
كانت بتسمعه. بجد بتسمعه. مش بتقاطعه ولا بتلومه. ولما يسكت, تحطله كوباية شاي بالنعناع وتقوله: “كله هيبقى خير, ربك كبير.” عايدة كانت عايشة أسعد أيامها حياتها. أخيرا بقت في بيت فيه أمان, مع راجل بيحترمها ويبصلها كأنها حاجة غالية. كانت كل يوم تستناه يرجع, وتجهز السهرة كأنها عيد. ومصطفى؟ مصطفى كان وقع, ووقع جامد. بقى يعشق البيت, يعشق ريحة الأكل, يعشق صوت ضحكتها وهي بتتفرج على فيلم كوميدي. بقى يبصّلها وهي سرحانة ويسرح في جمالها الهادي. كان بيهرب من أوضته بالليل عشان ما يفكرش كتير, بس التفكير كان بيجي لوحده.. لحد ما حصلت حاجة غيرت مجرى حياتهم تماما.
في يوم, كان مصطفى قاعد في محله تحت, ودخل عليه دكتور عاطف, صاحب أقدم صيدلية في الصاغة, وكان صديق مقرب لأبوه الله يرحمه. نادى عليه وقال: “يا مصطفى يا بني, كنت معدي وعايز أقولك كلمة لوجه الله.” مصطفى ساب التوزيعة اللي في إيده وقام استقبله: “أمر يا دكتور, اتفضل.” الدكتور قعد بحزن وقال: “أنا كنت رايح بلدكم مغاغة من كم يوم في مشوار, وقابلت واحد قريب لمراتك القديمة هناك, وكان زعلان من حكاية الكلام اللي طلع عليك بعد الطلاق. الراجل ده حكالي إن طليقتك منار هي اللي كانت متابعة في معمل تحليل هناك وإنها هي اللي كان عندها مشاكل صحية من الأول مش انت, وإنها دارت على الموضوع ده عشان تطلع نفسها بريئة قدام أهلها والبلد!”
مصطفى حس إن الدنيا بتلف بيه. الكلام نزل على ودنه كالصاعقة. ساب المحل في إيد الصبي, وطلع السلم جاري كأنه مجنون. فتح باب الشقة بعنف, نادى: “عايدة! يا عايدة!” طلعتله من المطبخ مخلوعة من طريقة دخوله: “فيه ايه يا مصطفى؟” مسك دراعها وقال بصوت عالي من الكشرة والوجع: “طلعت بريئة! طلعت هي اللي فيها المشكلة مش أنا! الكلام اللي البلد كلها كانت بتقوله طلع كذب في كذب!” عايدة بصت في عينيه, وشافت الراجل اللي حبته من وهي عيلة صغيرة, الراجل اللي بقى جوزها وحبيبها وبيتها وأمانها. حطت إيديها على كتفه بحنان وقالت: “الحمدلله يا مصطفى. الحمدلله إن الحق ظهر قدام الناس كلها عشان ترتاح.” مصطفى حس إن جبل واتشال من على كتافه, بس وجع السنين اللي فاتت كله رجع ينزف في قلبه. حضن عايدة قدام باب المطبخ لأول مرة بقوة, وقال بصوت مبحوح: “أنا ظلمتك معايا يا عايدة… ظلمت نفسي وبطتيك في شقة واحدة وأنا مش حاسس بقيمتك الأول.” عايدة دمعت وقالت: “ولا ظلمتني ولا حاجة, أنا كنت راضية باللي كتبه ربنا ليا.”
تاني يوم الصبح, المنيا كلها كانت على رجليها. مصطفى ما استستلمش ولا سكت. أخد أخوه محمود وراحوا لحد بيت أهل منار في مغاغة, ومعاهم تقارير المعمل القديمة والحقيقة اللي الدكتور عاطف جابها بالأدلة والشهود. وقف قدام أبوها وقال بصوت عالي سمع الشارع كله: “بنتكم اللي طلعت حكت عليا في البلد وسابت سيرتي, الحقيقة أهي يا عم مرسي. العيب كان عندها هي وهي اللي زورت ودارت على نفسها!” أبوها مسك الورق, قراه, وبص لبنته مصدوم. أمها حطت إيديها على بوقها. منار واقفة متسمرة, مش قادرة تفتح بوقها بكلمة. مصطفى بصّلها آخر بصة, بصة كلها قرف, وقال: “حسبي الله ونعم الوكيل فيكي.” ولف ومشي, وسابهم واقفين مصدومين في فضيحتها.
رجع مصطفى المنيا, والدنيا كلها اقلبت لصالحها. الناس اللي كانت بتوطي صوتها وهي معدية جنبه, بقت توقف تسلم عليه بحرارة وتعتذرله عن الكلام اللي اتقال في حقه من غير علم. طليقته ما بقاش ليها عيون تبص بيها في الشارع ولمت نفسها خالص. وفي بيت مصطفى وفوق محل الدهب, الحال اتغير تماما. مصطفى شال الكنبة من الأوضة الصغيرة ورماها, ودخل أوضة النوم الكبيرة وبقى ينام جنب عايدة اللي نورت حياته بجد. مبقاش فيه حواجز ولا اتفاقات على الورق. بقى فيه حب حقيقي وصادق بين اتنين استحملوا مرار العيشة لحد ما ربنا فرجها عليهم من اوسع الأبواب.
بعد الشهور دي كلها, ربنا اكرمهم بالفرج التام. عايدة حملت, والدكاترة طمنوهم إن الحالة بقت ممتازة بفضل الاستقرار النفسي والرزق اللي ربنا كاتبه. عدت الشهور بسرعة, وعايدة ولدت في مستشفى النيل في المنيا, وجابت ولد زي القمر, سموه محمد على اسم أبو مصطفى الله يرحمه. مصطفى كان شايله بين إيديه ومش مصدق نفسه, بيبوس في راسه كل دقيقة. بالليل, بعد ما كل الناس مشيت, كان قاعد جنب سرير عايدة في أوضة المستشفى, ومحمد نايم في حضنها. بصّلها وهي تعبانة من الولادة بس منورة وقالك وهو بيضحك من قلبه: “بقولك ايه يا أم محمد, أنا عايز عيال كتير منك, عيلة تملا البيت ده كله.” عايدة ضحكت, وشها منور بالتعب والفرحة: “براحتك, اللي يجيبه ربنا.” قرب منها وباس راسها بحب, وقال: “أنا بحبك يا عايدة, بحبك أوي.” بصتله بعيونها اللي كلها دموع الفرح, وقالت الكلمة اللي كانت شايلاها في قلبها من سنين, من قبل ما يتجوز الأولى أصلا: “وأنا بحبك يا مصطفى. بحبك من زمان أوي.” ومصطفى ضمها هي وابنهم لحضنه, وحس إن الدنيا ضحكتله أخيرًا وعوضته بكل خير الصابرين.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




