روايات

تشابك الاقدار ل سعاد محمد

بمنزل عائلة الفاضل بإحدى قري ريف الفيوم:
دخلت هناء على سلفتها وهي تظهر الحزن على التي فارقت الحياة وتركت أطفالها، لتقول باصطناع: “والله الواحد من كثر حزنه على الشابة اللي فارقت أولادها قلبي بيوجعني.”
لترد عليها منال بنبرة متوازنة: “سلامة قلبك، طول عمرك رقيقة وبتهتمي بالجميع.”
لتقول هناء: “أنا زعلانة أكثر على أولادها، فقدوا أبوهم وأمهم وهما صغار، وفيهم بنتين يعني عايزين اللي يحن ويحاوط عليهم.”

لتدخل جهاد عليهم وتسمع حديثها، لتقول بثبات: “ربنا أرحم بيهم، وإحنا موجودين ومش هنسيبهم أبداً.”
لترد هناء: “أكيد كلنا حواليهم، بس انتِ ممكن تتجوزي في أي وقت وتبعدي عنهم.”
لترد جهاد بتأكيد: “لا اطمني يا مرات عمي، أنا هفضل معاهم وهراعي ربنا فيهم.”
لتقول هناء: “أنتِ كبرتي والمفروض تفكري في حياتك، دي هدى الأصغر منك كانت هتتجوز لولا الظروف الأخيرة والواحدة محتاجة اللي يشاركها حياتها.”
لترد عليها منال: “كل شيء نصيب، ونصيب جهاد أكيد هيجيلها لحد عندها.”
لتقول جهاد: “وبعدين أنا دكتورة في الجامعة وأقدر أتحمل مسؤوليتي ومسؤولية أولاد اختي، وأنا مش محتاجة غير توفيق ربنا.”

شعرت هناء بالضيق من ردودهما الحاسمة، فتعللت بالذهاب إلى المطبخ للوقوف على يد العاملين وغادرت وتركتهما.
ذهبت هناء إلى المطبخ وهي في قمة انزعاجها، لتقول للخادمة بأمر: “اعملي لي عصير الليمون بالنعناع بتاعي.”
لتقول الخادمة لها باستفسار: “هو إيه اللي مضايقك أوي كده يا ست هناء؟”
لترد عليها: “اعملي اللي طلبته منك بس.”
وتقول في نفسها: (فاكرة نفسها لسه صغيرة، دي قربت تخلص ثمانية وعشرين سنة وداخلة على تسعة وعشرين، ولأ وبتقول إنها دكتورة في الجامعة! نسيت الحكاية القديمة ولا عشان سالم سفرها بعدها هي وحبيبة قلبه اللي ساكنة قلبه الست عبير ورافض أي واحدة غيرها، وياريتها بتحبه!).

بمنزل عائلة ذاكر بالقاهرة:
جلست الأم الحزينة على فراق ابنها وبُعد أبنائه عنها؛ فهم العوض عن الراحل ولكنهم ابتعدوا عنها. دخل عليها ماهر فوجدها تضع صورة لأخيه ومعه أبنائه على ساقها، وتقرأ في المصحف الشريف وتبكي بشدة.
جلس جوارها متألماً ووضع يده على كتفها يواسيها.
أغلقت المصحف الشريف ونظرت إليه ودموعها تملأ وجهها. مسح دموعها وقال لها بحزن: “ليه يا أمي؟ أكيد باهر لو شافك بالشكل ده كان هيزعل، ادعي له بالرحمة.”
لترد ببكاء: “ربنا يرحمه.. عملت إيه في موضوع رؤية أولاده؟”
ليرد عليها: “المحامي اتصل عليا وقال إن أخو ابتهال بيقول إن بابه مفتوح ونقدر نروح في أي وقت.”
لتقول له سريعاً: “خلينا نروح لهم بكرة، أنا بقالي فترة مشفتهمش من يوم الجنازة.”
ليرد عليها: “حاضر يا أمي، هنروح بكرة، هتصل على المحامي يبلغهم.”
لتشعر براحة قليلة في قلبها، فلعل رؤيتهم تطفئ نار فقدانها.

كانت جهاد تجلس مع أبناء أختها المتوفاة تلعب معهم في الحديقة وتحاول تعويض غياب والديهم عنهم، ليرن هاتفها لتجدها صديقة طفولتها عبير، فأخذت الهاتف وذهبت بعيداً عنهم قليلاً لترد.
بعد أن رحبت بها، تحدثت إليها عبير بسؤال: “أنتِ هتعملي إيه مع أولاد أختك؟”
لترد جهاد بحيرة: “مش عارفة، انتِ عارفة إن الدراسة على الأبواب ولازم أرجع الجامعة، وحالة ماما النفسية مش هتقدر تهتم بيهم، ومرات عمي هناء صعب تتحملهم، وعمتي منال عندها مشاكل في ظهرها، وسالم وفارس عندهم أشغالهم.”

ارتجف قلب عبير عندما سمعت اسم سالم، لتقول بتأثر: “يا رب ربنا يكتب لهم الخير ويبعدهم عن أي توتر.”
لترد جهاد عليها: “انتِ القصة القديمة لسه مؤثرة عليكِ ومضايقاكي منه، بس أنا متأكدة إنك في يوم هتصدقيه وإن اللي شفتيه وسمعتيه كان سوء فهم.”
لترد عبير: “هو ملوش وجود في حياتي علشان أصدقه أو أكذبه، سيبنا من سيرته وقولي لي انتِ مش هتجي القاهرة قريب؟”
لترد جهاد: “مش عارفة، بس هتصل عليكِ أقولك.”

سمعت جهاد من خلفها صوت أخيها سالم وهو يتحدث مع أبناء أخته، ليأتي إليها ويقول: “الست همت جدة الأولاد جاية هنا بكرة علشان تشوفهم.”
لترد عليه: “أهلاً بيها.”
ليقول لها: “كملي تليفونك، أنا رايح لمرات عمي هناء أشوفها عايزة مني إيه.”
هزت رأسها بإيجاب ليتركها ويذهب، ولكنه تجمد مكانه عندما سمعها تقول: “أنا معاكِ يا عبير…”
شعر بألم في قلبه عندما سمع اسم معذبته، ليعود للسير إلى الداخل.

أما جهاد فتحدثت مرة أخرى إلى عبير، لتسأل عبير وتقول لها: “كان عايز منك إيه؟”
لترد جهاد: “بيقول إن جدتهم جاية الفيوم بكرة.”
لتقول عبير بسؤال: “وهتعملوا إيه لو طلبت إنهم يعيشوا معاها؟”
لترد جهاد: “معرفش.”
لتقول عبير: “المفروض تتوقعوا إنها ممكن تطلب تاخدهم، ابتهال كانت بتقول على ماهر إنه صعب في التعامل وبيعصب بسرعة.”
لترد جهاد: “ربنا يسردها من عنده ويقدم اللي فيه الخير.”

عند سالم وهناء:
قال سالم بنفاذ صبر: “ياريت يا مرات عمي تقولي عايزة إيه مباشرة.”
لترد عليه وهي تظهر الحزن: “أنت عارف إن فرح هدى اتأجل بسبب المرحومة ابتهال، وخطيبها هيسافر بعد شهر وكان جالي وقال إنه عايزها تسافر معاه، وأنا قولت له خليها بعد السنوية، قال إن العقد بتاعه مش هينزل إلا بعد سنتين.”
ليقول سالم بتنهيدة: “تمام، وأنتِ عايزة إيه؟”
لترد: “أنا قولت لعمك خلينا نعملهم فرح هادئ وتسافر معاه، بس عمك رفض وقال مش قبل سنوية المرحومة ابتهال، وخطيبها مصمم.”

صمت سالم قليلاً ثم قال: “تمام، بلغي خطيبها إنه يجهز لفرحه.”
لتبتسم وتقول له: “يعني أنت مش هتزعل عشان هدى أصغر من جهاد وهتتجوز قبلها؟ وكمان عشان المرحومة اللي ما فاتش على رحيلها غير وقت قصير؟”
ليرد سالم بقوة ووضوح: “جهاد حرة في حياتها وأكيد لها نصيبها، وأما عن رحيل ابتهال، فـ هدى لها في معزة أختي وأتمنى ليها الخير وهيتعمل ليها فرح يليق بعائلة الفاضل.”
وقف وقال: “ربنا يوفقها ويتمم لها على خير، وياريت تخليهم يجهزوا العشا علشان أنا عايز أنام بدري.”

تركها وذهب وهي في قمة انزعاجها لعدم تأثره، لتذهب وتأمرهم بتجهيز العشاء.

بعد قليل، كانت العائلة تجلس على طاولة الطعام التي يرأسها راضي بصفته أكبرهم سناً.
لتتحدث هناء وتقول: “سالم وافق إننا نعمل فرح هدى.”
لينظر إليها راضي بعتاب قائلاً: “أنا قولت مش قبل سنوية ابتهال، الناس هتقول إيه؟”
ليرد سالم: “مش مشكلة يا عمي، الحزن في القلوب والأمر يخصنا، والناس مالهاش دخل عندنا.”
ليقول عبد العظيم: “بس المفروض كان يتأخر شويه زي ما راضي قال.”
لتقول منال: “كلام عبد العظيم مظبوط، المرحومة كانت غالية.”
ليقول سالم: “الموضوع منتهي، وخليهم يحددوا الميعاد، وكمان بكرة الست همت هتجي علشان تشوف أحفادها.”

لتقول منال: “تشرف، بس أنا خايفة لتقول إنها عايزة الأولاد يعيشوا معاها.”
ليرد عبد العظيم سريعاً: “طبعاً هنرفض، دول أمانة أختنا وإحنا لازم نصونها.”
لتقول هناء: “بس هما أحفادها وهي أولى بيهم.”
لترد جهاد: “لأ طبعاً إحنا أولى، ودي ست كبيرة ومحتاجة معاونة في رعايتهم.”
ليقف سالم قائلاً: “لكل مقام مقال، وقتها ربنا هيحلها.. أنا تعبان وطالع أنام، تصبحوا على خير.”
ليردوا جميعهم عليه بالمثل.

في غرفة عبد العظيم ومنال:
دخل إلى غرفته ويملأ قلبه الضيق، لتقول له زوجته منال: “انت زعلان علشان هناء عايزة تعمل فرح هدى يا عظيم؟”
ليرد عظيم: “هناء طول عمرها بتفكر في مصلحة بيتها بس، لكن ما تراعيش شعور الأولاد.. دي حاجة غريبة، ومقُدرش أفهم ليه سالم طاوعها.”
لترد منال: “سالم أكيد وافق علشان محدش يقول إنه زعلان إن هدى أصغر من جهاد.”
ليرد عبد العظيم: “جهاد بيتقدم لها شباب زي الورد وهي اللي بترفض براحتها، إنما هدى ربنا يسعدها مع خطيبها.”

جفاه النوم، وظل سالم يفكر في تلك معذبة قلبه التي صدقت الشائعات وفضلت الرحيل والبعد عنه، ليظل هو عاشقاً لها بعشق يزداد رغم سنوات البُعد الطويلة؛ فهي لم تبتعد عن قلبه لحظة.
وكان خائفاً من زيارة جدة أطفال أخته، فليس لديه رغبة في التفريط فيهم إذا أرادت أخذهم.
تمنى أن يأتي الصباح بحلول جديدة وينهي سهاده، لعل شمس الغد تشرق بأمل جديد.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى