
الساعة كانت داخلة على اتنين بعد نص الليل، والشارع في بحري، إسكندرية، كان هادي وريحة البحر مالية المكان. شارع ضيق، البيوت فيه قريبة من بعض، واللمبة الصفرا اللي على أول الناصية عمالة تزن وتطفي وتنور.
عربية مرسيدس سودا فخمة وقفت بهدوء على أول الحارة. عربية زي دي نادر لما تدخل المكان ده، فالعيال اللي كانوا بيلعبوا كورة بشراب وقفوا يبصوا، وبعض الشبابيك اتفتحت نص فتحة.
الباب اللي ورا اتفتح.
نزلت منها ست في أواخر الخمسينات، لابسة عباية سودا حرير. دي إنعام زيدان.
لفت حوالين العربية، فتحت الباب التاني، وقالت بصوت هادي بس قاطع:
“إنزلي. إنزلي يا بنت صفوان.”
نغم صفوان كانت قاعدة في الكرسي اللي ورا. 22 سنة، فستان فرح أبيض منفوش، الطرحة لسه متثبتة في شعرها الأسود، وعينيها دبلانة من السفر طول الطريق من سوهاج لإسكندرية. 12 ساعة سفر وهي ساكتة.
نغم سألتها باستغراب وتوتر: “أنزل فين يا حاجة؟ إحنا وصلنا بيت مراد؟”
إنعام ردت ببرود: “وصلنا لنهاية طريقك معايا. إنتي فاكرة إني ممكن أقبل بيكي في بيتي بجد؟”
نغم نزلت بخطوات مهزوزة، وقفت في الشارع. إنعام طلعت من شنطتها ظرف أبيض وادتهولها في إيدها.
“ده عقد جوازك. مبروك يا عروسة. ابني مراد كتب كتابه عليكي الصبح في بلدكم، أهو نفذ وصية أبوه، واتجوز بنت صفوان الهواري.. بس أنا مستحيل أقبل الدخلة دي.”
نغم رفعت وشها، صوتها بيترعش بس فيه كرامة صعيدي: “.. وأنتي.. أنتي مش كنتي بتقوليلي طول الطريق يا بنتي؟”
إنعام اتنهدت وقالت من غير انفعال: “يا بنتي أنا عيلتي متقبلش تناسب عيلتك. مراد ابني مايعرفش شكلك أصلا، هو مضى على الورق ومشي على إسكندرية قبلك بست ساعات عشان عنده شغل. وأنا وعدته إني هوصلك.. وأهو وصلتك.”
ورجعت خطوتين لورا، وفتحت باب العربية.
نغم وقفت مش مصدقة: “استني! أنا مليش حد هنا! هتسيبيني أمشي فين دلوقتي؟”
إنعام بصت لها بهدوء: “أكيد تقدري تتصرفي. لو رجعتي الصعيد، أهلك مش هيتقبلوا رجوعك يوم فرحك، ولو فكرتي تدوري على مراد زيدان.. ابقي دوري. هو أصلا مايعرفكيش، ولو عرف هيبعد عنك.”
قفلت الباب. العربية السودا مشيت بهدوء، وسابت وراها بنت بفستان فرح واقفة لوحدها في نص حارة في بحري الساعة 2 بالليل.
الناس ساكتة. ست طيبة بشبشب وجلابية قربت منها، وقلعت الطرحة اللي على كتفها ولفتها على كتاف نغم اللي كانت بتترعش من البرد والخوف.
“تعالي يا بنتي، إنتي اسمك إيه؟”
نغم بصت للظرف اللي في إيدها، لعقد الجواز اللي مكتوب فيه اسم عمرها ما شافته غير الصبح: مراد زيدان.
بلعت ريقها وقالت بصوت مبحوح:
“نغم.. نغم صفوان الهواري.”
وفي نفس اللحظة دي، في برج عالي على كورنيش إسكندرية، كان مراد زيدان، 32 سنة، قاعد في مكتبه الإزاز، فاكك أول زرار في قميصه، وبيبص على نسخة عقد الجواز اللي المأذون سابهوله الصبح.
ماكانش فاكر وشها، كانوا مغطيينها، وهو مضى ومشي. أمه قالتله: “سيب الباقي عليا يا مراد، أنا هجيبلك عروستك بنفسي.”
تليفونه رن. أمه.
رد: “أيوة يا أمي، وصلتوا؟”
صوت إنعام كان هادي: “وصلنا يا حبيبي. بس البنت.. هربت في الطريق. شكلها ماكانتش عايزة الجوازة من الأساس.”
مراد سكت ثانيتين، وعقد حواجبه: “هربت إزاي يعني؟”
“زي ما بقولك. نزلنا في استراحة على الطريق، قالت هتدخل تغسل وشها ومرجعتش. فداك يا مراد، النصيب لحد كده.”
قفلت. مراد رمى التليفون على المكتب، وبص للبحر الأسود برا.
حاجة جواه ماكانتش مرتاحة.
الست أم جلابية اللي لفت الطرحة على كتاف نغم كان اسمها أم كريم. 50 سنة، وشها طيب ومحروق من شمس السوق، واقفة بتبيع خضار على أول الحارة من 20 سنة.
زقت العيال المتلمين بلطف: “يلا يا واد إنت وهو، خشوا بيوتكم، مفيش فرجة! دي ضيفتنا.”
ومسكت إيد نغم: “تعالي يا بنتي، الجو ساقعة، تقومي.”
نغم ماكانتش قادرة تمشي، ديل الفستان كان تقيل. أم كريم نادت: “يا دعاء! يا دعاء انزلي ساعديني!”
من بيت دور أرضي بابه حديد أخضر ومفتوح، خرجت بنت في سن نغم بالظبط، شعرها ملموم كحكة. دعاء كريم.
أول ما شافت نغم جريت علطول وسندتها من الناحية التانية.
“براحة، براحة على مهلك. خشي يا حبيبتي.”
دخلوها البيت. أوضتين وصالة صغيرة، نضيفة وريحتها صابون.
قعدوها على الكنبة. أم كريم جابت طبق مية دافية ومسحت لها رجلها من تراب الشارع، ودعاء جابت مقص.
“هزعل منك لو زعلتي.. بس لازم نقص ديل الفستان ده عشان تقدري تتحركي في البيت.”
نغم بصت لدعاء وعينيها مليانة دموع بس صوتها ثابت: “قصيه.”
أم كريم جابت لها جلابية بيتي من بتوع دعاء. وبعد ما غيرت، قعدوا التلاتة في الصالة يشربوا شاي.
أم كريم قالت بحنية: “كُلي لقمة يا بنتي، شكلك على لحم بطنك من الصبح.”
نغم خدت حتة بقسماط وبدأت تحكي: “اسمي نغم.. من سوهاج. اتجوزت النهارده الصبح.. جوزي ماشافنيش، ووالدته سابتني هنا وقالتله إني هربت.. أنا ماليش حد في إسكندرية، ولو رجعت بلدنا العيلة كلها هتقول هربت ليلة دخلتها.”
دعاء بصت لأمها بسرعة، أم كريم فهمت النظرة وطبطبت على ركبة نغم:
“بصي يا نغم يا بنتي، أوضتي أنا ودعاء فيها سريرين، سرير دعاء كبير، تناموا عليه إنتوا الاتنين لحد ما ربنا يكتبلك الخير. ومحدش في الحارة هيفتح بقه بكلمة، إنتي من النهارده ضيفتنا وبنتنا.”
نغم عيطت من تأثرها: “ليه بتساعدوني؟ ماتعرفونيش!”
دعاء مسكت إيدها: “عشان إحنا أهل، وشكلك من سني وأنا زهقانة لوحدي أصلا.”
ونامت نغم الليلة دي، على سرير جنب دعاء، وعقد جوازها تحت مخدتها.



