
بعد أن أغلق والدها الباب، انهارت في بكاء مرير وهي تضم نفسها بانهيار لا تصدق أنه سوف يخطب غيرها! قامت وهي تتحامل على نفسها وذهبت للحمام الملحق بالغرفة وتوضأت وقامت بفرش سجادة الصلاة. كانت تصلي وهي تبكي، تغرق وجهها، وقلبها يؤلمها من شدة الوجع: “يارب أنت عارف أنا حبيته قد ايه واتمنيت اليوم اللي أبقى فيه مراته، يارب إنزع حبه من قلبي، والله ما هقدر أستحمل أشوفه مع واحدة تانية غيري!”
أنهت صلاتها وهي تضم نفسها بقوة وقلبها يكاد ينفجر من كثرة الألم. صحيت من النوم لقت نفسها نايمة مكانها على سجادة الصلاة. قامت من على السجادة وهي حاسه بصداع شديد في دماغها، تجاهلته وغسلت وشها ونظرت لوجهها الشاحب وعينيها المتورمتان وملامحها الباهتة، وابتسمت بحزن وهي تستعد لارتداء ملابسها للخروج قليلاً حتى تقلل من حزنها. خرجت وجدت والدها يشاهد التلفاز بملامح حزينة.
زهره وهي تحاول أن تبتسم: صباح الخير يا بابا.
فور أن رآها والدها تبتسم تحولت ملامحه من الحزن للفرح قائلا: صباح النور يا روح قلب أبوكي، عاملة إيه دلوقتي؟
زهره بهدوء: الحمد لله أحسن.
أحمد براحة: الحمد لله، كنت قلقان امبارح عليكي أوي.
ثم تغيرت ملامحه للاستغراب: لابسة كده ورايحة على فين؟
زهره: هروح أجبلي شوية حاجات كده نقصاني وجاية، عايز حاجة يا بابا؟
أحمد بفرح: لا يا حبيبتي، أنا مش عايز غير إنك تكوني قدامي مبسوطة وفرحانة، ده عندي بالدنيا كلها والله.
زهره بابتسامه: ربنا يخليك ليا يا بابا وميحرمنيش منك.
—
أحمد بحنية: ولا يحرمني منك يا حبيبتي، من ساعة ما والدتك اتوفت وأنا عايش عشانك، إنتي أكتر حاجة بتمناها إني أشوفك مبسوطة وتحققي كل اللي بتمنيه. أنا متأكد إن والدتك لو كانت عايشة كانت هتبقى فخورة بيكي زي ما أنا فخور بيكي، وعارف إن زهره بنتي قوية مفيش حاجة تهزها مهما كانت، فهماني يا زهره؟ واتأكدي إن مفيش حاجة تستاهل انك تزعلي نفسك عشانها كده، ومفيش حد يستاهل انك تعملي في نفسك كده عشانه، فهماني يا بنتي؟
زهره بحب: حاضر يا بابا، أوعدك.
أحمد بحب: ماشي يا بنتي، في حفظ الله، متتأخريش وخلي بالك من نفسك.
زهره بحب: حاضر.
نزلت زهره من على السلم وهي بتفكر في كلام بابها. قاطع تفكيرها صوت يوسف اللي كان طالع على السلم قصادها وهو بيقول: صباح الخير يا زهره.
زهره كالعاده توترت لما شافته قدامها وقلبها بدأ يدق جامد، تمالكت نفسها وهي بتقول بجمود: صباح النور.
يوسف باستغراب: مالك، في حاجة ولا إيه؟
زهره ببرود عكس قلبها الذي تكاد تسمع صوته من كثرة دقاته: مالي، ما أنا كويسة أهو، لو سمحت عديني عشان متأخرة.
يوسف باستغراب أكبر من طريقتها: رايحة على فين كده؟
زهره ببرود أكبر: وأنت مالك؟
يوسف بغضب: أنت بتكلميني كده ليه؟
زهره ببرود وجمود: بكلمك بالطريقة اللي تناسبك يا ابن عمي، لو سمحت عديني.
زقته وعدت وهي بتكمل مشيها ببرود. ويوسف مكانه بيستشيط من الغضب: “هي بتكلمني كده ليه؟ لا، مش معقول تكون بطلت تحبني، أنا مفيش حد يكلمني كده ولا يتجاهلني، ماشي يا زهره!”
اما عند زهره راحت واشترت بعض الملابس وخلصت وهي طالعة على السلم لقت يوسف في وشها وهو بيقول بغضب: الساعة كام يا هانم؟ كل ده برا بتعملي إيه؟
زهره وقد بدأت تصدقه بجد!!
يوسف وهو يضحك بخبث: آه والله، أنت صدقتي يا عبيطة؟
زهره بضحك: آه، أنا بجد آسفة على الطريقة اللي كلمتك بيها الصبح، متزعلش مني.
يوسف بخبث: خلاص مش زعلان، معتعتش تتأخري برا تاني يا ريت.
زهره بضحك وحب: حاضر، تصبح على خير.
يوسف بتسليه: وأنت من أهله.
زهره بفرح وبدون وعي: بحبه يا بابا، بحبه أوي.
أحمد بخبث: هو مين ده؟
زهره بدون وعي: يوسف.
أحمد بخبث أكبر: وهو كل التطنيط والفرح ده عشان يوسف؟
زهره أخيرا وقد فاقت وادركت ما تفوهت به للتو: بابا، يعني هو…
أحمد بخبث: يا بت، دا أنا عارف اللي فيها، جهزي نفسك يلا!
زهره باستغراب: أجهز نفسي لايه؟
أحمد بحب: أنت بتحبيه وهو أكيد بيحبك، وأنا واثق في يوسف وعارف إنه هيتقي ربنا فيكي وهيصونك، وقريبنا ومننا وعلينا وأنت متعلقه بيه، يبقي إيه يا بنتي؟ إن شاء الله هكلم يوسف نتفق على ميعاد قراية الخطوبة.. ولا أقولك خليه كتب كتاب على طول، أنتوا عارفين بعض بما فيه الكفاية، ولا رأيك؟
زهره وهي في حالة صدمة وبتبص لولدها وقلبها يكاد يخرج من صدرها من كثرة خفقانه وقالت بفرح: طبعا يا بابا أكيد موافقة، أنا مش عايزة منه ولا شبكة ولا مهر ولا حاجة، أنا عايزه هو!
أحمد باعتراض: يا بنتي م ينفعش و…
قاطعته زهره بحب: يا بابا أنت عارف إن ظروفه على قد وعينه مش هيقدر على التكاليف دي، وأنا مش عايزة حاجة غير أني أبقى معاه يا بابا، ودا قراري وهنعيش في الشقة اللي أنت جايبها ليا، أنا عارفة إنه مش هيقدر يجيب شقة ولا مهر ولا الحاجات دي.
أحمد باعتراض أكبر: يا بنتي مش هينفع.
زهره باعتراض: لو سمحت يا بابا دا قراري، وبعدين أنا وهو واحد ومفيش فرق، وبعدين أنت قولت أهم حاجه عندك سعادتي وأنا سعادتي مع يوسف، مش عايزة حاجة تانية غيره.
أحمد بعدم رضا ولكنه قال بقله حيله: براحتك يا بنتي، دي حياتك وأنت حرة.
زهره بفرحة وهي لا تصدق أنها ستتزوجه، ظلت تدور حول نفسها بفرحة، دخلت غرفتها وهي تجلس على السرير وتفتح هاتفها وتنظر لصورة التي تملئ هاتفها، وتنام على السرير مكانها بفرح وهي لا تصدق أنها ستتزوج حب عمرها وتنظر لصورة بعشق وهي تسرح به وتتخيل حياتها مع حب عمرها بمكان ليس به أحد سواهم.
أما عند يوسف كان بيكلم صاحبه بتسليه: يا عم دي معندهاش كرامة، مسحت بكرامتها الأرض!
يوسف بغضب: أنا مفيش حد يرفضني ويتجاهلني، وطريقتها معايا دي أنا هندمها عليها، بس أنا بحب أتسلّي وأنا بشوف توترها وحبها ليا وكرامتها اللي دايسة عليها خالص دي، أهي مجرد تسلية في وقت فراغ مش أكتر!
ثم تغيرت ملامحه عندما رأى عمه يرن عليه هاتفا باستغراب: باسم اقفل كده، عمي بيرن عليا هشوف عايز ايه وهبقي أكلمك.
أغلق باسم الخط، وقام يوسف بالرد على عمه قائلا باحترام: السلام عليكم، ازيك يا عمي؟
احمد بحب: الحمد لله يا ابني، أنت عامل ايه؟
يوسف باستغراب فليس من عادة عمه أن يرن عليه لكنه رد: الحمد لله كويس، في حاجة يا عمي؟ حضرتك كويس وزهره كويسة؟
احمد بحزن: لا والله يا ابني، أنا مش كويس، عشان كده كلمتك تجيلي بكره أكلمك في حاجة مهمة.
يوسف بقلق على عمه: في إيه يا عمي؟ متقلقنيش عليك.
احمد بهدوء: م ينفعش في التلفون، إن شاء الله بكره أقابلك بكره وأقولك.
يوسف بقلق: ماشي يا عمي، بكره إن شاء الله هكون عندك.
احمد بهدوء: ماشي يا بني، مع السلامة.
يوسف: مع السلامة يا عمي.
يوسف عاود الاتصال بباسم: باسم.
باسم: أيوه يا يسطا، عمك كان عايزك في ايه؟
يوسف بقلق: معرفش، بس بيقول إنه مش كويس.
باسم بخبث: ومالك خايف عليه كده ليه؟
يوسف: عمي دا يعتبر اللي مربيني بعد ما بابايا اتوفى وتكفل بمصارفي كامله، وهو اللي كان بيصرف عليا أنا وأمي، احنا من غيره كنا هنشحت، أبويا راجل على قد حاله ولما مات مسباش لينا حاجة فعمي اللي اتكفل بمصارفنا كاملة.
باسم بخبث: ربنا يطمنك عليه، هقفل أنا بقى.
يوسف: ماشي مع السلامة.
ثم قام بغلق الخط وهو يفكر في سبب مكالمة عمه له، بعد تفكير طويل ذهب في سبات عميق.
استقيظ يوسف من النوم وهو مقرر الذهاب لعمه ليعرف ما هو الأمر، خبط الباب فتح له عمه قائلا بهدوء: تعالي يا يوسف يا ابني.
يوسف بقلق: في إيه يا عمي طمني، مالك، أنت كويس؟
احمد بهدوء: بص يا ابني، أنا اكتشفت من فترة أن عندي ورم في المخ وأيامي في الدنيا معدودة، وأنا بوصيك على زهره تتجوزها وتخلي بالك منها. لو سمحت يا ابني اسمعني ومتقاطعنيش، أنا مش هأمن لبنتي على حد زييك، هي بتحبك ومقدرة ظروفك وقالتلي مش عايزة منك ولا شبكة ولا مهر ولا أي حاجة، حتى الشقة هتكتبلك الشقة بتاعتها باسمك، أنا واثق فيك وعارف انك قدها وعارف انك هتحافظ على بنتي، أتمنى تحافظ عليها وتتعوضها في غيابي وتكون ليها السند والأمان، وأنا يا بني خلاص رجلي والقبر هكتبلك نص ثروتي باسمك تبدأ بيهم مشروع ليك، أنت هتتجوز في الشقة بتاعتها لحد ما تكون نفسك بعد الجواز وتشتري شقة بفلوسك، أتمنى يا ابني توافق عشان أكون مطمن على زهره قبل ما أموت.
يوسف باستسلام: حاضر يا عمي.
خرج يوسف من عند عمه وهو يفكر في كلامه، أولاً ميقن أنه ماينفعش يرفض طلبه عشان هو اللي مربيه وخيره عليه، وثانياً عشان… وهنا عينيه لمعت بطمع وهو بيقول: “عشان الورث اللي هاخده! والله يا عمي ما كنت هوافق أخد بنتك، بس كله عشان خاطر الفلوس، ما الفلوس بتنسي بردو!”
تم الاتفاق بعد كده على ميعاد الفرح وكتب الكتاب، وكانت تكاليف الفرح على والد زهره، وتم الفرح وتجوز يوسف وزهره، وكان باين عليه الاقتضاب والضيق بس كان بيحاول يبين إنه مبسوط عشان خاطر عمه. وبعد ما وصلوا البيت، كانت زهره قعدة مكسوفة وبتحك إيديها الاتنين في بعض بكسوف واتفاجئت بيوسف بيقولها…
اظن كده التمثيلية خلصت!
زهره باستغراب: تمثيلية ايه؟




