
إيمان كانت بنت ما بيتسكتش ليها، من وهي في أولى جامعة وهي صوتها عالي في كل حاجة؛ حق الطلبة، الرحلات اللي بتتلغي، الكافيتريا اللي أسعارها بتغلى، والدكاترة اللي بتستقصد العيال. فطبيعي جداً لما بقت في سنة تالتة أنها تبقى رئيسة اتحاد الطلبة في كلية الآداب، الكل بيحبها والكل بيعملها حساب، البنات شايفينها قدوة والولاد شايفينها أختهم الجدعة اللي بميت راجل، وإيمان عمرها ما كانت من النوع اللي بيدور على الحب والكلام ده، هي شايفه أن الحب ده تضييع وقت وأنها عندها حاجات أهم بكتير.
وفي الناحية التانية كان فيه دكتور فارس، دكتور فارس ده كان حكاية لوحده، لسه واخد الدكتوراه من إنجلترا وراجع عنده تسعة وعشرين سنة، طويل وعريض ولابس نظارة وكل كلمة بيقولها في المحاضرة محسوبة، بس مشكلته أنه متسلط بجد؛ يعني عنده قاعدة كده أن مفيش بنت هتاخد عنده امتياز غير لما تكون تستاهل الامتياز ده بجد، ومش بيحب شغل الاتحادات وشايف أن الطلبة دول آخرهم يحضروا محاضرتهم ويسكتوا. وطبعا عشان هو حلو وغني وشيك فكل بنات الجامعة هتموت عليه، كل بنت تحلم أنه يبصلها حتى، إلا إيمان.
إيمان كانت بتكرهه، بتكره طريقته وهو بتكلم من فوق، بتكره أنه مرة قالها في اجتماع مجلس الكلية قدام العميد دكتور فؤاد إن اتحاد الطلبة ده نشاط ترفيهي مالوش لازمة وأن رئيسة الاتحاد مكانها تنظم حفلة مش تناقش لايحة دراسية، من ساعتها وهي شايلاها له.
مليكة وحنين صحاب إيمان الأنتيم من أولى ابتدائي؛ مليكة اللي لسانها متبري منها وحنين الهادية اللي دايما بتلم وراهم، كانوا كل يوم يسمعوا إيمان وهي بتشتم في دكتور فارس، يقولولها: “يا بنتي ده كل البنات هتموت عليه أنتِ اللي عاملة كده ليه؟”، تقولهم: “عشان مغرور، مغرور وشايف نفسه ومفكر أن مفيش حد بيفهم غيره.”
الموضوع كبر لما دكتور فارس نزل مادة جديدة اسمها “فلسفة الأدب”، مادة اختيارية، وإيمان اضطرت تاخدها عشان هي المادة الوحيدة اللي مواعيدها مناسبة مع شغل الاتحاد. ودخلت أول محاضرة وهو عمال يتكلم عن العلاقات كأنها ضعف، وأن الارتباط بيخلي الإنسان أعمى وبيخليه يتنازل، والحب الحقيقي هو اللي بيجي بعد الزواج مش قبله، والبنات اللي بتدور على الارتباط في الجامعة دول بنات فاضية. إيمان ما استحملتش، قامت وقفت في نص المدرج اللي فيه يجي ميتين طالب وقالتله: “حضرتك بتتكلم بالطريقة دي كأنك عمرك ما جربت مشاعر بجد، أنت بتدرس كلام كتب لكن عمرك ما جربت إحساسه، إزاي تدرس لنا حاجة أنت مش مؤمن بيها أصلاً؟”
المدرج كله سكت، وفارس بص لها من فوق النظارة وابتسم ابتسامة باردة كده وقالها: “واضح أن رئيسة الاتحاد عندها اعتراض فلسفي، تحبي نعمل مناظرة قدام الجامعة كلها، ونشوف مين فينا كلامه هيقنع الناس؟” إيمان من غير ما تفكر قالتله: “موافقة.” قالها: “حلو، بس المناظرة لازم يكون ليها ثمن، لو أنتِ كسبتِ هتنجحي في مادي من غير ما تدخلي الامتحان وهعتذرلك قدام الجامعة كلها أني كنت غلطان، ولو أنا اللي كسبت، تبقي معايا لمدة شهر، شهر كامل تمشي معايا وتقولي لكل الناس أنك مرتببة مع دكتور فارس.”
العيال كلها شهقت، ومليكة كانت بتشدها من البلوزة تقولها: “اتلمي”، وحنين وشها أحمر، لكن إيمان كانت واثقة في نفسها زيادة عن اللزوم، قالتله: “موافقة، وأنا هكسبك وهخليك تعتذر.” واتفقوا أن المناظرة هتبقى يوم الخميس في المسرح الكبير واللي هيحكم هو العميد دكتور فؤاد ومعاه دكتور جلال أستاذ النقد الأدبي اللي معروف أنه حقاني ومش بيجامل حد.
الأسبوع اللي قبل المناظرة ده كان جحيم، إيمان ما بتنامش، عمالة تقرا في كتب وروايات وأشعار، ومليكة وحنين معاها ليل نهار بيساعدوها، وإيمان كل ما تفتكر أنها لو خسرت هتبقى قريبة من الراجل اللي بتكرهه تبقى هتتجنن أكتر فتذاكر أكتر.
أما فارس فكان هادي جداً، بيحضر محاضراته عادي وبيشرب قهوته في مكتبه ولا كأن فيه حاجة، وده كان بيغيظ إيمان أكتر، كانت بتعدي من قدام مكتبه وتبص له بقرف وهو يرفع لها فنجان القهوة كأنه بيقولها استهدي بالله.
جه يوم الخميس، المسرح الكبير مليان على آخره، طلبة واقفة في الطرقة، وبنات جايبة ورد لدكتور فارس، وولاد جايين يشجعوا إيمان. والعميد فؤاد قاعد في النص وجنبه دكتور جلال، وإيمان طالعة على المسرح لابسة أسود في أسود وشعرها ملموم وبتلمع من الحماس، وفارس طالع بقميص أبيض وبدلة كحلي وشكله واثق كأنه رايح يتفسح.




