقى على نور من أول ليلة.” عايدة بصتله بهدوء: “سامعاك.” “أنا مش هقرب منك. انتي لسه صغيرة, وجميلة, ومن حقك تبقي أم وتشيلي عيل على إيدك. أنا مش هظلمك معايا وأربطك بواحد ظروفه مش مخلياه جاهز للخلفة دلوقتي. اللي بيني وبينك قدام أهلي وأهلك, احنا متجوزين ومبسوطين. إنما هنا, بيني وبينك في الشقة دي, كل واحد فينا هينام في أوضة. الأوضة الكبيرة ليكي, أنا هنام في الأوضة الصغيرة اللي جنب المكتب.”

عايدة ما اتخضتش, ولا عيطت. فضلت باصة له بنفس الهدوء. كمّل كلامه وهو بيحاول يخلي صوته جامد: “هنقعد كام شهر كده, قدام الناس متجوزين, وبعدها هطلقك بالمعروف, وتاخدي كل حقوقك وزيادة. وتشوفي نصيبك مع حد تاني, حد يقدر يديكي اللي أنا مش هقدر أديهولك دلوقتي. أنا مش عايز أقتل بختك معايا.” خلص كلامه وسكت, مستني منها تنفجر فيه, أو تعيط, أو تقوله انت بتقول ايه. عايدة هزت راسها بالموافقة, وابتسمت ابتسامة صغيرة هادية. ابتسامة فيها فهم, مش كسر.

قالت: “حاضر يا مصطفى. اللي تشوفه. أنا هعمل كل اللي انت عايزه.” استغرب من هدوئها. مراته الأولى كانت لو قالها كلمة زي دي كانت قلبت الدنيا. عايدة قامت وقفت, وقالت بنفس الرقة: “بس ممكن أطلب منك طلب صغير؟” قال: “قولي.” قالت: “خليني أجهزلك لقمة ناكلها سوا. دي أول ليلة لينا في بيتنا, حتى لو… حتى لو زي ما انت بتقول. ناكل لقمة مع بعض, وبعدها كل واحد يدخل أوضته. ينفع؟” مصطفى بصّلها ومش لاقي رد. البساطة بتاعتها لخبطته. قامت دخلت المطبخ, فتحت التلاجة اللي الحاجة نفيسة مالياها أكل يكفي شهر. في عشر دقايق كانت مسخنة حلة محشي كانت حماتها باعتاها, وقطعت طبق جبنة وطماطم, وعملت شاي. حطت الصينية قدامه على الطبلية الصغيرة, وقالت: “اتفضل, كل, انت من الصبح ما أكلتش حاجة في الفرح من التوتر.”

قعدوا ياكلوا سوا في صمت, صوت معالقهم بس اللي مسموع مع صوت التليفزيون الواطي. وهو بياكل, لأول مرة ياخد باله منها بجد. من رموشها الطويلة وهي باصة في طبقها, من إيديها الرفيعة وهي بتصبله الشاي, من هدوئها اللي مالي الشقة كلها سكينـة. افتكر مراته الأولى, منار. منار كانت صوتها عالي على طول, وطلباتها ما بتخلصش, وكل كلمة بينهم كانت خناقة. كانت بتغيظه وتستفزه لحد ما يفقد أعصابه. ودي؟ دي نسمة. أرق وأهدى وأجمل مليون مرة. حس بغصة في زوره, مش عارف دي ندم ولا وجع ولا ايه. بعد ما خلصوا, لمّت الصينية في ثواني وغسلت المواعين. خرجت لقيته لسه قاعد مكانه. قالتله وهي مبتسمة: “تصبح على خير يا مصطفى.” قال: “وانتي من أهله.” دخلت أوضة النوم الكبيرة وقفلت الباب وراها بهدوء. وهو دخل الأوضة الصغيرة, وقفل على نفسه, وفضل صاحي للصبح بيبص في السقف.

في نفس الليلة, في بيت تاني خالص في آخر البلد. منار, طليقة مصطفى, كانت قاعدة على السرير في أوضة نومها في بيت أبوها, ماسكة تليفونها وبتقلب في صور فرح مصطفى وعايدة اللي الستات نزلوها على فيسبوك. أمها دخلت عليها قالت: “بطلي تقليب في النيلة دي, هيجيلك نقطة.” منار رمت التليفون على السرير وصرخت: “شفتي البت اللي اتجوزها؟ دي عيلة صغيرة قد بنته! جابها عشان يغيظني!” أمها قالت: “ما يغور, هو الخسران.”

منار قامت وقفت وبصت في المراية, وقالت بصوت كله غل وخوف: “أنا خايفة يا أمه… خايفة البت دي تعيش مرتاحة وتنسيه أي حاجة.” أمها سكتت. منار كمّلت وهي إيديها بتترعش: “لو البت دي استقرت مع مصطفى, البلد كلها هتشופ إني أنا اللي كنت نكدية ومش نافعة.” فتحت درج الكومودينو وطلعت منه ورقتين قدام. واحدة باسم مصطفى عز العرب, والتانية باسمها هي منار. بصت لورقة مصطفى, النتيجة فيها إن عنده إمكانية تحسن بالعلاج. وبصت لورقتها هي, مكتوب فيها إن حالتها صحيا صعبة ومحتاجة صبر طويل.

منار هي اللي كانت مستعجلة وعايزة تبين إن العيب مش منها من الأول. وهي اللي كانت بتعمل مشاكل عشان تداري على قلقها. ولما مصطفى زهق من النكد وطلقها في لحظة غضب, طلعت تجري في البلد تقول العيب منه عشان تداري على نفسها, وعشان محدش يلومها. رمت الورق في الدرج تاني وقفلت عليه, وقالت وهي بتجز على سنانها: “والله ما هسيبها تتهنى بيه. لو البت دي فكرت تقرب منه بجد, أنا اللي هخليها تندم إنها دخلت البلد دي برجليها.”

أول أسبوعين عدوا في شقة مصطفى عز العرب, فوق محل الدهب في المنيا, كأنهم عمر تاني خالص. مصطفى لسه بينام في الأوضة الصغيرة, على الكنبة اللي قلبها سرير, وعايدة بتنام في الأوضة الكبيرة لوحدها. الاتفاق زي ما هو, على الورق. إنما اللي بينهم جوه الشقة, ما كانش ليه أي علاقة بالاتفاق ده. عايدة قلبت الشقة دي بيت بجد. في أول يومين كانت مسحت كل ركن, ورصت المطبخ على مزاجها, وعلقت برواز آية قرآنية كانت جايباه معاها من بيت أبوها. ريحة الأكل بقت طالعة من شقتهم طول النهار. محشي, ملوخية, بطاطس بالفراخ في الفرن, كيكة بالبرتقان تطلع ريحتها تقلب العمارة. مصطفى بقى ينزل المحل الصبح وهو مستعجل يخلص اليوم. زمان كان بيقفل المحل الساعة عشرة بالليل ويقعد مع الرجالة على القهوة. دلوقتي الساعة سبعة تلاقيه قافل, طالع السلم جري, وفي إيده كيس فيه مانجا عشان عايدة بتحبها, أو شريط فيديو جديد جايبه من محل الشرايط اللي جنب الجامع.

أول ما يفتح الباب, يلاقيها مستنياه, لابسة عباية بيتي نضيفة, وشعرها ملموم, ووشها منور. تقوله: “حمدالله على السلامة يا سي مصطفى.” الكلمة البسيطة دي كانت بتريح قلبه كله. كانوا يقعدوا يتعشوا سوا على الطبلية قدام التليفزيون. وبعد العشا, عايدة بقت عاملة طقس ثابت. كل ليلة فيلم جديد. “انهارده جايبالك فيلم عربي قديم, فاتن حمامة.” “بكرة هنشوف فيلم أجنبي مترجم, بتاع الراجل اللي تايه في الجزيرة ده.” كانوا يقعدوا جنب بعض على الكنبة, بينهم مسافة صغيرة في الأول, وبعد كام يوم المسافة دي راحت لوحدها. يتفرجوا ويتكلموا. تحكيله عن أمها الله يرحمها, وعن أيامها السودة مع مرات أبوها, وكانت بتحكي من غير شكوى, بتحكي كأنها بتحكي حدوتة عن واحدة تانية. وهو يحكيلها عن المحل, وعن أبوه الحاج عز, وعن وجعه بعد الطلاق وكلام الناس اللي كان بيقطع فيه كل يوم.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى